Sunday, 3 July 2011

تحية من أنطون شماس.. تحية لأنطون شماس




نحتفي اليوم هنا بأنطون شماس، بمناسبة إعادة نشر كتاب الأطفال الذي كتبه منذ ثلاثين عاماً، "الكذاب الأكبر فبي العالم"، ننشر ثلاثة مقالات عن الكتاب، الأول كتبته شوهَم سميت بعنوان "حقيبة الأكاذيب"، والثاني، "تحية من أنطون شماس ودودو جيفع"، والثالث كتبه شماس نفسه عن الرحلة التي جمعته بالرسام دودو جيفع في إصدار الكتاب. ولد شماس، الأديب الفلسطيني بقرية فسوطة بالجليل عام ... وأصدر عام 1986 روايته "أرابيسك" التي عدت من أهم الروايات الفلسطينية المكتوبة بالعبرية. وهو فوق ذلك أكاديمي بارز، يقوم بتدريس الأدب بجامعة ميتشجن بآن أربور.


ترجمة: نائل الطوخي


حقيبة الأكاذيب "الكذاب الأكبر في العالم"


شوهَم سميت

في بداية الفصل الخامس من كتابه "أرابيسك" (عام عوفيد، 1986) بعد أن حكى، في الفصل السابقين، أحداث حياته في قرية سلواد بقضاء رام الله، يكتب أنطون شماس: "ولكن قدمي لم تخط أبداً في قرية سلواد، وكل الرحلة إلى ثريا سعيد ليست إلا أكذوبة"، يكشف شماس أيضاً عن السبب الذي أنتج هذا الأكذوبة: "الجندي كان يقف على الحاجز وبيده جهاز اتصالات تلقى ممن تلقى أوامر بعدم السماح بدخول الصحفيين للمنطقة". بهذا الشكل يمحو المؤلف الفروق بين الحقيقة والأكذوبة. تتحول الأكذوبة من شيء غير حقيقي إلى شيء يمكن له أن يكون حقيقياً- ما يمكنه أن يحدث. ما كان ينبغي أن يحدث. الكذب يصبح حقيقة.

الفن، وبالأخص فن القص، مرتبط بالخداع البصري، بالاختراعات، بالانتقاء. شماس نفسه، في الكلمات المؤثرة التي كتبها بمناسبة إعادة إصدار "الكذاب الأكبر في العالم" (ملحق "جاليريا" بهاآرتس. 26. 5)، يستهل بالتطرق للواقع الذي جرت الأحداث على خلفيته – مثل "أرابيسك"، فإن "الكذاب الأكبر في العالم" هو أيضاً مكتوب أثناء حرب لبنان الأولى، ولكنه ينتهي بالتأملات حوال أعاجيب أكاذيب الفن وحول قوته في تحويل "الموت نفسه إلى كذبة كبيرة"، وواضح أن شماس لا يقصد فقط إعادة إحياء دودو جيفَع، صديقه وشريكه في هذا العمل، ولا الحياة المتجددة للكتاب الصادر منذ ثلاثين عاماً، مع انتشاله من هاوية النسيان. وبالتحديد لأن "الكذاب الأكبر في العالم"، وهو معالجة لقصة شعبية عربية، يمثل معجزة الكذب، بمفهومه الرائع، الكذب الذي يبني أبراجاً تطير في الهواء، فأنا أريد أن أضع جانباً الإحالة المادية على الواقع الإسرائيلي وعلى شخصية أريئيل شارون (الكذاب في هذا الكتاب له هيئة شارون غير الجذابة)، التي أصلاً سوف تمر على رؤوس الأطفال وكذلك على رؤوس غالبية الكبار. أمامنا عمل كلاسيكي، بارودي مجاوز للزمن يكشف عن أحد الأكاذيب الكبرى في تعليم الأخلاق: انتصار الحقيقة، انتصار الخير.

