Friday, 6 May 2011

هذا الأحمر الأحمر

برودة

سارة كوي

ترجمة: نائل الطوخي

البرودة

في صوتك

لها رائحة الدخان.

شيء ما يحترق هناك،

في صوتك،

وهو ساخن،

وله رائحة اللهب

وهو ينير أطراف الأصابع.

ما هي الحرارة.

برودة محترقة.

بئر

جِرارٌ

تهبط على المدينة

معلقةً على خيوط سميكة

كأن المدينة كانت

بئراً مختلفاً

كبيراً بشكل مذهل

وحياً

فلسطين

أنت تحترق في السرير

قريباً قريباً

كأنما هاجرتَ إلى فلسطين

مغمضَ العينين

وأنا

عيناي مفتوحتان

وأفرعُ فلسطين كلها

تنتصبُ منها

هذا الأحمر الأحمر

أنتِ جميلة أيتها الجنية

من أنتِ

إن لم تكوني تنيناً

مذهباً

يا جنية

شيءٌ مريرٌ شيءٌ أسود

أنني ضيّعتكِ اليوم

احترقت حنجرتي

بكلمات

كسكاكينَ لامعة

أخطأتُ

ذهب أوفير بين رجليك

وأنا بين رجليَّ

أسود طري

تعالي يا جنية واصعدي

في الظلام

على جسمي

المتشنج

أقسم

أن هذا الأحمرُ الأحمرُ

على شفتيّ

هو دمٌ

____________________________________________

شاعرة. ولدت عام 1974 في أوكرانيا، درست الأدب هناك وعملت محررة صحفية، هاجرت إلى إسرائيل عام 1996. درست السينما في معهد تل حي، ولكنها لم تكمل دراستها. بدأت في الكتابة بالعبرية عام 2000، وفي هذه الفترة أصيبت بعدد من الاضطرابات النفسية التي دفعتها لمحاولة الانتحار عدة مرات. أنشأت مدونتها "בנות מתות.. بنات ميّتات" عام 2008 ومن خلالها بدأت حالتها النفسية بالتحسن حتى توقفت تماما محاولات الانتحار. قصائدها المترجمة هنا أصلاً منشورة في موقع دورية ميطاعَم. تجدونها بالعبرية هنا. لنصوص أخرى بالعربية لسارة كوي، افتح هنا

Saturday, 30 April 2011

الحياة في مستوطنة مصرية


نشر المدون عوفري إيلاني هذه التدوينة، والتي تشير إلى العلاقات المتواصلة بين فلسطين ( أرض إسرائيل بالمفهوم اليهودي) وبين مصر. التدوينة على ما فيها من أراء مثيرة للجدل، تمثل نموذجاً للرأي العام في إسرائيل الآن حول مصر والتطورات الحادثة فيها، الرأي العام الذي يمكن وصفه بأنه مزيج من الرعب والانبهار. يطالب إيلاني في تدوينته هذه بوحدة إسرائيلية/فلسطينية مع مصر، ولا يعدم الدلائل التاريخية التي تشير أن هذه الوحدة حتمية وكانت موجودة دائماً، التدوينة منشورة بالعبرية هنا في المدونة التي تحمل اسم "أرض الأموري. أفكار وآراء من هنا ومن خلف النهر". يذكر أن تعبير "أرض إسرائيل" الوارد بوفرة في المقالة، هو أحيانا يكون ترجمة اجتهادية مني لتعبير "הארץ"، أو "ארץ ישראל" (هاآرتس أو إريتس يسرائيل) والمقصود بها فلسطين في الأزمنة القديمة بحسب المفاهيم اليهودية.

