Saturday, 30 April 2011

الحياة في مستوطنة مصرية


نشر المدون عوفري إيلاني هذه التدوينة، والتي تشير إلى العلاقات المتواصلة بين فلسطين ( أرض إسرائيل بالمفهوم اليهودي) وبين مصر. التدوينة على ما فيها من أراء مثيرة للجدل، تمثل نموذجاً للرأي العام في إسرائيل الآن حول مصر والتطورات الحادثة فيها، الرأي العام الذي يمكن وصفه بأنه مزيج من الرعب والانبهار. يطالب إيلاني في تدوينته هذه بوحدة إسرائيلية/فلسطينية مع مصر، ولا يعدم الدلائل التاريخية التي تشير أن هذه الوحدة حتمية وكانت موجودة دائماً، التدوينة منشورة بالعبرية هنا في المدونة التي تحمل اسم "أرض الأموري. أفكار وآراء من هنا ومن خلف النهر". يذكر أن تعبير "أرض إسرائيل" الوارد بوفرة في المقالة، هو أحيانا يكون ترجمة اجتهادية مني لتعبير "הארץ"، أو "ארץ ישראל" (هاآرتس أو إريتس يسرائيل) والمقصود بها فلسطين في الأزمنة القديمة بحسب المفاهيم اليهودية.

الحياة في مستوطنة مصرية

عوفري إيلاني

ترجمة: نائل الطوخي


"من الناحية الجيولوجية، فأرض إسرائيل هي إسفين يعوق البحر المتوسط عن الاتصال بالبحر الأحمر. ولكن هذا أيضاً أمر مؤقت "

"نقش على حائط المعهد الجيولوجي. منسوب لواحد من أحفاد دكتور بني بيجين"

ما يستفزنا في قصة الخروج من مصر ليس عدم صدقيتها، وإنما الحقيقة التي تخفيها. منذ أكثر من مائة عام، يعرف الأركيولوجيون أن قصة الخروج من مصر هي خيال سياسي محكم. ولكن المشكلة بوجه عام ليست في عدم دقة الوصف، أو عدم وضوح هذا الحادث الإعجازي أو ذاك. عندما يتم الحديث عن نص كُتب قبل ألفي عام، فكل هذا غير مفاجئ. من الناحية السياسية، فما هو فضائحي في القصة المحكية في الفصح هي أن الخروج من مصر لم يكن من الممكن له أن يحدث، لأن الأرض الموعودة أيضاً كانت جزءاً من مصر، لذا فلم يكن هناك ما يمكن الخروج إليه أبداً.

"في أرض مصر قام الشعب اليهودي، حيث تم تشكيل صورته الروحانية، الدينية والسياسية، وفيها عاش حياة من المواطنة بدرجات مختلفة تتراوح بين الازدهار والعبودية"، هذا الحكم مبتذل بما يكفي، ويتضح من داخل النص [الديني] نفسه. فرعون هو أول من أطلق على بني إسرائيل "شعباً"، وبعده على الفور أتى موسى. فقط بولندي عنيف ذو فكر مشوه مثل بن جوريون يمكنه أن يزعم –على النقيض التام مما قيل صراحة في التوراة – أن الشعب اليهودي قام في أرض إسرائيل، بل وأن يحول هذا إلى بديهية إنسانية عامة.

ما لا يتضح من النص نفسه هو أن أرض إسرائيل أصلاً كانت هي مصر. العهد القديم ينكر ويتجاهل حقيقة معروفة: في غالبية الفترات الموصوفة في العهد القديمة، فإن هذه الأرض كانت مستوطنة فرعونية. على مدار 400 عاماً على الأقل، ساد الحكم المصري على البلاد، وحتى بعد هذا ظلت أجزاء كبيرة منها خاضعة للتأثير المصري. محاولة التمييز بين إسرائيل ومصر كانت فعلاً قسرياً تماماً.

يمكننا أن نبدأ من هنا. عندما يتحدث نتنياهو أو عوتنيئيل شنلر بحنين عن أرض الأباء والاستيطان في الجبل، يمكننا تذكيرهما بأن الفترات التي يتحدثان عنها كانت هنا في مصر. ولإثبات أنني لا أخترع أية نظرية، فهاهو اقتباس من مقال يوحانان أهاروني، وهو ربما كبير الأركيولوجيين الصهاينة:

"أرض كنعان كانت مندرجة في إمبراطورية المملكة الفرعونية الجديدة التي قامت على ضفاف النيل ... [ولكن] قوة مصر القديمة وسلطتها على أرض إسرائيل في فترة الاستيطان لا تظهر في العهد القديم. عندما نقرأ وصف احتلال الأرض على يد يوشع، يصعب علينا تخيل أن هذه الأحداث وقعت في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، في أيام السلطة المتواصلة لرمسيس الثاني، والذي حكم أرض كنعان أيضاً"...

ثمة شيء ما ممتع في أن يكون الدليل التاريخي الأساسي على وجود شعب اسمه إسرائيل في فترة العهد القديم هو نقش مرنبتاح، والذي يحكي فيه ملك مصري بأثر رجعي كيف ضرب هذا الشعب ومحى نسله. لو كان العهد القديم يحكي الحقيقة، فيمكننا اختصار القصة تقريباً في هذه الكلمات: "كان هنا مصريون، وكل الباقي كانوا زبداً على وجه الماء". ولكن بشكل موجه، فإن العهد القديم يخفي هذه التفصيلة التاريخية الهامشية. هذا يشبه تقريباً دولة ويسكونسين التي كانت تحكي تاريخها في مئات السنوات الأخيرة بدون الإشارة إلى كيان اسمه الولايات المتحدة.

على الامتداد الطويل، فلقد كانت كنعان مقاطعة مصرية. التأثير المصري كان مرتبطاً بشكل خاص بخط الساحل. يافا، وهي من المدن القديمة في أرض إسرائيل، كانت مدينة مصرية (بقايا هذا ظلت في باب رمسيس). التأثير المصري على الثقافة المحلية يتم التعبير عنه بطيف واسه من النتائج، منه في التوابيت التي تحاكي جسم البشر ويراقب بعضها المارة في الطابق الثاني من بناية جيلمان. دين العهد القديم مكدس بالأسس المصرية. النص الأول المكتوب بلغة شبيهة بالعبرية مكتوب بخط هيروغليفي. لفترات طويلة ظلت النخبة المحلية تدرس وتصقل ثقافتها في مصر. عندما نجح الحكام المحليون في التحرر من مصر، حدث هذا فقط لفترة محدودة وبدعم إمبراطوريات أخرى.