شماس، الذي يعير صوته للراوي العليم، يصدر القصة بديباجة (مصطنعة قليلاً): "أي حكاية/ تبدأ بـ"كان ياما كان"/ هي حكاية جرت من زمان/ مثل قصتنا، بالتمام/ الآن نحكي/ ثم ننام". هنا أصبح أمامنا نوع من المكر، بالتقديم الاحتفالي للقصة باعتبارها قديمة ولكنها ليست مختلقة كلياً. بعدها فورياً، بنبرة ساخرة، وكأنما بلا مبالاة، كمن يعرف أن سامعيه، العارفين بتقاليد الحكايات القصة الشعبية، قد سمعوا قصصاً كثيرة كتلك، يقدم الراوي قصة الإطار، التي تدور حول ملك "مملكة الكذب"، الذي أراد تزويج ابنته لعريس مناسب، لشخص يحكي قصة تبدأ بكذبة وتنتهي بكذبة. في هذه المرحلة، وفقاً لقوانين التيمة، وبعد أن يجرب شباب كثيرون قوتهم ويفشلوا، يصل للقصر ثلاثة إخوة، من أبناء قرية بعيدة. وعندئذ، ومرة ثانية، كما هو متوقع، يفشل الأخ الأكبر والأوسط ويتحقق توقعنا بنجاح الطرف المستضعف: الأخ الأصغر. هذه العملية، التي قد تبدو وكأنها تبدو وكأنها تسير وفق خطوط التيمة، هي عملية ذكية، بالأخص لأنها تستخدم الصيغة المكرورة المتسقة مع المسلمات الأخلاقية والتي بمقتضاها يحوز أفضل الأبناء على الأميرة والمُلك، ولكن قلب معيار الأفضلية على رأسه، بتقديم الكذب كصفة مرغوبة، بل وأكثر من هذا، كمرتبة حميدة، يحول الوضع كله إلى وضع مضحك – مرعب. سوف يميز القراء الناضجون في هذا الوضع الواقع من حولنا – أكاذيب الاحتلال، عصر الصورة الإعلامية– أما القراء الصغار، المعتادون على الإصبع الكبير الذي يلوح ويعلّم ويقول "حذار حذار، ليس جيداً أن نكذب"، فسوف يستمتعون بالشرعية الممنوحة لهم في الكتاب بخصوص الفعل الذي يتم تقديمه إليهم بوصفه ممنوعاً ومستهجناً (كفى يا أمي، أنت تعطليني عن الكذب على أبي!" نهرتني أمس الأول بارونة مينخهاوزن، صغيرتنا).

القصة الإطار وحدها هي بمثابة بارقة، تذكرنا بالحكمة الخبيئة في القصص الشعبية. قد يكون الأمر بديهياً ومع هذا، فلأنه يسود بين الناس اعتقاد أن كل من يعرف القراءة والكتابة بإمكانه أخذ قصص شعبية ومعالجتها، فمن المهم الإشارة إلى أنه ليست كل القصص الشعبية تستحق إعادة الحكي، ولا أي من يحكي بمقدوره إعادة المعالجة، وليس أي أديب، ولو كانت كتابته للكبار ممتازة في جودتها، بقادر على أن يحكي قصة للأطفال. أنطون شماس، والذي استجاب لمبادرة جيفَع، وكان الأخير يأمل في أن يتشاركا سوياً في إصدار سلسلة كاملة من القصص الشعبية العربية، أذهلنا باختياره، وبحكيه، وبشكل خاص أذهلنا بالعثور على النبرة الصحيحة لحكي قصة الأخ الأصغر.

يأخذ الأخ الأصغر المنصة من الراوي العليم ويفتتح قصته بالجملة المثيرة: "عندما ولدت جدة أبي جدي". من هنا، وبإيقاع قطار الشياطين، ينسج سلسلة أكاذيب مركبة مليئة بالخيال: ديك تنبت على ظهره نخلة، مدينة تتواجد على قمة النخلة، بطيخة بداخلها سلالم تصل بنا إلى سوق صاخب. كل الأكاذيب منسوجة من خيرة المواد الخام القروية المحلية للشرق (الحمار، البطيخ، السمسم والنخل) وكل منها يفاجئنا ويسحرنا أكثر مما قبله، مصحوباً بالرسومات التي تضعنا في إطار زخرفي (وهي غمزة ساخرة قام بها مصمم الكتاب لَاهَف هاليفي). رسومات جيفَع وهي أيضاً مستوحاة من الفن الشرقي، تسهم في تجسيد الوضع وتغرسه في البيئة الثقافية، ولكن الأسلوب الحكائي – المشاغب الذي يضعه شماس على لسان كذابه، الذي يخلق صوراً بالكلمات، يعتم عليها.

ما من عجب في أنه "بعد أن انتهى الشاب من حكايته كان الملك مبسوطاً جداً"، ومنحه ابنته "وبسبب خبرته في تربية السمسم والبطيخ منحه منصب وزير الزراعة". هكذا، بدون تأنيب ضمير العقل، تنتهي القصة، وعليكم، أيها القراء، أن تقرروا: هل هذه نهاية سعيدة؟


بعد ثلاثين عاما: تحية من أنطون شماس ودودو جيفَع


مايا سيلَع


في عام 1982 صدر كتاب الأطفال "أكبر كذاب في العالم" الذي كتبه أنطون شماس ورسمه دودو جيفع. قصة الأسطورة، القائمة على قصة شعبية عربية، تدو في مملكة بعيدة واسمها مملكة الكذب. يعلن حاكم المملكة عن مسابقة للبحث عن الكذاب المثالي. من يحكي له قصة تبدأ بكذبة وتنتهي بكذبة سوف يتزوج ابنته الأميرة.