الحياة في مستوطنة مصرية

عوفري إيلاني

ترجمة: نائل الطوخي


"من الناحية الجيولوجية، فأرض إسرائيل هي إسفين يعوق البحر المتوسط عن الاتصال بالبحر الأحمر. ولكن هذا أيضاً أمر مؤقت "

"نقش على حائط المعهد الجيولوجي. منسوب لواحد من أحفاد دكتور بني بيجين"

ما يستفزنا في قصة الخروج من مصر ليس عدم صدقيتها، وإنما الحقيقة التي تخفيها. منذ أكثر من مائة عام، يعرف الأركيولوجيون أن قصة الخروج من مصر هي خيال سياسي محكم. ولكن المشكلة بوجه عام ليست في عدم دقة الوصف، أو عدم وضوح هذا الحادث الإعجازي أو ذاك. عندما يتم الحديث عن نص كُتب قبل ألفي عام، فكل هذا غير مفاجئ. من الناحية السياسية، فما هو فضائحي في القصة المحكية في الفصح هي أن الخروج من مصر لم يكن من الممكن له أن يحدث، لأن الأرض الموعودة أيضاً كانت جزءاً من مصر، لذا فلم يكن هناك ما يمكن الخروج إليه أبداً.

"في أرض مصر قام الشعب اليهودي، حيث تم تشكيل صورته الروحانية، الدينية والسياسية، وفيها عاش حياة من المواطنة بدرجات مختلفة تتراوح بين الازدهار والعبودية"، هذا الحكم مبتذل بما يكفي، ويتضح من داخل النص [الديني] نفسه. فرعون هو أول من أطلق على بني إسرائيل "شعباً"، وبعده على الفور أتى موسى. فقط بولندي عنيف ذو فكر مشوه مثل بن جوريون يمكنه أن يزعم –على النقيض التام مما قيل صراحة في التوراة – أن الشعب اليهودي قام في أرض إسرائيل، بل وأن يحول هذا إلى بديهية إنسانية عامة.

ما لا يتضح من النص نفسه هو أن أرض إسرائيل أصلاً كانت هي مصر. العهد القديم ينكر ويتجاهل حقيقة معروفة: في غالبية الفترات الموصوفة في العهد القديمة، فإن هذه الأرض كانت مستوطنة فرعونية. على مدار 400 عاماً على الأقل، ساد الحكم المصري على البلاد، وحتى بعد هذا ظلت أجزاء كبيرة منها خاضعة للتأثير المصري. محاولة التمييز بين إسرائيل ومصر كانت فعلاً قسرياً تماماً.

يمكننا أن نبدأ من هنا. عندما يتحدث نتنياهو أو عوتنيئيل شنلر بحنين عن أرض الأباء والاستيطان في الجبل، يمكننا تذكيرهما بأن الفترات التي يتحدثان عنها كانت هنا في مصر. ولإثبات أنني لا أخترع أية نظرية، فهاهو اقتباس من مقال يوحانان أهاروني، وهو ربما كبير الأركيولوجيين الصهاينة:

"أرض كنعان كانت مندرجة في إمبراطورية المملكة الفرعونية الجديدة التي قامت على ضفاف النيل ... [ولكن] قوة مصر القديمة وسلطتها على أرض إسرائيل في فترة الاستيطان لا تظهر في العهد القديم. عندما نقرأ وصف احتلال الأرض على يد يوشع، يصعب علينا تخيل أن هذه الأحداث وقعت في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، في أيام السلطة المتواصلة لرمسيس الثاني، والذي حكم أرض كنعان أيضاً"...

ثمة شيء ما ممتع في أن يكون الدليل التاريخي الأساسي على وجود شعب اسمه إسرائيل في فترة العهد القديم هو نقش مرنبتاح، والذي يحكي فيه ملك مصري بأثر رجعي كيف ضرب هذا الشعب ومحى نسله. لو كان العهد القديم يحكي الحقيقة، فيمكننا اختصار القصة تقريباً في هذه الكلمات: "كان هنا مصريون، وكل الباقي كانوا زبداً على وجه الماء". ولكن بشكل موجه، فإن العهد القديم يخفي هذه التفصيلة التاريخية الهامشية. هذا يشبه تقريباً دولة ويسكونسين التي كانت تحكي تاريخها في مئات السنوات الأخيرة بدون الإشارة إلى كيان اسمه الولايات المتحدة.