ليس أنه لم تكن هناك محاولات للمقاومة. كانت هناك طبعاً فترات طويلة فقد فيها المصريون البلاد. ولكن الأحداث الكبرى في تاريخ البلاد مرتبطة في الغالب بالاتصالات المتجددة مع مصر. عادت مصر في كل مرة. عادت مع الفرعون شيشك وعادت مع الفرعون ناخيه. وكذلك بعد عصور العهد القديم، عادت مصر. عادت مع التلميين، ومع صلاح الدين والمماليك، ومع محمد علي في القرن التاسع عشر والذي ولد في عصره الشعب الفلسطيني[1]. فقط في 1906 تم تحديد خط الحدود المباشر والمصنوع بين مصر البريطانية وفلسطين العثمانية. ولكن هذا أيضاً حدث لمرحلة مؤقتة. السيطرة البريطانية قامت من جديد بالتوحيد بين مصر وفلسطين. من ينظر إلى صحف فترة الانتداب البريطاني يرى أن تقارير وكالات الأنباء كانت تصل عن طريق القاهرة. في الواقع، فلقد كانت القاهرة هي عاصمتنا.


2

ولكن انظر إلى أرض مدينة القدس هذه! لا أبي ولا أبي [أع]طياني إياها- اليد [القوية لملكي أع]طتني إياها!

(جزء من خطاب لفرعون، من وثائق العمارنة، الوثيقة رقم 287)

مؤرخون محترمون سبق وأن أثبتوا أن الأسطورة الصهيونية عن إيقاف طابور المدرعات المصرية في جسر "عد هالوم"[2] لا تناسب الوقائع. دافيد طال أبان عن أن رحلة الطابور المصري شمالاً لم يتم إعاقتها على يد جيش الدفاع الإسرائيلي، وأنها توقفت بالأساس تبعاً لحسابات القائد المصري. وأكثر من هذا، فالمصريون لم يفكروا فعلاً في الوصول لتل أبيب، وخططوا للوصول على الأكثر ليفنيه.

مع هذا، فأسطورة "عاد هالوم" تشير إلى شيء ما جوهري: الخوف العميق لدى الصهيونية من الغزو المصري. هذا في الواقع هو الوضع الكارثي الذي يراه الإسرائيليون في كوابيسهم: المصريون قادمون. بعدها بخمس وعشرين عاماً، تجسد نفس المشهد بشكل أكثر تراجيدية في معارك الإيقاف بسيناء ضد الغزو المصري. عندما تحدث ديان عن خراب الهيكل الثالث، كان يعرف ما الذي سيأتي بدلاً منه: سلطة مصرية على أرض إسرائيل، وهو اختيار التقصير – الوضع طبيعي، ما بعد الكارثي. أنا، الذي كبرت في ظل اتفاقات كامب ديفيد، كنت أسمع بالأساس جملة "السوريون على الجدار". اتفاق السلام مع مصر حدد الحدود مجدداً، والتهديد المركزي انتقل للشمال. ولكن الوضع بعد كامب ديفيد هو وضع فريد وغير مستقر: ليس فقط أن المصريون لا يسيطرون على إسرائيل، ولكن في المقابل، وبمفهوم معين فإسرائيل تسيطر على مصر، بواسطة تعاون مبارك مع الإمبراطورية الأمريكية – صهيونية. تنسيق كهذا حدث للمرة الأول في أيام احتلال مصر على يد الهكسوس، قبل حوال 3740 عاماً.

وماذا الآن، عندما تتغير مصر؟ من أين نبع الخوف العظيم عندما بدأ عرش مبارك في الاهتزاز؟ هذا نفس الخوف القديم من الغزو المصري، وهو أساس أولي في الوجود هنا. ربما ينبغي أن نتحرر منه.


3

الحاخامات يقولون، أنه عندما حدث الشرخ السوري

الأفريقي، سكان المناطق لم يكونوا

متطورين. انشغل كل منهم

بعمله. بشحذ الفئوس. بتمزيق الحيوانات

(آفوت يشورون، من "أغنية على مساء هذا اليوم")

قبل عدة سنوات شاركت في واحدة من تلك اللقاءات التي ينظمها الاتحاد الأوروبي للصحفيين في الشرق الأوسط. حدث هذا في أثناء عملية "الرصاص المصبوب". الصحفيون الأردنيون كانوا واعين جيداً لأزمة الوعي الاستراتيجية التي تقع فيها إسرائيل، والتي تدفعها للرد بشكل عنيف جداً. ولكنهم لم يفهموا لماذا نتجاهل الخيار الذي بدا لهم مطلوباً: السماح للملك الأردني بإدارة الشئون في فلسطين. "الملك وأبوه، هما رجلان متزنان جداً"، قالوا، "هما يعرفان كيف يديران هذه الشئون".

وبالفعل، خيار الاتحاد الكونفديرالي مع الأردن يقع دائماً في مكان ما في الأفق. ولكن الأردن هي عكاز هش – دولة ضعيفة، متخيلة أكثر بكثير من إسرائيل. وهي أيضاً تتمتع بنظام رجعي مكروه من الفلسطينيين.

في مقابل هذا، فهناك في المنطقة قوة عظمى أخرى يمكن التوحد معها: مصر. مصر هي المستقبل. هي القوة الفعالة والإبداعية في المحيط من حولنا. سواء كان هذا جيداً أم سيئاً، فإن الأمور المهمة في المنطقة تحدث في مصر، منذ ناصر، مروراً بحرب أكتوبر، اتفاقات السلام وثورة التحرير.

وأكثر من هذا، فإن الحديث عن وحدة كهذه أو تلك مع الأردن، الضفة وإسرائيل دائما ما تتجاهل غزة، التي تظل بمثابة إزعاجاً خاضعاً للبؤس الدائم. محللو الأمور العربي يبتهجون بشرح أن سكان غزة وسكان الضفة لا ينتميان إلى شعب واحد – الغزاويون يتحدثون بلهجة مصرية ويتأثرون بالسياسة المصرية.

فقط الوحدة مع مصر، بهذا الشكل أو آخر، سوف تمنح وظيفة جوهرية لقطاع غزة – ليس كفضالة جنوبية لفلسطين، وإنما كنقطة اتصال مع أفريقيا، أسيا وأوروبا، محطة انتقالية بشوشة للاجئين والمهاجرين والحجاج والسياح.