من هنا تدور قصة عبثية تحوي ديكاً عملاقاً، نخلة طويلة على قمتها تنمو مدينة، بطيخة عندما يتم قطعها تظهر سلالم، حماراً يفقد ذيله، وكذلك مثلاً شعبياً مهماً: "الكثير من السمسم يعني الكثير من الهم". الأكذاب الأفضل في العالم يحصل في نهاية الأمر ليس على الأميرة فحسب، وإنما على تعيينه لمنصب أيضاً: "وبسبب خبرته في تربية السمسم والبطيخ، مُنح منصب وزير الزراعة."

ثلاثون سنة تقريباً مرت منذ صدور الكتاب، وعندما بحثت إيريس مور، المحررة الرئيسية لدار نشر كيتِر، في الأرشيف عن الكنوز السابقة للدار، تعثرت به. وفق كلامها، فلقد أحست إحساس إنسان عثر على بيكاسو في سطح منزله. وبالفعل، فالحديث هو عن كنز لا ينضب، كتاب أطفال مضحك، ولكنه أيضاً سياسي ومليء بالحذلقة، ينشغل بالحقيقة والأكاذيب، بالواقع والخيال.

تحكي مور أنها تعرفت على شماس منذ سنوات عديدة في جريدة "هاعير": "كان يخرج للأراضي (المحتلة.. المترجم)، يكتب تقارير عن الانتفاضة، أعتقد أنه كاتب رائع. كان يرسل نصوصاً لا تحتاج لأن يتم تغيير فيها علامة ترقيم واحدة. كان يخرج في الصباح للأراضي (المحتلة) لابساً بنطلوناً أبيض وقميصاً قطنياً أبيض ويعود من الأحداث الدموية كما خرج. عندما وجدت الكتاب بدأت في البحث عنه وأرسل له إيميل."

وافق شماس على إعادة إصدار الكتاب مع تصويب واحد فقط. "قال إن إستر سوفير، التي بادرت بفكرة الكتاب، أصرت على أن لا تُكتب فيه كلمة سمسم وإنما شومشوم (السمسم بالعبرية.. المترجم) وطلب هو تغيير هذا. وقال إن عائلة دودو جيفَع إذا وافقت فهو كذلك سيوافق على إعادة إصدار الكتاب". وافقت عائلة جيفع وتم تسليم المواد – النص والصور – ليد المصمم لَهَف هاليفي.

شماس شاعر، أديب ومترجم عربي إسرائيلي ولد في قرية فسوطة بالجليل. أصدر عام 1986كتابه "أرابيسك" الذي حظى بنجاح وتمت ترجمته لعدة لغات. قبلها كان قد أصدر ديواني شعر. ولكن منذ "أرابيسك" سكت صوته. بدا أنه قرف من الحياة في هذا البلد، وهو يعيش منذ سنوات طويلة في ميتشجن بالولايات المتحدة، يعمل أستاذاً بأن أربور، ولا يهتم بأن تُجرى معه حوارات صحفية.

هل يأس "منا"؟ تقول مور إن هذا ما يبدو. "صحيح أنني لم أتحدث معه عن هذا، ولكن يبدو لي أنه قد يأس سياسياً. لديه انتقادات رهيبة بخصوص هذا المكان وبخصوص كيفية إدارته. لقد وجد لنفسه ركناً يستطيع فيه ممارسة اهتماماته بهدوء نسبي بدون الانشغال باليهود والعرب."

هل فقدنا كاتباً؟

"أتمنى أن تكون الإجابة بالنفي، ولكن إذا كانت بالإيجاب فلقد خسرنا كاتباً كبيراً. ولكن أنطون شماس هو أيضاً مثقف كبير وليس مجرد كاتب."


الكلمات التي كتبها أنطون شماس من الولايات المتحدة

بخصوص صدور الطبعة الجديدة من الكتاب

أنطون شماس


لا أذكر تماماً كيف بدأ كل شيء، كيف بدأت هذه القصة. ولكن من الواضح لي بدون أي شك إنه لولا العزيز دودو جيڤع لما تمّ أو وُجـِد أي شيء ممّا كان. كان لدينا حلم صغير قوامه سلسلة قصص شعبية عربية أراد أن نصدرها سوياً، بعد أن أطلعته على بعض منها. وكانت تلك الأيام أيامَ الشخص الذي سبّب لـ«سلام صهيون» (وليس فقط لحزبـِه) بالانحلال، ثم استقال من وزارة الزراعة وفي الحال تم تعيينُه وزيراً للأمن والقتال، وسار في طريقه لتدمير جارتنا في الشمال، والمزيدِ من هذا السجع المشكوك بأمره دونما جدال. أكثر ما أحبه دودو في القصة هو الدرج الذي يتم العثور عليه داخل البطيخة الحمراء، وأراد أن نهبط معاً إلى داخل الأسطورة. وربما الهروب. بعد عدة سكتشات للشخصية الرئيسية كان واضحاً إلى أين، ومن من، نحن هاربون، بنصف إنجاز وذيل حمار في يدنا (انظروا صورة الغلاف). القصة التي سمعتها لأول مرة من العم يوسف في القرية البعيدة أصبحت لها الآن معانٍ أخرى على يد العم دودو في القرية القريبة، فَلْيطب الثرى لكليهما .