على الامتداد الطويل، فلقد كانت كنعان مقاطعة مصرية. التأثير المصري كان مرتبطاً بشكل خاص بخط الساحل. يافا، وهي من المدن القديمة في أرض إسرائيل، كانت مدينة مصرية (بقايا هذا ظلت في باب رمسيس). التأثير المصري على الثقافة المحلية يتم التعبير عنه بطيف واسه من النتائج، منه في التوابيت التي تحاكي جسم البشر ويراقب بعضها المارة في الطابق الثاني من بناية جيلمان. دين العهد القديم مكدس بالأسس المصرية. النص الأول المكتوب بلغة شبيهة بالعبرية مكتوب بخط هيروغليفي. لفترات طويلة ظلت النخبة المحلية تدرس وتصقل ثقافتها في مصر. عندما نجح الحكام المحليون في التحرر من مصر، حدث هذا فقط لفترة محدودة وبدعم إمبراطوريات أخرى.

ليس أنه لم تكن هناك محاولات للمقاومة. كانت هناك طبعاً فترات طويلة فقد فيها المصريون البلاد. ولكن الأحداث الكبرى في تاريخ البلاد مرتبطة في الغالب بالاتصالات المتجددة مع مصر. عادت مصر في كل مرة. عادت مع الفرعون شيشك وعادت مع الفرعون ناخيه. وكذلك بعد عصور العهد القديم، عادت مصر. عادت مع التلميين، ومع صلاح الدين والمماليك، ومع محمد علي في القرن التاسع عشر والذي ولد في عصره الشعب الفلسطيني[1]. فقط في 1906 تم تحديد خط الحدود المباشر والمصنوع بين مصر البريطانية وفلسطين العثمانية. ولكن هذا أيضاً حدث لمرحلة مؤقتة. السيطرة البريطانية قامت من جديد بالتوحيد بين مصر وفلسطين. من ينظر إلى صحف فترة الانتداب البريطاني يرى أن تقارير وكالات الأنباء كانت تصل عن طريق القاهرة. في الواقع، فلقد كانت القاهرة هي عاصمتنا.


2

ولكن انظر إلى أرض مدينة القدس هذه! لا أبي ولا أبي [أع]طياني إياها- اليد [القوية لملكي أع]طتني إياها!

(جزء من خطاب لفرعون، من وثائق العمارنة، الوثيقة رقم 287)

مؤرخون محترمون سبق وأن أثبتوا أن الأسطورة الصهيونية عن إيقاف طابور المدرعات المصرية في جسر "عد هالوم"[2] لا تناسب الوقائع. دافيد طال أبان عن أن رحلة الطابور المصري شمالاً لم يتم إعاقتها على يد جيش الدفاع الإسرائيلي، وأنها توقفت بالأساس تبعاً لحسابات القائد المصري. وأكثر من هذا، فالمصريون لم يفكروا فعلاً في الوصول لتل أبيب، وخططوا للوصول على الأكثر ليفنيه.

مع هذا، فأسطورة "عاد هالوم" تشير إلى شيء ما جوهري: الخوف العميق لدى الصهيونية من الغزو المصري. هذا في الواقع هو الوضع الكارثي الذي يراه الإسرائيليون في كوابيسهم: المصريون قادمون. بعدها بخمس وعشرين عاماً، تجسد نفس المشهد بشكل أكثر تراجيدية في معارك الإيقاف بسيناء ضد الغزو المصري. عندما تحدث ديان عن خراب الهيكل الثالث، كان يعرف ما الذي سيأتي بدلاً منه: سلطة مصرية على أرض إسرائيل، وهو اختيار التقصير – الوضع طبيعي، ما بعد الكارثي. أنا، الذي كبرت في ظل اتفاقات كامب ديفيد، كنت أسمع بالأساس جملة "السوريون على الجدار". اتفاق السلام مع مصر حدد الحدود مجدداً، والتهديد المركزي انتقل للشمال. ولكن الوضع بعد كامب ديفيد هو وضع فريد وغير مستقر: ليس فقط أن المصريون لا يسيطرون على إسرائيل، ولكن في المقابل، وبمفهوم معين فإسرائيل تسيطر على مصر، بواسطة تعاون مبارك مع الإمبراطورية الأمريكية – صهيونية. تنسيق كهذا حدث للمرة الأول في أيام احتلال مصر على يد الهكسوس، قبل حوال 3740 عاماً.

وماذا الآن، عندما تتغير مصر؟ من أين نبع الخوف العظيم عندما بدأ عرش مبارك في الاهتزاز؟ هذا نفس الخوف القديم من الغزو المصري، وهو أساس أولي في الوجود هنا. ربما ينبغي أن نتحرر منه.