آلاف السنوات، بدون مبالغة، من التلقين جعلتنا نفكر في أن هذه الفكرة هشة. ولكن يمكنها أن تكون عقلانية، بل وفي القريب. عندما يسقط الأسد في سوريا، قد يقوم نظام شقيق للنظام الذي سيقوم في مصر. في هذه الحالة، ليس بعيداً أن يقام اتحاد ما بين الدولتين، فيما يشابه جمهورية ناصر العربية المتحدة. ولكن هذه المرة، على إسرائيل – فلسطين أن تكون جزءاً من الاتحاد.

في الواقع، فإن الامتزاج في مصر هو الخيار الوحيد الذي يمكنه أن يضمن الاستقرار والازدهار هنا. بالتحديد لأنه يناقض حدسنا الكاذب، فهو يثير الحماس أكثر.

على السطح، فإن تأثير الثقافة المصرية على إسرائيل الحالية هو هامشي. ربما هو محسوس فقط في المناطق الجنوبية مثل إيلان ونيتسانا. ولكن في الطبقة الأكثر عمقاً، فمصر هي كل شيء. محاولة معارضة التأثير المصري، وضع الأسوار والحصون والحواجز بيننا وبين مصر، هي في الحالة الأفضل بطولة ولكن بلا معنى، وفي الحالة الأسوأ هي مثيرة للشفقة ووحشية. ليس فقط جدار شارون، وإنما أيضاً جدار بيبي نتنياهو سوف يسقط يوماً ما.

خاتمة ثيولوجية: إلغاء الفصح

في ليل الفصح أنا في حديقة الاستقلال

(منسوب لحازي لسكالي)

وفق تعريفه، فإن الدين التوحيدي هو قبل كل شيء نفي لتعدد الآلهة. "ولا يكن لك آلهة أخرى أمام وجهي"، هكذا قال موسى عندما أسس دين إسرائيل. فيما يوائم هذا، فإن الدين التوحيدي مرتبط باضطهاد ونفي الأديان الأخرى. لذا فتأسيس دين توحيدي يأتي مصحوباً بتدمير المقدسات ومذبحة للمؤمنين.

قبل ولادة التوحيد في مصر، لم يكن هناك في الواقع أديان في العالم. لكل مدينة أو مملكة كانت هناك آلهة تخصها، ولكن عندما كان يزور يوناني من طيبة مصر أو سوريا كان يقدم القرابين للآلهة المحلية. عالم المصريات النظري يان أسمن يشير إلى الخروج من مصر بوصفه اللحظة التاريخية التي ولد فيها الدين التوحيدي الأول. يطلق عليه "The Mosaic Distinction "التمييز الموسوي". هذا خط تم تحديده على الأرض، ويقرر: حتى هذه اللحظة كانت هناك عبادة الأوثان المصرية، ومنذ هذه اللحظة صارت هناك عبادة "الإله الحقيقي". هذا في الحقيقة التمييز الأيديولوجي الأول، إذا شئتم: التطهير الأيديولوجي الأول في التاريخ. في نفس اللحظة ولدت أجهزة الكشف عن المعادن وولد الجدار، وولد أيضاً التعقيم القاتل المحسوس عندما ندخل الحي اليهودي في المدينة القديمة بالقدس، والذي يفوق أحياء أكثر إثارة للإعجاب . منذ أن تم تحديد الخط، ولد من صلبه بسرعة عدد لا يحصى من التمييزات الثانوية، المصحوبة بعنف مدمر. فور الانفصال عن مصر جاءت مذبحة الأموريين وشعوب كنعان.

في الواقع، فإن ادعاء أسمن هو أكثر تركيباً. في كتابه Moses the Egyptian يثبت بنجاح كاف أن قصة الخروج من مصر هي في الواقع معالجة لحادث صادم في التاريخ المصري: الثورة الدينية التوحيدية للفرعون إخناتون. أي أن الحدث المؤسس أيضاً للتاريخ اليهودي هو في الواقع حادث مصري داخلي.

أما فرويد، وآخرون بعده، فلقد ادعوا أن موسى هو في حقيقته كاهن مصري. من هذه الناحية، فالعودة إلى مصر، أو عودة مصر إلينا، ليست فقط حدثا درامياً على المستوى المحلي أو الإقليمي. إنه إغلاق لدائرة دينية سحرية. لأن عيد الفصح قائم كله على هذا التمييز بين المصري والعبراني:

"إنكُم تقُولون هي ذبيحَة فَصْحٍ للرَبِ الذي عَبَرَ عَن بيًوت بَنِي إسرائيل فِي مِصْر لمّا ضَرَبَ المِصْريين وَخَلصَ بيوتنا"

لذا فبعد أن نتوحد مع مصر يمكننا أن نقوم بشكل طقوسي بإلغاء عيد الفصح. نعم: هو العيد الأهم في اليهودية، مع كل اليهودية الييدشية والتراث والدموع والأغاني، العيد التوحيدي، العيد الذي يحتفي بيسوع نفسه والذي احتفل به يهود جيتو وارسو قبل ثورتهم- هذا العيد لن يعود ضرورياً حينها.

كل هذا يبدو خيالياً، ولكن يمكنه الحدوث وقريباً أيضاً. مبكراً أو متأخراً، فإن مصر ستعود. الشرط الأساسي الذي ينبغي توافره هي أن يرغب المصريون بدورهم بنا.




[1] يشير هنا المدون إلى ثورة الفلاحين (1834) التي حدثت في فلسطين ضد محمد علي احتجاجا على الخدمة العسكرية الإلزامية والتي يرى أنها حملت أول بذرة للتمرد الفلسطيني على مصر، وبالتالي أول بذرة لتكون الهوية الفلسطينية.

[2] جسر عاد هالوم يقع بجانب مدينة أشدود، 35 كيلومتراً جنوب تل أبيب. والمعركة المذكورة واحدة من معارك حرب 1948، بحسب الرواية الإسرائيلية للحرب.

Sunday, 27 February 2011

ما الذي كان يعنيه الشاعر؟


يورام كانيوك

ترجمة: نائل الطوخي

الأبيات الأكثر قوة التي قرأتها مؤخراً هي في ديوان "المحاسبة"، الذي كتبه البروفيسور فيليب روزانو: "القبرة تعشش، على سقف المحارق. ما الذي كانت تعنيه؟" روزانو، وهو يقوم بدراسة وتدريس الرياضيات الفيزيائية، أو العكس، بجانب عمله العلمي الشهير على مستوى العالم، فهو يعتبر شعره القيمة العليا في حياته. صحيح أنني أفهم بشكل بسيط في الشعر ولكنه شاعر رائع يربط العلم بالعالم الشعري المنتحب والهش.