إعادة نشر "أكبر كذاب في العالم"، بعد حوالي ثلاثة عقود منذ نشر الطبعة الأولى في سنة حرب لبنان اياها، تثبت شيئاً واحداً ربما، يبعث على الطمأنينة والابتهاج: أن حبلَ الكذب، دائما، طويل. وليس بالضرورة بالمفهوم السلبي للتعبير. في الحقيقة، لقد مرت أكاذيب كثيرة منذئذ تحت الجسر، وحقائق كثيرة غرقت في المياه الآسنة دون أن يبقى لها أثر، والجسر، كما اتضح، لم يكن جسراً على الإطلاق في يوم من الأيام. ولكن رؤية دودو جيڤع مرة ثانية على الغلاف الخلفي منغمساً، كعادته، في عمله، كأنه تغلب على الموت، كأن الموت نفسه لم يكن إلا أكذوبة كبيرة، فإن هذا من نوعية الأشياء التي تمنحني العزاء والتي لا تحدث ولا أصادفها كل يوم. فهاهوذا الفن إذن، بكل الخطوط والألوان والخيال الجامح، وبحس الدعابة الذي لا ينصاع أبداً لقانون التقادم، وبكل هذه الأكاذيب الرائعة -- الفن يستطيع ذلك أيضاً. كأبهى ما يكون. شأنَ الصداقة، وشأنَ الحب.

Saturday, 25 June 2011

زوج من الكيلوتات وأشياء أخرى

حانوخ لفين

ترجمة: نائل الطوخي

عند محل بائعة السجق العجوز


الزبون: أعطيني من فضلك سجقاً ساخناً مع كرواسون. أريد بشدة أن يكون ساخناً. والكرواسون طري. أريد أن يكون هذا السجق كبيراً جداً، مترين. وكذلك الخبز. أريد أن يكون السعر رخيصًا. رخيصاً جداً. سأكون سعيداً جداً أن آخذ هذا السجق كهدية. وإذا رجعنا لحظة لطول السجق، فأنا أريده لا نهائياً، وأن يكون هدية. وأن تتوسلي لي أن آكله، مثل الأم القلقة. أريدك أن تكوني أمي، ولكن هذا فقط بالنسبة لموضوع السجق، وخارج موضوع السجق لتكوني امرأة غريبة تماماً، ولكن مشرقة الوجه. أريدك أن تكوني أصغر أربعين عاماً، أن تكوني فاتنة جداً. وعارية. فقط في نصفك الأسفل. أريدك بعد أن تقدمي لي السجق اللانهائي أن تنامي معي على أريكة طرية، أريدها أن تكون هنا خلف البار. أريدك أن تكوني أمي في موضوع السجق، عاهرة لطيفة بالنسبة للقصة، وكارولين أميرة موناكو بعد القصة، لغرض الحب اليائس، سفر مشترك لموناكو وزواج. والسؤال فقط هو ما الذي سنفعله بالسجق اللانهائي. سوف يملأ كل فراغ الوجود ولن يكون هناك مكان لموناكو. أريد أن تنبت لك لحية، أن تتحولي إلى المسيح، وتحلي مشكلة السجق، ثم تتحولي مرة ثانية إلى كارولين أميرة موناكو. تذكري. أنا أعلق عليكِ آمالاً كبرى وهائلة. طالما تقدمين لي السجق فكل شيء مفتوح، كل شيء ممكن.

(العجوز تقدم له سجقاً وكراوسون)

شكراً جزيلاً. وخسارة.


في محل الملابس الداخلية


(بائع متحمس. تدخل زبونة)

الزبونة: آسفة، ولكن هل يمكنني شراء زوجاً من الكيلوتات؟

البائع: (وجهه يحمر. يصدر أصوات خوار) زوجاً من ماذا؟!

الزبونة: (تؤكد) الكيلوتات.

البائع: (يبدأ في الخوار والتأوه والتلوي في آلام شهوته)

ححح. ححح.. هوه، يا رب، هي تريد.. ححح... أن تلبس على ال.. الخاص بها، هوه يا رب، هذا كبير... كبير... هذا أروع من القدرة على التعبير... هوه يا رب... ححح... ححح (للزبونة) تريدين أن تشتري ححح... حتى تلبسيه أين؟

الزبونة: (تستدير وتشير إلى مؤخرتها) هنا.