3

الحاخامات يقولون، أنه عندما حدث الشرخ السوري

الأفريقي، سكان المناطق لم يكونوا

متطورين. انشغل كل منهم

بعمله. بشحذ الفئوس. بتمزيق الحيوانات

(آفوت يشورون، من "أغنية على مساء هذا اليوم")

قبل عدة سنوات شاركت في واحدة من تلك اللقاءات التي ينظمها الاتحاد الأوروبي للصحفيين في الشرق الأوسط. حدث هذا في أثناء عملية "الرصاص المصبوب". الصحفيون الأردنيون كانوا واعين جيداً لأزمة الوعي الاستراتيجية التي تقع فيها إسرائيل، والتي تدفعها للرد بشكل عنيف جداً. ولكنهم لم يفهموا لماذا نتجاهل الخيار الذي بدا لهم مطلوباً: السماح للملك الأردني بإدارة الشئون في فلسطين. "الملك وأبوه، هما رجلان متزنان جداً"، قالوا، "هما يعرفان كيف يديران هذه الشئون".

وبالفعل، خيار الاتحاد الكونفديرالي مع الأردن يقع دائماً في مكان ما في الأفق. ولكن الأردن هي عكاز هش – دولة ضعيفة، متخيلة أكثر بكثير من إسرائيل. وهي أيضاً تتمتع بنظام رجعي مكروه من الفلسطينيين.

في مقابل هذا، فهناك في المنطقة قوة عظمى أخرى يمكن التوحد معها: مصر. مصر هي المستقبل. هي القوة الفعالة والإبداعية في المحيط من حولنا. سواء كان هذا جيداً أم سيئاً، فإن الأمور المهمة في المنطقة تحدث في مصر، منذ ناصر، مروراً بحرب أكتوبر، اتفاقات السلام وثورة التحرير.

وأكثر من هذا، فإن الحديث عن وحدة كهذه أو تلك مع الأردن، الضفة وإسرائيل دائما ما تتجاهل غزة، التي تظل بمثابة إزعاجاً خاضعاً للبؤس الدائم. محللو الأمور العربي يبتهجون بشرح أن سكان غزة وسكان الضفة لا ينتميان إلى شعب واحد – الغزاويون يتحدثون بلهجة مصرية ويتأثرون بالسياسة المصرية.

فقط الوحدة مع مصر، بهذا الشكل أو آخر، سوف تمنح وظيفة جوهرية لقطاع غزة – ليس كفضالة جنوبية لفلسطين، وإنما كنقطة اتصال مع أفريقيا، أسيا وأوروبا، محطة انتقالية بشوشة للاجئين والمهاجرين والحجاج والسياح.

آلاف السنوات، بدون مبالغة، من التلقين جعلتنا نفكر في أن هذه الفكرة هشة. ولكن يمكنها أن تكون عقلانية، بل وفي القريب. عندما يسقط الأسد في سوريا، قد يقوم نظام شقيق للنظام الذي سيقوم في مصر. في هذه الحالة، ليس بعيداً أن يقام اتحاد ما بين الدولتين، فيما يشابه جمهورية ناصر العربية المتحدة. ولكن هذه المرة، على إسرائيل – فلسطين أن تكون جزءاً من الاتحاد.

في الواقع، فإن الامتزاج في مصر هو الخيار الوحيد الذي يمكنه أن يضمن الاستقرار والازدهار هنا. بالتحديد لأنه يناقض حدسنا الكاذب، فهو يثير الحماس أكثر.

على السطح، فإن تأثير الثقافة المصرية على إسرائيل الحالية هو هامشي. ربما هو محسوس فقط في المناطق الجنوبية مثل إيلان ونيتسانا. ولكن في الطبقة الأكثر عمقاً، فمصر هي كل شيء. محاولة معارضة التأثير المصري، وضع الأسوار والحصون والحواجز بيننا وبين مصر، هي في الحالة الأفضل بطولة ولكن بلا معنى، وفي الحالة الأسوأ هي مثيرة للشفقة ووحشية. ليس فقط جدار شارون، وإنما أيضاً جدار بيبي نتنياهو سوف يسقط يوماً ما.