جاء روزانو صبيا من بولندا مع هجرة جومولكا1 إلى إسرائيل، وكان عليه الصراع بلا لغة مع إسرائيليين معتزين بنفسهم. بين كل الشعراء الجدد في البلاد، فهو في نظري الأكثر يهودية. لديه ميزة القوة العبرية ولكنه يحلم باللغة اليهودية. أعرف أن هذا ليس صحيحاً أن يحكم رجل صغير مثلي على مميزات شاعر، ليس معروفاً بما يكفي، ولكن هذا ما يخطر لي.


ولأن في قصائده قوة مختلفة، إسرائيلية يهودية، وربما بولندية أيضاً. فهذه القبرة ترافقه لكل مكان وهي، أعتقد، قبرة تغرد على سطح المحارق، في المكان الذي ظلت فيه بقايا عائلته. جعلني هذا أفكر في أبناء عائلتي، الذين تبقوا في مكان مشابه. ستون فقط من جانب أبي.

ولكن هذا ليس ذوقاً رفيعاً من الناحية الشعرية أن تكتب قصيدة عن شيء ما ليس له معنى أو تفسير أو قابلية للفهم. هو يكتب "سأتعلم الحديث بكلمات أخرى". وفي النهاية يضيف اكتشافاً مناسباً: "لم أكن في حركة شبيبة، وإنما في حركة متواصلة. أنا من يطلق حزم طلقات النار أكون بطل في الطلقة المنفردة".

يقولون باسم أدورنو

فيليب روزانو

ترجمة: نائل الطوخي

الشعر بعد أوشفيتز

هو شيء بربري. وثمة


من يقولون انه أنكر

أن هذا لم يكن ما قصده


ولكن القبرة تعشش

على سطح المحارق


ما الذي كانت تعنيه؟


طالما

طالما أن الأسوا مازال أمامنا-

فهذه ليست نهاية العالم.


طالما أن الأمل يمارس الحب مع الضوء الأول

فإن يوماً جديداً يولد.


طالما يمكننا أن نعد بأصابعنا العشرة

إذن فلدينا صوت ولدينا قبضة


طالما السلحفاة ليست مقلوبة على ظهرها

فثمة أمل في أنها ستصل بعيداً.


طالما الظَهر ليس للحائط-

فثمة أمل في أن الحائط سيتلون بالأبيض


وعليه سوف يشخبط صبي مشاغب:

دان يحب دينا.


الجد فيليب

جدي تلقى بيضة وأنا مدين لهم بعش الدجاج

جدي تلقى كأس بيرة وأنا مدين ببرميل

جدي تلقى رصاصة في الجيتو وأنا مدين لهم بالانتقام

لا أملك عشاً ولا برميلاً، ولكن حياتي هي انتقام

مكلل بالرغوة وحلو من وجبة لأخرى: حفيدتين

تضحكان بلا حساب


موازنة الغضب والدفء

كيف تصعد الروح لسماع قداس الموتى

كيف يكون نحيب طفل هو قوة حجة الآخر


كيف أن صور الكوارث تضيء أعيننا ونحن

منطوون رعباً، ونتطلع في المرآة متحاضنين


كيف يصبح البكاء على طفل، أم أو حبيبة

منبعاً لقصيدة حب


كيف يزهر الفجر من سواد الظلمة

كيف تتأسس الحياة مرة ثانية.

____________________________________________________

فيليب روزانو يهودي إسرائيلي. ناج من الهولوكست يحمل اسم عائلته ورفضه تغييره بالاسم العبري. هاجر إلى إسرائيل عام 1957. البولندية هي لغة والديه. يعمل أستاذا في جامعة تل أبيب منذ العام 1994. مجال اهتمام العلمي هو الرياضيات الفيزيائية. نشر أكثر من مئة مقال علمي ودواوين أيضاً، من بينها "خط التماس"، و"المحاسبة". وهذا المقال منشور في صحيفية يديعوت أحرونوت بعنوان "ما الذي كان يعنيه الشاعر".

___________________________________________________________________

1 هجرة يهودية بولندية إلى إسرائيل تمت عامي 1956 و1957، وهي الهجرة الشرعية الأولى من هناك وسمح بها الرئيس الشيوعي البولندي فلديسلاف جومولكا.

Thursday, 17 February 2011

رسالة إلى الشعب المصري

روعي (تشيكي) إراد. شاعر وموسيقي إسرائيلي شاب، ولد عام 1977. وأحد محرري دورية "معيان الشعرية. يكتب الشعر السياسي وغير السياسي وحرر ونشر بأنتولوجيا "أدوماه" أي "حمراء" للشعر اليساري، وأنتولوجيا "لاتسيت" أي "اخرجوا"، التي نشرت في بداية العام الحالي للاحتجاج ضد الحرب الإسرائيلية على غزة. أصدر عام 2000 ديوان "الزنجي، وعام 2003 ديوان "أيروبيك".



_____________________________________



إلى الشعب المصري.

أردت القول أنك ملأتم بالفخر جميع المواطنين الباحثين عن الحرية في العالم ، بسلوككم المذهل، شجاعتكم، وباستمراركم في صراع غير عنيف أمام نيران الشرطة، وبعدم هروبكم عندما قاموا بتهديدكم. رداً على بطولتكم التي أبديتموها أقول: أنا فخور بانتمائي إلى الشرق الأوسط، فخور كإسرائيلي بعيشي لجانب جيران مثلكم، اليوم كلنا مصريون.

نضالكم يمثل إلهاماً لكل المحاربين من أجل حريتهم. بوصفي يهودياً، ذكرتني بطولتكم بالقصة التوراتية حول محاربة الفرعون. يقولون لنا أن الرب قد قسّى قلب فرعون أمام موسى، ولم يستسلم إلا في النهاية. هذا حدث أيضاً مع مبارك. كانت هذه ثورة للعبيد أمام الطاغية الذي مرر حياتهم.