البائع: (يجن من الشهوة) هوه يا رب، هنا... "هي تقول "هنا... هي قالت "هنا"...من اليوم فصاعداً كلمة هنا سوف يكون لها عندي ... معنى مقدس... أيضاً كلمة "ها هنا" تعطي إيحاء غير مباشر، وكلمة "هناك" تعطي إيحاء عن طريق التناقض... تدريجياً سوف تصبح كل اللغة مقدسة بهذه الطريقة...

(يتشنج من فرط التأثر)

هوه يا رب... ححح... ححح...

(ينتهي. صمت. وجهة عليه ملامح الإرهاق والقرف)

حطمتيني. أنا إنسان انتهى من عمل قاس ومدمر. أنا أغلق المحل. سوف أذهب لإجراء فحوصات وبعدها للمستشفى. تعالي في آخر أغسطس.


ما هو أنا وليس أنت


(رجل راض عن نفسه يجلس مع امرأة مسترخية. يدخل رجل متلهف. يغرس بها نظرة راغبة. يقترب منها، نظرته مغروسة في ثديها، يمد إصبعاً باتجاه الثدي)

المتلهف: كنت أريد هذا جداً.

المسترخية: هذا يخصه.

الراضي: هذا يخصني.

المتلهف: كنت أريد.

المسترخية: لا يمكن.

المتلهف: خسارة، أريده بشدة.

المسترخية: لا يمكن بشدة.

(الراضي يبتسم ببرود، يلمس بإصبعه ثدي المسترخية. تشرح هي للمتلهف)

لأن هذا يخصه، هل تفهم؟

المتلهف: أفهم جيداً جداً، وخسارة شديدة.

(للراضي)

الأمر جيد بالنسبة لك. صح؟

الراضي: على ما يرام.

المتلهف: ولكِ؟

المسترخية: أيضاً.

المتلهف: فانتاستيك. صح؟

الراضي: هل تسألني؟

المتلهف: نعم.

الراضي: نعم. فانتاستيك.

المسترخية: وتسألني أيضاً؟

المتلهف: نعم.

المسترخية: نعم. فانتاستيك.

(المتلهف يقرب وجهه من وجه الراضي. تقريباً يلمسه)

خسارة شديدة أني لست أنت.

الراضي: جيد أن تكون أنا، صح؟

المتلهف: ذروة عالية. وسيء جداً أن أكون أنا. صح؟

المسترخية: هل تسألني؟

المتلهف: نعم.

المسترخية: نعم، سيء جداً.

الراضي: وتسألني أيضاً؟

المتلهف: لم لا؟

الراضي: نعم، سيء.

المتلهف: (يقرب رأسه من ثدي المسترخية) ولو كنت أنا هو، هل كنت لتسمحين لي أن ألمس هذا؟

المسترخية: نعم.

المتلهف: خسارة شديدة.

الراضي: ولكن بما أنه ليس أنا، فلن تسمحي له، صح؟

المسترخية: صح جداً.

الراضي: كل من هو أنا، ستسمحي له، وكل من هو ليس أنا، فلن تسمحي له.

المسترخية: بالضبط.

الراضي: فانتاستيك، صح؟

المسترخية: هل تسألني أم تسأله؟

الراضي: أسألكِ ثم أسأله.

المسترخية: نعم، فانتاستيك.

المتلهف: نعم، فانتاستيك.

الراضي: هل فهمتَ ما معنى أن تكون أنا وليس أنتَ؟

المتلهف: أنا أفهم الفارق بدرجة كبيرة.

(يقرب وجهه من وجه الراضي، كأنه يحاول الدخول بداخله)

الراضي: هل تحاول الدخول بداخلي وأن تكون أنا؟

المتلهف: نعم.

الراضي: لن تنجح، لأن كل شخص هو نفسه.

المتلهف: صح، وخسارة.

(وجهه يظل قريباً من وجه الراضي. بإعجاب) أي...! أي...!

(يفتح فمه بإعجاب. الراضي يلمس ثدي المسترخية. صمت. الراضي يلمسه مرة ثانية. صمت. الراضي على وشك أن يلمسه مجدداً، ولكن المتلهف يغلق فمه ويبعد وجهه. الراضي يقول للمسترخية)

الراضي: خسارة كبيرة أنه توقف عن الإعجاب بي وأنه لا يستطيع الوقوف أمامي وفمه مفتوح للأبد.

المتلهف: (يعتذر) لأنه مع كل هذا فلديّ نفسي، وكل أنواع الترتيبات، وعليّ أن أغلق فمي المفتوح بإعجاب وأن أفتحه مرة ثانية استعداداً للعشاء.

الراضي: خسارة كبيرة أن الآخرين عليهم أن يأكلوا وكل هذه الأشياء.