خاتمة ثيولوجية: إلغاء الفصح

في ليل الفصح أنا في حديقة الاستقلال

(منسوب لحازي لسكالي)

وفق تعريفه، فإن الدين التوحيدي هو قبل كل شيء نفي لتعدد الآلهة. "ولا يكن لك آلهة أخرى أمام وجهي"، هكذا قال موسى عندما أسس دين إسرائيل. فيما يوائم هذا، فإن الدين التوحيدي مرتبط باضطهاد ونفي الأديان الأخرى. لذا فتأسيس دين توحيدي يأتي مصحوباً بتدمير المقدسات ومذبحة للمؤمنين.

قبل ولادة التوحيد في مصر، لم يكن هناك في الواقع أديان في العالم. لكل مدينة أو مملكة كانت هناك آلهة تخصها، ولكن عندما كان يزور يوناني من طيبة مصر أو سوريا كان يقدم القرابين للآلهة المحلية. عالم المصريات النظري يان أسمن يشير إلى الخروج من مصر بوصفه اللحظة التاريخية التي ولد فيها الدين التوحيدي الأول. يطلق عليه "The Mosaic Distinction "التمييز الموسوي". هذا خط تم تحديده على الأرض، ويقرر: حتى هذه اللحظة كانت هناك عبادة الأوثان المصرية، ومنذ هذه اللحظة صارت هناك عبادة "الإله الحقيقي". هذا في الحقيقة التمييز الأيديولوجي الأول، إذا شئتم: التطهير الأيديولوجي الأول في التاريخ. في نفس اللحظة ولدت أجهزة الكشف عن المعادن وولد الجدار، وولد أيضاً التعقيم القاتل المحسوس عندما ندخل الحي اليهودي في المدينة القديمة بالقدس، والذي يفوق أحياء أكثر إثارة للإعجاب . منذ أن تم تحديد الخط، ولد من صلبه بسرعة عدد لا يحصى من التمييزات الثانوية، المصحوبة بعنف مدمر. فور الانفصال عن مصر جاءت مذبحة الأموريين وشعوب كنعان.

في الواقع، فإن ادعاء أسمن هو أكثر تركيباً. في كتابه Moses the Egyptian يثبت بنجاح كاف أن قصة الخروج من مصر هي في الواقع معالجة لحادث صادم في التاريخ المصري: الثورة الدينية التوحيدية للفرعون إخناتون. أي أن الحدث المؤسس أيضاً للتاريخ اليهودي هو في الواقع حادث مصري داخلي.

أما فرويد، وآخرون بعده، فلقد ادعوا أن موسى هو في حقيقته كاهن مصري. من هذه الناحية، فالعودة إلى مصر، أو عودة مصر إلينا، ليست فقط حدثا درامياً على المستوى المحلي أو الإقليمي. إنه إغلاق لدائرة دينية سحرية. لأن عيد الفصح قائم كله على هذا التمييز بين المصري والعبراني:

"إنكُم تقُولون هي ذبيحَة فَصْحٍ للرَبِ الذي عَبَرَ عَن بيًوت بَنِي إسرائيل فِي مِصْر لمّا ضَرَبَ المِصْريين وَخَلصَ بيوتنا"

لذا فبعد أن نتوحد مع مصر يمكننا أن نقوم بشكل طقوسي بإلغاء عيد الفصح. نعم: هو العيد الأهم في اليهودية، مع كل اليهودية الييدشية والتراث والدموع والأغاني، العيد التوحيدي، العيد الذي يحتفي بيسوع نفسه والذي احتفل به يهود جيتو وارسو قبل ثورتهم- هذا العيد لن يعود ضرورياً حينها.

كل هذا يبدو خيالياً، ولكن يمكنه الحدوث وقريباً أيضاً. مبكراً أو متأخراً، فإن مصر ستعود. الشرط الأساسي الذي ينبغي توافره هي أن يرغب المصريون بدورهم بنا.




[1] يشير هنا المدون إلى ثورة الفلاحين (1834) التي حدثت في فلسطين ضد محمد علي احتجاجا على الخدمة العسكرية الإلزامية والتي يرى أنها حملت أول بذرة للتمرد الفلسطيني على مصر، وبالتالي أول بذرة لتكون الهوية الفلسطينية.