على طول أيام الثورة، منذ بدايتها، كتبتُ مقالات كثيرة في صحيفة هاآرتس عن شجاعتكم. حكيت كيف بكيت عندما رأيت حوار وائل غنيم في قناة دريم تي في. من حولي، كان هناك الكثير من الأشخاص الخائفين. ليس هناك ما هو أسهل من أن تخيف شخصاً، وليس هناك أبسط من أن تخاف. في إسرائيل، مثلما في مصر، هناك الكثير من الناس الذين يحاولون تسميم وتخويف الجماهير الذين لا يريدون إلا أن العيش وكسب الرزق والاستمتاع، حتى يسهل عليهم التحكم بهم. صحيح أن الحكومة الإسرائيلية شعرت بالتعاطف مع مبارك بالتحديد، ولكن كثيرين في إسرائيل كانوا طول اليوم أمام الإعلام والتويتر يصلون داعين لسلامة المتظاهرين. كنت مشاركا ً في مظاهرات الدعم المصرية في ميدان ماجين دافيد الذي حولناه في أحد الأيام إلى ميدان التحرير، قرأت قصيدة على نمط الهايكو كتبتها ساعتها عن الفقر في مصر: "على قدر ما تلمع الأحذية في فتارين طلعت حرب/ على قدر ما يسير مصريون أكثر حفاة". كان مؤثراً أن تقرأ أسماء إغبارية، وهي نشطة اجتماعية مرتبطة باتحاد عمال "مَعَن"، ونافست في الانتخابات للوصول إلى البرلمان الإسرائيلي، الكنيست، وإلى رئاسة بلدية تل أبيب، قرأت في الميجافون قصائد للشاعر الشجاع أحمد فؤاد نجم بالعربية، على مسمع من أناس جاءوا للتسوق في السوق. لديكم أناس تعرضوا لخطر الحبس والموت، ولدينا فرضت الشرطة علينا غرامة 150 شيكلاً.

أعرف أن إسرائيل قد ملأتكم بالإحباط في أحيان كثيرة، وسوف تملأكم بالإحباط في المستقبل القريب. سيحدث هذا طالما هناك احتلال إسرائيلي، وطالما أن إسرائيل لا ترى ما حولها إلا عبر نظارات الجنرالات السوداء. ولكن لتعلموا كيف لمستم قلوب أناس كثيرين هنا، وكسرتم حجراً من الجدار. وأنا واثق أنه مثلما أن سلطة مبارك قد سقطت بعد ثلاثين عاماً، فسوف تسقط أيضاً جدران الكراهية والخوف بين الشعوب الإسرائيلية، الفلسطينية، وشعوب الدول المجاورة، وسوف نستطيع عقد أيدينا لبناء شرق أوسط بدون استغلال ولا خوف ولا حروب.

أعتقد أن الأمر المهم هو أنكم علمت العالم وعلمتموني التمسك بالتفاؤل، حتى عندما توجد سحب سوداء، فإن الخير يمكنه الانتصار، وليس لدينا خيار إلا الانتصار. مبروك يا مصر.

روعي تشيكي إراد

مراسل صحيفة "هاآرتس"، ومحرر المجلة الشعرية "معيان".

ترجمة: نائل الطوخي

Friday, 21 January 2011

سفاري الحب

طالي لتوفيتسكي

ترجمة: نائل الطوخي

شعر

إذا صورتكِ

لن أحتاج لأن أحبكِ. ربما

صورة واحدة لكِ في ضوء النهار

غير متعمدة، غير مقصودة، أنت في الجانب، انتقلتِ

بالصدفة، نصف وجهكِ في الظل أو خارج الصورة

أمرر إصبعاً على ورقة الكروم

خط الأنف المستقيم، التجعيدات بجانب الشفتين،

في العينين أزرق غريب

ولن أحتاج لأن أحبكِ

ولن أحتاج لأن أحبكِ

ولن أحتاج للتربص بك، أصابعي مختبئة

محترقة.

*


ليس هناك من حب. فقط هناك

التسلل المتخيل، مثلما في مطر أبيض وأسود،

إلى ما وراء كواليس المدينة

حيث نقبل بعضنا. هاهو الطعام

الذي سيصل الأيام المعتادة

بالتراب البطيء للنقب. بين الخلفيات في حيفا

ها نحن، في سفاري

الحب، الذي كان دوماً خيانة

ننظر إلى الغزلان

بلونها البني الذهبي المحمر،

مثل اللون البني الفائر على منحنى ظهركِ

أقرب كثيراً من اللمس.




قصيدة التشبيه غير السليم

"Funny, each time I fall in love

It’s always you"

Chet Baker


قبل الصباح ينزل المطر

ينزل مثل كلب عجوز

وأعمى يجول بلا

راحة بين الغرف.

يتسبدل حبه البعيد

عني

بالتعثر المتكرر

المفاجئ والأبدي

في الأثاث.


هو لا يشبهكِ أبداً

ولا المطر

يلمس كتفكِ،

لا هذا الكتف الذي في الحلم

ولا هذا النائم بعيداً عن هنا.

وفقط من أجلك، مثلما دائماً،

هو يتوسل إليّ، العنيد.

_____________________________________________________

طالي لتوفيتسكي شاعرة ومحررة وباحثة وتقوم بتدريس الأدب في جامعة بن جوريون. القصائد نشرتها صحيفة يديعوت أحرونوت، وأخذتها من كتابها "جربي كلمات أكثر عمومية" الصادر مؤخراً عن دار نشر "كيشِف لَشيراه"


Friday, 14 January 2011

طيران الإوز

الروائي سامي ميخائيل يسكن بحي دانيا في حيفا، على جبل الكرمل. شاهد ميخائيل من قرب الحريق العملاق الذي داهم الجبل مؤخراً وأوشك على مهاجمة بيته. قبل اندلاع النار بأشهر قليلة فحسب، كان قد أكمل كتابة روايته الجديدة، وبطلها هو عامل في الغابة التي اندلعت فيها النار الضخمة بالكرمل. هنا فصل من كتابه "طيران الإوز". الفصل منشور بالعبرية في صحيفة معاريف.

طيران الإوز

سامي ميخائيل

ترجمة: نائل الطوخي

مزودين بالمضارب دخل الثلاثة إلى ما وراء الغابة. حملت الريح نفثات الدخان والرائحة الحادة لأشجار البلوط المزهرة التي تُلقى في الآتون الآن وتذوب. ركن شرجا سيارته الجيب بجانب برج مراقبة وبسرعة قفز على مرتفع الغابة.

شق طريقه بإصرار دؤوب يناسب رجل الغابة نفسه، في أعقاب الاثنين الآخرين الذين ثارا وسيطرا على اللهيب بالمضارب، وكانا كمن يطردان حيوانات متوحشة وجائعة. السلالم الداخلية في البرج الأسمنتي كانت حلزونية. السطح العلوي هدف لمراقبة سواء السياح أو الحراس المطالَبين بالتحذير من الحرائق. أخذت النار في الاقتراب، مثلما في رقصة مسعورة ترتفع على أجنحة الريح العاصفة. بينما يركض على درجات السلالم سمع زمجرة. شرجا كان واثقاً من نفسه.