المتلهف: لو كنت أنا أنت كنت سأظل، أنت تفهم بنفسك.

الراضي: نعم، أنا أفهم، وخسارة.

المسترخية: مع كل هذا فلديك أنا.

الراضي: (للمتلهف) هذا صحيح، لدي هي، وبهذا لا يكون الأمر خسارة لهذه الدرجة.

المتلهف: أفهم. إذن سلام عليكم، ومن ناحيتي، فهي خسارة كبيرة. وخسارة مرة ثانية.

(يخرج).

______________________________________________

ربما يكون حانوخ لفين هو أكثر من تمت ترجمته في هذه المدونة. تمت ترجمته من قبل هنا وهنا وهنا. لفين من أعلام المسرح والأدب الإسرائيلي. ولد عام 1943 لأبوين من أصول بولندية وتوفى عام 1999. نشر قصيدته الأولى عام 1967 باسم "بركات الفجر". اهتم بالمسرح السياسي الساخر، فقدم عام 1968 مسرحية "أنا وأنت والحرب القادمة"، وفي عام 69 قدم "كاتشب"، وفي كلا العملين عارض الطابع العسكري لدولة إسرائيل وسخر من عجز ولامبالاة السياسيين، مما أثار ضده النقاد، وبعد تقديم عمله الثالث "ملكة الكبانيه"، على المسرح الكامري في أبريل 1970 ، ثار الرأي العام الإسرائيلي ضده بدرجة غير مسبوقة: تظاهر المشاهدون وقاموا بأعمال شغب ضد عرض المسرحية في المسرح الكامري، وهو مسرح تابع للدولة، وطالب حزب المفدال بمنع العرض الذي يدنس شرف العهد القديم، وهددت الحكومة بوقف الدعم المقدم إلى المسرح. تعرض لفين كذلك لانتقادات شديدة فيما يخص عرضه "عدة حوارات متخلفة وأغان تهدف لصب الملح على الجروح المفتوحة"، حيث قال عنها الصحفي أوري بورات: "يبدو من هذه المسرحية الزبالة أننا جميعا قتلة حقراء، مواطنون في دولة عسكرية متعطشة للدماء"، أما رئوفين يناي فقد قال عنها: "هناك مشهد عن صحفي يذهب لإجراء حوار مع أرملة شابة سقط زوجها في القناة، ويمارس معها الحب ببهجة – فقط عقل شيطاني أو مريض نفسي يمكنه كتابة مشهد كهذا... إنها سخرية خبيثة من آلاف الأباء الثكلى." النصوص المترجمة هنا من كتابه "الجيجولو الآتي من الكونغو ونماذج أخرى".

Saturday, 18 June 2011

عن الغيرة بين الأدباء نتحدث

عن الغيرة بين الأدباء نتحدث

سهرا بلاو

ترجمة: نائل الطوخي

1

"أنتِ سخية جداً"، قال الكاتب الشاب الموهوب، "شكراً على الإطراء".

اذهبي واحكي له أن هذا الإطراء مغروز الآن في حلقك، وأنه يمكنك أن تري أمام عينيك سواء النقد الذي يمتدح كتابه "الرائع"، و"الذي يحقق طفرة"، و"الذي أعاد الثقة في الأدب الشاب بإسرائيل"، بينما أنت تجلسين وتحصين السنوات التي مرت منذ صدور كتابك الأول. ولكنك تطرينه، بالتأكيد. أن تقولي كلمات حلوة في آذان زهرة الأدب الشابة هذه، فهذا سهل جداً، دوماً ما كنتِ جيدة في هذا، ولكنت تعالي نراكِ هنا تكتبين اسمه واسم كتابه الناجح. أنت غير قادرة على هذا، صح؟

2

قرر حكماؤنا أن "غيرة الأدباء تزيد الحكمة"، (باب باب بترا في المشنا)، ولا يغير الأمر أن عصرهم لا يفاخر بغيرة الصحفيين، غيرة مذيعي التليفزيون، غيرة الأكاديميين، أو غيرة عارضات الأزياء. لقد عرفوا جيداً أن غيرة الأدباء هي الأخطر والأكثر تدميراً بين كل هذه الغيرات. اعترف أحد الأدباء ذات مرة بأن: "ماذا تبقى لنا بعد كل هذه السنوات هو العمل القاسي والمستنزف؟ لا نرى أموالاً من هذا، كل ما تبقى لنا هو الاحترام."

ولكن الغيرة هي الشعور الأكثر احتقاراً وإدانة بين الجميع.