[2] جسر عاد هالوم يقع بجانب مدينة أشدود، 35 كيلومتراً جنوب تل أبيب. والمعركة المذكورة واحدة من معارك حرب 1948، بحسب الرواية الإسرائيلية للحرب.

Sunday, 27 February 2011

ما الذي كان يعنيه الشاعر؟


يورام كانيوك

ترجمة: نائل الطوخي

الأبيات الأكثر قوة التي قرأتها مؤخراً هي في ديوان "المحاسبة"، الذي كتبه البروفيسور فيليب روزانو: "القبرة تعشش، على سقف المحارق. ما الذي كانت تعنيه؟" روزانو، وهو يقوم بدراسة وتدريس الرياضيات الفيزيائية، أو العكس، بجانب عمله العلمي الشهير على مستوى العالم، فهو يعتبر شعره القيمة العليا في حياته. صحيح أنني أفهم بشكل بسيط في الشعر ولكنه شاعر رائع يربط العلم بالعالم الشعري المنتحب والهش.

جاء روزانو صبيا من بولندا مع هجرة جومولكا1 إلى إسرائيل، وكان عليه الصراع بلا لغة مع إسرائيليين معتزين بنفسهم. بين كل الشعراء الجدد في البلاد، فهو في نظري الأكثر يهودية. لديه ميزة القوة العبرية ولكنه يحلم باللغة اليهودية. أعرف أن هذا ليس صحيحاً أن يحكم رجل صغير مثلي على مميزات شاعر، ليس معروفاً بما يكفي، ولكن هذا ما يخطر لي.


ولأن في قصائده قوة مختلفة، إسرائيلية يهودية، وربما بولندية أيضاً. فهذه القبرة ترافقه لكل مكان وهي، أعتقد، قبرة تغرد على سطح المحارق، في المكان الذي ظلت فيه بقايا عائلته. جعلني هذا أفكر في أبناء عائلتي، الذين تبقوا في مكان مشابه. ستون فقط من جانب أبي.

ولكن هذا ليس ذوقاً رفيعاً من الناحية الشعرية أن تكتب قصيدة عن شيء ما ليس له معنى أو تفسير أو قابلية للفهم. هو يكتب "سأتعلم الحديث بكلمات أخرى". وفي النهاية يضيف اكتشافاً مناسباً: "لم أكن في حركة شبيبة، وإنما في حركة متواصلة. أنا من يطلق حزم طلقات النار أكون بطل في الطلقة المنفردة".

يقولون باسم أدورنو

فيليب روزانو

ترجمة: نائل الطوخي

الشعر بعد أوشفيتز

هو شيء بربري. وثمة


من يقولون انه أنكر

أن هذا لم يكن ما قصده


ولكن القبرة تعشش

على سطح المحارق


ما الذي كانت تعنيه؟


طالما

طالما أن الأسوا مازال أمامنا-

فهذه ليست نهاية العالم.


طالما أن الأمل يمارس الحب مع الضوء الأول

فإن يوماً جديداً يولد.


طالما يمكننا أن نعد بأصابعنا العشرة

إذن فلدينا صوت ولدينا قبضة


طالما السلحفاة ليست مقلوبة على ظهرها

فثمة أمل في أنها ستصل بعيداً.


طالما الظَهر ليس للحائط-

فثمة أمل في أن الحائط سيتلون بالأبيض


وعليه سوف يشخبط صبي مشاغب:

دان يحب دينا.


الجد فيليب

جدي تلقى بيضة وأنا مدين لهم بعش الدجاج

جدي تلقى كأس بيرة وأنا مدين ببرميل

جدي تلقى رصاصة في الجيتو وأنا مدين لهم بالانتقام

لا أملك عشاً ولا برميلاً، ولكن حياتي هي انتقام

مكلل بالرغوة وحلو من وجبة لأخرى: حفيدتين

تضحكان بلا حساب


موازنة الغضب والدفء

كيف تصعد الروح لسماع قداس الموتى

كيف يكون نحيب طفل هو قوة حجة الآخر


كيف أن صور الكوارث تضيء أعيننا ونحن

منطوون رعباً، ونتطلع في المرآة متحاضنين


كيف يصبح البكاء على طفل، أم أو حبيبة

منبعاً لقصيدة حب


كيف يزهر الفجر من سواد الظلمة

كيف تتأسس الحياة مرة ثانية.