أبراج المراقبة تُبنى من الخشب، أما هنا فلقد شعر بنفسه محمياً بداخل حوائط الأسمنت المصبوب. برغم هذا، وفيما يخالف المنطق، على قدر ما كان يصعد كانت العتمة تتزايد. الحرارة تشتد والنور يهرب تحت غطاء الدخان. عندما وصل إلى سطح البرج شعر كمن هبط إلى داخل الأتون. تبخرت الجيب بين فكّي النار. إليعازر جونين وموريس ليفسكي اندفعا من غابة الأشجار كمن يطاردان شبحاً هائلاً. "شرجا!" صرخ موريس بصوته الحاد، "شرجا!" بعدها توجه بذراعين سوداوين لإليعازر وبنبرة مريرة شكا، "على ما يبدو أن شرجا قد هرب، تركنا". صرخ إليعازر برعب. أما شرجا فلم يجد الهواء ليصرخ، ولو حتى ليهمس. مذهولَين فر المساعدان بجلدهما وقد اعتقدا أن شرجا قد غدر بهما.


في الوقت القليل الذي تبقى له بأعلى البرج نظر شرجا إلى ما حوله، فحص منظر الغابة الذي عكس بنية الأرض المنبسطة أمواجاً أمواجاً حتى نهاية المدى. كان متأكداً أن الحريق الضخم قد تم التسبب فيه عن عمد. تمكن من أن يعد على الأقل سبعة مراكز للنار في مسافات متساوية تقريباً. إشعال. كان هذا شهر أكتوبر، ذروة الخريف الخرب. الريح الشرقية أشعلت النيران التي اندلعت في فوضى.

بقلب مكتوٍ تذكر شرجا المنشور التاريخي الذي نشر في 1929 على يد منظمة "رجال الأشجار في فلسطين". هدف رجال الأشجار، كما تم الإشارة إليه بلغة هذه الأيام هي "تنمية الإحساس بالأشجار لدى كل مواطن، وتدريب الجميع على الزراعة والحراسة وحب أشجار البلاد، لأن عمل الغابة هو من بين فنون السلام الأقدم والأكثر احتراماً لدى البشر، والانشغال به هو أمر غير أناني وعمل من أعمال البناء. "الوصي الذي بادر بهذا المنشور كان "حضرة سيادة المندوب السامي، لفيتانت كولونيل سير دج ون روبرت تشنسلور". ولكن أهم من هذا كان تسجيل "نواب رؤساء" المنظمة: حضرة سيادة المفتي الأكبر، حضرة رئيس بلدية القدس، حضرت البطريرك اللاتيني للقدس، الوجيه الأمثل أسقف القدس والشرق، مدير الجامعة العبرية.

في الوقت الذي كان يجلس فيه في أعلى البرج، حزيناً ومذهولاً، فكر شرجا في أنه طبيعي أن لا أحد من الناس من ذوي النوايا الطيبة هؤلاء قد تبقى على قيد الحياة. معهم أيضاً ذابت روح التهدئة. عندئذ حلت عليه فكرة أن حياته هي أيضاً في خطر. الفضاء الداخلي للبرج امتلأ بالدخان الكثيف والغاز المسمم.

في الخارج كانت الأشجار التي جلدها اللهب تزأر. اختفى صفاء السماء. هربت العصافير. الحيوانات التي لم تتمكن من الفرار بجلدها احترقت حتى الموت على الأرض المشتعلة. في شيء من هنا ومن هناك، ترددت نواحات و آهات معذبة تحمل بشرى الموت. نظر إلى الأعماق العاصفة من تحته، وللحظة مرت في عقله فكرة مختلفة، قفز وقال لنفسه، إلى ألسنة النار المتوحشة، التي سوف تلتهمه شهيتها المفتوحة. لا، هو لن يتعذب. لن ينتظر الموت البطيء متألماً. ولم يتذكر أي شيء آخر.

فور أن استيقظ اكتشف أنه ممنوع عليه أن يفتح عينيه، لأن الضمادة المصمتة غطت كليهما. خُيل له أن نملاً يعض بطنه. حركة تنفسه تسببت في تشقق صدره أيضاً. كفاه أيضاً كانتا مغطاتين بالضمادة. ينام مستلقياً ووجهه موجه إلى سقف ما، ساقاه ممددتان بعيداً عنه، كأنهما محبوستان في محيط من الحامض الفوار. وبجانب كل هذا فقد شعر أنه غير مغطى بظهره. ساد الصمت، لم يتحرك أي شيء، ولا حتى الهواء، ولكنه شعر كأنه يتزلق في مهبط "زحليقة" بسرعة مدوخة، ولا سيطرة له عليها. على خلاف الآلام الجسمانية فقد كان لامبالياً بخصوص مصيره. ومع هذا، شعر أن عينين تحدقان فيه الآن. تسلل لقلبه فضول واهن. "أين... أنا؟" نطق بلا صوت.

"شرجا! شرجا!" الهتاف المبتهج الذي استوعبته أذناه كأجراس العيد في رحلة من الضياع. استجاب جسمه للهتاف المبتهج حتى قبل وعيه... "ماذا. ماذا يحدث؟" ببطء وبشفتين ثابتتين.

"أنا شيرا، يا أحمق. استيقظت! استيقظت!"


أحس بكف يدها تحلق على وجهه. عطر شعرها يتسلل من وراء غطاء الهباب وذكرى اللهيب. "استنتجت،" نطق بحذر كئيب. فجأة شعر بعائق ما يربض على جفونه، "أوكيه. إذن أفهم أنني أعمى. ماذا أيضاً؟"

"أنت سليم" عادت السعادة لصوتها. "سوف ألمسك حتى تفهم أنك سليم. في الواقع أنا خائفة. لا أريد إيلامك. سأموت وألمسك يا شرجا".

كان هذا إعلاناً بالحب لا تخطئه العين. ولكن ما جدوى الوصول لجنة أحلامك بدون نور العين، كشيء فائض. "أنا أعمى" صوته كان متشككاً.

أصابعها ارتعشت فوق الملاءة التي تغطي كرشه العاري. "أنت لست أعمى"، أسكتته، "أنت محروق كما ينبغي، وقبيح مثل قرد مسلوق، ولكن بالنسبة للعينين، لا تقلق، سوف تكون على ما يرام. أنا أعمل هنا، وليس هناك من سبب في أن يكذبوا عليّ".

شعر بنفسه محبوساً في متاهة مخيفة، بصعوبة تمالك نفسه كي لا ينفجر في البكاء، سواء خوفاً من وخز الألم المتكرر الذي مزق جسمه، أو خوفاً من الارتعاشات التي أغرقت قلبه ولم يعرف ما كنهها. "شيرا، شيرا"، نطق بألم ثاقب.