3

يمكننا أن نكتشف تسامحاً معيناً تجاه التعبير عن الشر، الغضب، التباهي، الجشع، الكراهية، ولكن الغيرة دائماً سوف تعد هي الأخت غير الشقيقة. مرات كثيرة نختار ترجمتها إلى شعور آخر، نقول "أنا غاضب منه"، أو "لقد أحبطتني"، ولكننا لن نعترف أمام أنفسنا أن الحديث هو عن الغيرة من النوع المعتاد والقديم.

لماذا تحول إحساس بسيط كهذا إلى إحساس غير مشروع؟ هل لأنه يكشف عن شيء ما داخلي، غريزي ومظلم؟ هل لأن الحديث هو عن إحساس قديم جداً، بدائي جداً، بقايا قديمة من الصراع على البقاء؟

احتجت لسنوات للاعتراف أمام نفسي أنه يمكنني أن أغار، وأحياناً بقوة شديدة. نوبة الغيرة تشبه في جوهرها نوبات الخوف. عندما تهجم بكامل قوتها، عليك إغلاق عينيك والانتظار حتى تختفي. وسوف تختفي. دوماً ما سوف تتركِك ضعيفة وخاوية. ليس صدفة أنه يقال "قاسية كالجحيم الغيرة". الغيرة بالفعل هي جهنم على الأرض. ليمت من يغاروا؟ كانوا يريدون، صدقوني، ولكن بدلاً من هذا فلقد حكم عليهم بأن يواصلوا الحياة والغيرة.

4

والحياة في ظل الغيرة، ليست حياة.

إليكم مثالاً، تشاركين في واحد من تلك الأحداث الأدبية بمناسبة أسبوع الكتاب، هذا حدث كبير، احتفالي ومليء بالأدباء، وأي إعلان جميل نشروه في الجريدة! الأيدي مرسلة والعيون مرتجفة على أسماء المشاركين: عاموس عوز، أ.ب. يهوشواع ودافيد جروسمان (حسناً، واضح أنهم سيفتتحون بالثلاثي الأدبي الشهير)، وهاهو أيضاً يورام كانيوك، ميئير شاليف، تسرويا شاليف، يوخي برندس، حاييم بئير، ليئا إيني... القائمة تستمر، والآن يأتي الأدباء من الصف المتوسط. لا تتوقعين أن تجدي اسمك بينهم، تواصلين القراءة، هاهم الأدباء الشباب (ما أجمل مهنة الأدب، والتي تعد فيها أديبة في عمر الثامنة والثلاثين أديبة شابة)، ولكن أين اسمي، أين هو؟ عيناك تتعثران باسم شخص تعرفينه، وقهوة الصباح توشك أن تنسكب على الجريدة، ما الذي يفعله هذا الأمي هنا؟ وكيف كتبوا اسمه قبل اسمك؟ تواصلين القراءة وأنت تصرين على أسنانك وهاهو.. لا، لا يمكن أن يحدث هذا! المقالة انتهت. اسمك لا يظهر، أو ما هو أسوأ من هذا، إنه يظهر تحت العنوان المرعب "وآخرون". ها أنت جزء من هؤلاء الـ"وآخرون"، هؤلاء معدومي الاسم الذين يذيلون طرف المقالة. ربما كان يمكنك احتمال هذا بشكل ما، ولكن اسم هذا الشخص الذي تعرفينه والذي يلوح هنا بكامل مجده الأمي يمزق أمعائك.

5

على الأقل فإن الحديث هو عن إنسان تعرفينه وليس عن إنسانة تعرفينها. على قدر ما يكون موضوع الغيرة مشابهاً- فإن الغيرة تصبح أشد. ليس هناك أسهل من إطراء عجائز القبيلة، الأدباء المخضرمون الذين يمنع سنهم ومكانتهم من وجود أي عنصر تنافسي، الحكمة الحقيقية هي إطراء من يشبهك، من ينتمي لنفس الأرض، هذا الذي يمكن لنجاحه أن يأكل نجاحك. هكذا يكون دوماً إطراء أديب كبير أسهل من إطراء أديب شاب، وإطراء الرجل أسهل من إطراء المرأة، إطراء العلماني أسهل من المتدين. الأخطر دوماً من وجهة نظري هن الأديبات الشابات الآتيات من خلفية دينية واللاتي يهتممن بالهولوكست ويبدأ اسمهن بالسين. اندهشوا، هناك من هن على هذه الشاكلة، لا طبعاً، لا تحلموا بأن أذكر حتى مجرد اسم واحدة منهن.