____________________________________________________

فيليب روزانو يهودي إسرائيلي. ناج من الهولوكست يحمل اسم عائلته ورفضه تغييره بالاسم العبري. هاجر إلى إسرائيل عام 1957. البولندية هي لغة والديه. يعمل أستاذا في جامعة تل أبيب منذ العام 1994. مجال اهتمام العلمي هو الرياضيات الفيزيائية. نشر أكثر من مئة مقال علمي ودواوين أيضاً، من بينها "خط التماس"، و"المحاسبة". وهذا المقال منشور في صحيفية يديعوت أحرونوت بعنوان "ما الذي كان يعنيه الشاعر".

___________________________________________________________________

1 هجرة يهودية بولندية إلى إسرائيل تمت عامي 1956 و1957، وهي الهجرة الشرعية الأولى من هناك وسمح بها الرئيس الشيوعي البولندي فلديسلاف جومولكا.

Thursday, 17 February 2011

رسالة إلى الشعب المصري

روعي (تشيكي) إراد. شاعر وموسيقي إسرائيلي شاب، ولد عام 1977. وأحد محرري دورية "معيان الشعرية. يكتب الشعر السياسي وغير السياسي وحرر ونشر بأنتولوجيا "أدوماه" أي "حمراء" للشعر اليساري، وأنتولوجيا "لاتسيت" أي "اخرجوا"، التي نشرت في بداية العام الحالي للاحتجاج ضد الحرب الإسرائيلية على غزة. أصدر عام 2000 ديوان "الزنجي، وعام 2003 ديوان "أيروبيك".



_____________________________________



إلى الشعب المصري.

أردت القول أنك ملأتم بالفخر جميع المواطنين الباحثين عن الحرية في العالم ، بسلوككم المذهل، شجاعتكم، وباستمراركم في صراع غير عنيف أمام نيران الشرطة، وبعدم هروبكم عندما قاموا بتهديدكم. رداً على بطولتكم التي أبديتموها أقول: أنا فخور بانتمائي إلى الشرق الأوسط، فخور كإسرائيلي بعيشي لجانب جيران مثلكم، اليوم كلنا مصريون.

نضالكم يمثل إلهاماً لكل المحاربين من أجل حريتهم. بوصفي يهودياً، ذكرتني بطولتكم بالقصة التوراتية حول محاربة الفرعون. يقولون لنا أن الرب قد قسّى قلب فرعون أمام موسى، ولم يستسلم إلا في النهاية. هذا حدث أيضاً مع مبارك. كانت هذه ثورة للعبيد أمام الطاغية الذي مرر حياتهم.

على طول أيام الثورة، منذ بدايتها، كتبتُ مقالات كثيرة في صحيفة هاآرتس عن شجاعتكم. حكيت كيف بكيت عندما رأيت حوار وائل غنيم في قناة دريم تي في. من حولي، كان هناك الكثير من الأشخاص الخائفين. ليس هناك ما هو أسهل من أن تخيف شخصاً، وليس هناك أبسط من أن تخاف. في إسرائيل، مثلما في مصر، هناك الكثير من الناس الذين يحاولون تسميم وتخويف الجماهير الذين لا يريدون إلا أن العيش وكسب الرزق والاستمتاع، حتى يسهل عليهم التحكم بهم. صحيح أن الحكومة الإسرائيلية شعرت بالتعاطف مع مبارك بالتحديد، ولكن كثيرين في إسرائيل كانوا طول اليوم أمام الإعلام والتويتر يصلون داعين لسلامة المتظاهرين. كنت مشاركا ً في مظاهرات الدعم المصرية في ميدان ماجين دافيد الذي حولناه في أحد الأيام إلى ميدان التحرير، قرأت قصيدة على نمط الهايكو كتبتها ساعتها عن الفقر في مصر: "على قدر ما تلمع الأحذية في فتارين طلعت حرب/ على قدر ما يسير مصريون أكثر حفاة". كان مؤثراً أن تقرأ أسماء إغبارية، وهي نشطة اجتماعية مرتبطة باتحاد عمال "مَعَن"، ونافست في الانتخابات للوصول إلى البرلمان الإسرائيلي، الكنيست، وإلى رئاسة بلدية تل أبيب، قرأت في الميجافون قصائد للشاعر الشجاع أحمد فؤاد نجم بالعربية، على مسمع من أناس جاءوا للتسوق في السوق. لديكم أناس تعرضوا لخطر الحبس والموت، ولدينا فرضت الشرطة علينا غرامة 150 شيكلاً.