كل ما أراده الآن هو أن تظل شيرا قريبة منه قدر الإمكان. أن تلمسه شيرا، أن تلمس حتى أعضاءه الصارخة من هول الوجع. عندما تعافى قال لنفسه أنه ليس هناك عدل ولا أخلاق في الطبيعة، لا في البركان، لا الإعصار ولا في عاصفة النار. ولا حتى في الحب. في نفس العام حبّلها.

_____________________________________________

سامي ميخائيل: واحد من أهم الأدباء اليهود من أصل عراقي في إسرائيل. ولد سامي ميخائيل عام 1926 في بغداد باسم صلاح منسى. وأصبح عضوا في الحركة اليسارية العراقية لحقوق الإنسان (الحزب الشيوعي اليهودي العربي) وهو مازال يدرس في الثانوية. عام 1948، وهو يحمل الاسم الذي ولد به، صدر أمر باعتقاله واضطر لتغيير اسمه والهروب إلى إيران وبعد فترة قصيرة، في 1949، هاجر لإسرائيل، في البداية أقام بيافا ثم انتقل للإقامة في حيفا. نشر في البداية مقالات في الصحافة العربية بإسرائيل، وفي عام 1974 نشر رواية الأولى "متساوون ومتساوون أكثر".

لاقي ميخائيل صعوبات في العثور على عمل بإسرائيل لسنوات، بسبب كونه شيوعيا. ولكن برغم هذه المصاعب فلقد تم استعابه في العمل بالخدمة الهيدرولوجية بوزارة الزراعة، حيث عمل هناك لعشرات السنوات. هذه المصاعب موجودة في كتابه شبه الأوتوبيوجرافي "مياه تقبل المياه"، والمنشور عام 2001.

ميخائيل هو أخو نادية، وهي أرملة الجاسوس الإسرائيلي الشهير إيلي كوهين والذي تم شنقه في دمشق عام 1965.

من كتب سامي ميخائيل: "متساوون ومتساوون أكثر" (1974)، "حماية" (1977)، "هذه قبائل إسرائيل" (1984)، "فيكتوريا" (1993)، "الجناح الثالث" (2000)، "حمام في ترافلجر" (2005)، "عايدة" (2008).


Friday, 7 January 2011

أوري أفنيري: البطل الخالد

ننشر هنا مقالاً كتبه الروائي يورام كانيوك عن الأديب والنشط السياسي أوري أفنيري وعن كتاب السيرة الذاتية الصادر عنه مؤخراً بعنوان "القتل بين الأصدقاء" للكاتب أمنون لورد. المقال تم نشره في صحيفة يديعوت أحرونوت تحت عنوان "البطل الخالد".

البطل الخالد

يورام كانيوك

ترجمة: نائل الطوخي

كتاب أمنون لورد "القتل بين الأصدقاء" هو سيرة ذاتية جذابة لواحد من أبطال الثقافة الإسرائيليين الأكثر بروزاً، أوري أفنيري. الأحداث الكبرى والصغرة منذ إقامة الدولة وحتى اليوم تمتد هنا كثورة يلعب فيها أوري أفنيري، البطل الخالد غير المتوائم مع أي اعتبار سياسي، دوراً مهماً في الحرب الخاسرة التي حاربها. ولكن في نهاية الأمر فإن أفنيري قد فشل. مثلما أن الأشخاص المحقين أكثر مما ينبغي، يفشلون دائماً.

لم يدرك أفنيري أن الشر في العالم يولد عن أفكار سامية. عندما كان في بداية طريقه فكر وفق مصطلحات الأمة العبرية، الحيز السامي، بسبب تأثره بمنظمة "لحي"[1] كما تأثر في نفس الوقت بالأفكار الكنعانية[2]. في كتابه الدقيق والمهم، يفرش لورد مساحة مكتوبة بألم من عاش في نطاق حياة أفنيري، وغير رأيه، وكتب نقداً، كله محبة عميقة للشخص الذي يحاول فهمه.

مغروس في كل ناصية

كل ما حدث هنا في الستين عاماً الماضية يمر كشريط مصور وأفنيري مغروس به، أحياناً ليس في مقدمة الأخداث المهمة، ولكنه دائماً يلامسها. لم يكن أفنيري أبداً شخصاً أحادياً. دوماً كان لديه ما يضيفه، ولكن دوماً كان هناك القليل من القديم في طريقه. ثمة من يقولون إن شخصيته تحوي جوانب مظلمة – كما دأب شريكه شالوم كوهين على أن يصفه بالفوهرر – ولكن ما أنقذه على ما يبدو كانت عقلانيته. الحديث هو عن رجل شخص يجيد حساب الكوارث العظمى والآمال الضخمة.

وقف أفنيري كرأس حربة صراع اليسار في البلاد، ولكنه لم يكن يسارياً. هو يبعد مسافة كبيرة عن اليسار الأيديولوجي أو الحزبي، وهكذا صنع جريدته "هاعولام هازيه"، صحيفة كانت ثورية ولكن تعوزها الملامح. إحدى جوانبها سلام وعدل والجانب الآخر نميمة مخجلة.

لقد عاد من حرب الاستقلال جريحاً بعد أن كتب قصيدة مديح لمحاربي 48، ولكن مع عودته ولدت بداخله الفكرة التي ارتبط بها طول عمره: محو "فصل اليهودية من الألواح الفولاذية للعرق العبراني"، أي، إحداث ثورة ضد هؤلاء الذين أرسلوه للحرب. لقد أراد بداية جديدة. وأراد أن يدير جيل المحاربين الدولة التي أقامها.

في كتابه التوثيقي واللامع، يطرح لورد قضية سنيه الذي انتقل لليسار الراديكالي، لأنه اعتقد أن الغرب قد غرق ولن يقوم ثانية، وقضية كستنر التي عمل أفنيري في أعقابها بقسوة وعدم حرص. أفنيري الذي كان من بين مخترعي "العمل السامي"[3]، ارتبط بحركات كثيرة كرتونية نمت آنذاك، من أجل دعم الفكرة الأساسية التي لازمته على طول حياته الناضجة: إقامة مملكة عبرية في أرض إسرائيل، وطرد جيل الزعماء "المتهودين" الذين أرسلوا الشباب للمعاناة في الحروب الإسرائيلية.

الدولة التي حلم بها لم تكن طائفة دينية وإنما عبرية، إسرائيلية. دولة ترتبط بمحيطها. تقوم بافتداء العرب أيضاً. دولة تكون مثيرة جنسية مثل القسم الخلفي من صحيفة "هاعولام هازيه" أو مثل الطوابير النازية التي انشده بها في طفولته بألمانيا. صحيح أن معركته الشخصية قد فشلت، ولكن سوياً مع هذا فأجيال كثيرة من الشباب قد تأثروا بـ"هاعولام هازيه"، وبطريقة أفنيري، ثم تركوه، بشكل عام لصالح بالونة فارغة أخرى من الخواء السياسي، بل وخائنة.