وهناك أيضاً تلك الزاوية في التليفزيون، والتي أوصي فيها من حين لآخر بكتب جديدة رأت النور. لو كان فقط الأمر ممكناً كنت لأوصى بالكلاسيكيات المعاد نشرها فقط، ليس هناك أروع من إطراء الكتاب الذين لم يعودوا من الأحياء! كم إن الأمر يتوجك أيضاً بهالة المثقف. ولكنني أحاول محاربة غريزتي الأولية والتوصية بشكل حار بالتحديد بالكتاب الشباب (والشابات). "رائع"! أهتف أمام كاميرات الاستديو، "كتاب يمثل طفرة!"، أبتسم بعذوبة. وهكذا أصبح مرتبطة بهم، وهكذا لن يتوجه نجاحهم ضدي، وإنما على العكس، سوف يكون نجاحهم هو نجاحي، وأنا أوصي بالجميع، بالجميييييييييع! حتى تنتهي جميع سياط ضميري، أقسم لو أن ليل الغضب قد مر عبثاً[1]...

6

والأمسيات الأدبية، هي الأمسيات الأدبية التي تقام في أنحاء البلاد أمام جمهور مستمع. أجد نفسي وقد أخذ يشد من أزري أديب آخر، أتحدث بلطف عن الأدب، الإبداع، وغيره.

في الافتتاح أقدم نقاط ضعفي مثل أحدب يلوح بعاهته، "نشرت كتاباً واحداً والثاني في الطريق، وبجانبي الأديب X الذي أصدر خمسة كتب"، أبتسم ابتسامة مذنبة ويمر الحوار بلطف. بلطف جداً، حتى مرحلة الأسئلة. هذه المرحلة التي أبدأ في الارتجاف عندها، الأديب المحبوب الجالس بجانبي يتحول إلى عدو. من منا سوف يتم توجيه الأسئلة الأكثر إليه؟ من بين الجمهور سوف تشهد أسئلته على أنه قرأ الكتاب؟ ذات مرة، عندما توجهت أسئلة الجمهور واحداً وراء الآخر فقط للأديبة (الممتازة، ينبغي الإشارة)، التي جلست بجانبي، كان التوتر على وجهي واضحاً للغاية حتى إن أحد المشاركين أشفق عليّ، "سؤالي لسهرا"، قال وتنهد الجمهور كله بارتياح: "ما الذي تعتقدينه بخصوص كتابة م"؟

7

ولكن هذا لم يكن مقرراً له أن يكون هكذا. التفسير الأصلي لـ"غيرة الأدباء تزيد الحكمة"، يشير إلى التنافس الذي يجعلك تُخرج من نفسك الأفضل، وإلى الأحاسيس الإيجابية في أساسها التي تؤدي للترقي والإلهام. حدث ذات مرة أن امتلأت بالإلهام من كتابة الأدباء، ولكن الآن، فإن الحديث هو عن الغيرة، وأول غيرة في العهد القديم انتهت بالقتل.

الحكمة هي الاعتراف بهذا الشعور ومحاولة استغلاله لصالحك. في الواقع يمكن تعريف الغيرة بأنها الأخت الصغرى والقبيحة للدافع، القوى المحركة. لولا الغيرة، لم أكن أبداً لأنجح في أن أجلس وأكتب. كنت لأواصل القفز بين حفلات توقيع أصدقائي الأدباء بينما أتطلع إليهم بعيون خاوية، بيدي كأس من النبيذ الحلو وبحلقي طعم حمضي. ولكنني أردت، أردت جداً! وهذه الغيرة الحارقة، دفعتني لأن أفعل فعلاً. في لحظات الانكسار أثناء كتابة الكتاب، كنت أردد أمام نفسي مراراً وتكراراً "هل تريدين الذهاب لحفل توقيع جديد! تريدين الوقوف هناك مع نفس كأس النبيذ بيدك بينما تبتسمين نفس ابتسامتك الخاسرة للأبد؟ هل هذا ما تريدينه؟" هكذا ربما يكون عليّ أن أشكر هذا الشعور الصغير الحقير والمدان، الغيرة.

8

اسم الكاتب الشاب والموهوب هو مَتان حرموني والكتاب هو "شركة النشر العبري."

___________________________

ولدت سهرا بلاف عام 1973 في مستوطنة بني باراك لعائلة متدينة برجوازية. أديبة وإعلامية إسرائيلية. ولدت باسم "سارة" وأضافت الهاء -اسم الرب - في اسمها علامة على تدينها. تعمل في معهد دراسات الهولوكست في حيفا، حيث توثق حكايات الناجين من الهولوكست منذ ما يقرب من عقد. في عام 2007 أصدرت كتابها الأول "غريزة الأرض"، والذي يدور حول امرأة خلقة دمية شبيهة بالرجل. مقال بلاف منشور تحت عنوان "شركة النشر العبري: سهرا بلاو تتحدث عن الغيرة"، في صحيفة هاآرتس، تجدونه بالعبرية هنا.



[1] " حتى تنتهي جميع سياط ضميري، أقسم أن ليل الغضب لن يمر عبثاً "من أبيات قصيدة "النذر" للشاعر أفراهام شلونسكي، وهو من رواد الشعر العبري، كتب قصيدته ليصف الهولوكست.