أعرف أن إسرائيل قد ملأتكم بالإحباط في أحيان كثيرة، وسوف تملأكم بالإحباط في المستقبل القريب. سيحدث هذا طالما هناك احتلال إسرائيلي، وطالما أن إسرائيل لا ترى ما حولها إلا عبر نظارات الجنرالات السوداء. ولكن لتعلموا كيف لمستم قلوب أناس كثيرين هنا، وكسرتم حجراً من الجدار. وأنا واثق أنه مثلما أن سلطة مبارك قد سقطت بعد ثلاثين عاماً، فسوف تسقط أيضاً جدران الكراهية والخوف بين الشعوب الإسرائيلية، الفلسطينية، وشعوب الدول المجاورة، وسوف نستطيع عقد أيدينا لبناء شرق أوسط بدون استغلال ولا خوف ولا حروب.

أعتقد أن الأمر المهم هو أنكم علمت العالم وعلمتموني التمسك بالتفاؤل، حتى عندما توجد سحب سوداء، فإن الخير يمكنه الانتصار، وليس لدينا خيار إلا الانتصار. مبروك يا مصر.

روعي تشيكي إراد

مراسل صحيفة "هاآرتس"، ومحرر المجلة الشعرية "معيان".

ترجمة: نائل الطوخي

Friday, 21 January 2011

سفاري الحب

طالي لتوفيتسكي

ترجمة: نائل الطوخي

شعر

إذا صورتكِ

لن أحتاج لأن أحبكِ. ربما

صورة واحدة لكِ في ضوء النهار

غير متعمدة، غير مقصودة، أنت في الجانب، انتقلتِ

بالصدفة، نصف وجهكِ في الظل أو خارج الصورة

أمرر إصبعاً على ورقة الكروم

خط الأنف المستقيم، التجعيدات بجانب الشفتين،

في العينين أزرق غريب

ولن أحتاج لأن أحبكِ

ولن أحتاج لأن أحبكِ

ولن أحتاج للتربص بك، أصابعي مختبئة

محترقة.

*


ليس هناك من حب. فقط هناك

التسلل المتخيل، مثلما في مطر أبيض وأسود،

إلى ما وراء كواليس المدينة

حيث نقبل بعضنا. هاهو الطعام

الذي سيصل الأيام المعتادة

بالتراب البطيء للنقب. بين الخلفيات في حيفا

ها نحن، في سفاري

الحب، الذي كان دوماً خيانة

ننظر إلى الغزلان

بلونها البني الذهبي المحمر،

مثل اللون البني الفائر على منحنى ظهركِ

أقرب كثيراً من اللمس.




قصيدة التشبيه غير السليم

"Funny, each time I fall in love

It’s always you"

Chet Baker


قبل الصباح ينزل المطر

ينزل مثل كلب عجوز

وأعمى يجول بلا

راحة بين الغرف.

يتسبدل حبه البعيد

عني

بالتعثر المتكرر

المفاجئ والأبدي

في الأثاث.


هو لا يشبهكِ أبداً

ولا المطر

يلمس كتفكِ،

لا هذا الكتف الذي في الحلم

ولا هذا النائم بعيداً عن هنا.

وفقط من أجلك، مثلما دائماً،

هو يتوسل إليّ، العنيد.

_____________________________________________________

طالي لتوفيتسكي شاعرة ومحررة وباحثة وتقوم بتدريس الأدب في جامعة بن جوريون. القصائد نشرتها صحيفة يديعوت أحرونوت، وأخذتها من كتابها "جربي كلمات أكثر عمومية" الصادر مؤخراً عن دار نشر "كيشِف لَشيراه"