اليسار غير الأخلاقي

ابتعد اليسار الإسرائيلي عن أفنيري، لأنه من أجل أن تكون يسارياً في العالم، ينبغي أن تكون إنساناً مؤمناً بالأخلاق، وأن تقوم بأفعال غير أخلاقية. ولكن أفنيري ليس يسارياً ولم يكن كذلك، وإنما رجل يؤمن بأن الشيء قد يكون صحيحاً اليوم ولن يكون صحيحاً في الغد.

ما يتيح لورد لقرائه فهمه، هو الشخصية الصبارية[4] التي أعجب بها أفنيري. البروسي العبراني، الموشيه ديان الذي انتهى عهده القديم بداود الملك والذي حارب الأنبياء، وهم أصل اليهودية. هذا "الإليك الذي ولد في البحر"، البطل الذي كتبه موشيه شامير، هذا الشعب الجديد والشاب، المرتبط بالحركات الثورية. مثل الثوريين الجزائريين، أو ثوريي ناصر، أو الثورة الكوبية لكاسترو.

اسم "أوري"، كما يكتب لورد، هو أوري في "إليك الذي عاد من البحر". الذي لم يكن له تاريخ يهودي، الذي عاد لعتاقة أرض إسرائيل، والذي لم يكن لديه استمرار حقيقي. الاسم أوري أيضاً قدسته الشاعرة راحيل[5]، وتزوج أفنيري في نهاية الأمر أيضاً راحيل، ولكن راحيل أخرى. كل ما ميز اليهود لألفي عام هزمه، وفي الواقع هزمنا جميعاً: الهاي تكنولوجي. أو بشكل أكثر صواباً: طريقتك في السير ملتوياً، السفر في ضوء أحمر، أن تتم التضحية بك وأن تخاف.

النجاة كطريقة للحياة على مدار ألفي عام أدت إلى انتصار العباقرة على أبطال البالماح وأبطال الكنعانيين[6]. الانتصار اليهودي على "نمرود"، رمز العبرانية، هو سقطة رهيبة في الطريق التي سار فيها أفنيري بينما كان يخدم لسنوات طويلة بوصفه نبياً. ولكن الانتصار عليه لم يكن متاحاً لو لم يكن اسمه أفنيري، كعامل مساعد لبطل ألماني كنعاني على حصان أبيض. حارب ضد كل المظالم، ولكن بقلبه انضم لكبار القتلة الكبار: ستالين أو ماو، الذين أسالت انتصاراتهم أنهاراً من الدماء، وكانت لهم، كما كانت لأفنيري نفسه، نوع من الروحانية المغضبة.


كشك في شارع 96

أريد إضافة شيء ما شخصي. لقد تعرفت على أفنيري منذ سنوات كثيرة. في الخمسينيات الثائرة لم أكن هنا. ما عرفته عن البلد عرفته من "هاعولام هازيه" التي كانت تباع عندئذ في كشك بشارع 96. بعد عودتي أتيح لي أن ألتقي بأفنيري لمرات غير قليلة. في 68 جلسنا كمجموعة كبيرة في كافيه سلطان بشارع فريشمان، وادعى أفنيري بحماس أنه تقريباً أقنعنا جميعاً، أنه بعد لحظة طفيفة سوف تُخرجنا أمريكا من الأراضي (المحتلة).

أتذكر بهاء المظاهرات في الجليل بالستينيات عندما كنا قلائل، أتذكر خطاباته التي كانت تخترق المدرعة وشجاعة قلبه. ولكنني أتذكر أيضاً الظلم الذي أوقعه بأشخاص في صحيفته. في نهاية الأمر لقد تمت هزيمة أفنيري، لا على يد السلطة التي كان يحتقرها، وإنما على يد اليهود.

قبل شهرين شاركت في مظاهرة ضد العنصرية وصديقي سافي رخفلسكي، الذي نظم المظاهرة أمام متحف تل أبيب القديم، والذي قُرأت فيه لأول مرة وثيقة الاستقلال، دعا أفنير للحديث. على مدار سنوات لم يكن اليسار، أو ما يسمى باليسار، يقوم بدعوة أفنيري لإلقاء خطاب. لقد ظل وحيداً وجميلاً حتى الشيخوخة. وتحدث.

كانت هذه المرة الأول التي أسمعه يلقي خطاباً، وصوته كان يرتعش. كان متأثراً من الموقف الذي اجتمع فيه مائتي شيخ متعب ومئة من الشباب من حركات الصبية، للتظاهر أمام شعب لامبال. انفعل أفنيري على رغم أنه ألقى في الماضي مئات الخطابات التي اقتطعت من الحجارة، وكان حزيناً بعض الشيء ولكنه تحكم في وقفته.

لا يزال يحلم بالعدالة ولكن ليس بالأخلاق. يحلم بالآمال التي ضاعت. قلت له "أوري، أنا متشائم بخصوص ما يحدث هنا"، وقال "دائما كنتَ متشائماً وأنا دوماً ما كنتُ متفائلاً". أي أنه لا يزال في وسط الطريق، حتى الآن، في سن السادسة والثمانين.



[1] حركة سرية يهودية مسلحة كانت تعمل في فلسطين – قبل إعلان دولة إسرائيل – ضد العرب والانتداب البريطاني.

[2] أي مجموعة الأفكار التي نمت في إسرائيل بعد قيام الدولة لتؤكد على استمرارية الوجود العبراني على أرض فلسطين منذ أزمنة العهد القديم وحتى اليوم وتعتبر وجود اليهود في المنفى مجرد انقطاع لهذا التاريخ.

[3] "הפעולה השמית" حركة فكرية كانت تنادي بارتباط دولة إسرائيل بجيرانها العرب. أقامها أوري أفنيري، ناتان يالين مور، وبوعز عفرون.

[4] نسبة إلى الصبار، أو التسبار، اليهودي المولود في فلسطين، والذي يتميز بالوقاحة والوسامة والعمل بيديه في مقابل اليهودي الذي يعيش خارج إسرائيل، والذي يتميز في الصورة النمطية بالخنوع والاستكانة والعمل في الربا والمضاربات.

[5] شاعرة محدثة. ولدت عام 1890 ورحلت عام 1931.

[6] الجملة تشير إلى فشل الطريق الثوري، وانتصار اليهودي التقليدي على العبراني القوي والشجاع المولود في فلسطين.