Friday, 7 January 2011

أوري أفنيري: البطل الخالد

ننشر هنا مقالاً كتبه الروائي يورام كانيوك عن الأديب والنشط السياسي أوري أفنيري وعن كتاب السيرة الذاتية الصادر عنه مؤخراً بعنوان "القتل بين الأصدقاء" للكاتب أمنون لورد. المقال تم نشره في صحيفة يديعوت أحرونوت تحت عنوان "البطل الخالد".

البطل الخالد

يورام كانيوك

ترجمة: نائل الطوخي

كتاب أمنون لورد "القتل بين الأصدقاء" هو سيرة ذاتية جذابة لواحد من أبطال الثقافة الإسرائيليين الأكثر بروزاً، أوري أفنيري. الأحداث الكبرى والصغرة منذ إقامة الدولة وحتى اليوم تمتد هنا كثورة يلعب فيها أوري أفنيري، البطل الخالد غير المتوائم مع أي اعتبار سياسي، دوراً مهماً في الحرب الخاسرة التي حاربها. ولكن في نهاية الأمر فإن أفنيري قد فشل. مثلما أن الأشخاص المحقين أكثر مما ينبغي، يفشلون دائماً.

لم يدرك أفنيري أن الشر في العالم يولد عن أفكار سامية. عندما كان في بداية طريقه فكر وفق مصطلحات الأمة العبرية، الحيز السامي، بسبب تأثره بمنظمة "لحي"[1] كما تأثر في نفس الوقت بالأفكار الكنعانية[2]. في كتابه الدقيق والمهم، يفرش لورد مساحة مكتوبة بألم من عاش في نطاق حياة أفنيري، وغير رأيه، وكتب نقداً، كله محبة عميقة للشخص الذي يحاول فهمه.

مغروس في كل ناصية

كل ما حدث هنا في الستين عاماً الماضية يمر كشريط مصور وأفنيري مغروس به، أحياناً ليس في مقدمة الأخداث المهمة، ولكنه دائماً يلامسها. لم يكن أفنيري أبداً شخصاً أحادياً. دوماً كان لديه ما يضيفه، ولكن دوماً كان هناك القليل من القديم في طريقه. ثمة من يقولون إن شخصيته تحوي جوانب مظلمة – كما دأب شريكه شالوم كوهين على أن يصفه بالفوهرر – ولكن ما أنقذه على ما يبدو كانت عقلانيته. الحديث هو عن رجل شخص يجيد حساب الكوارث العظمى والآمال الضخمة.

وقف أفنيري كرأس حربة صراع اليسار في البلاد، ولكنه لم يكن يسارياً. هو يبعد مسافة كبيرة عن اليسار الأيديولوجي أو الحزبي، وهكذا صنع جريدته "هاعولام هازيه"، صحيفة كانت ثورية ولكن تعوزها الملامح. إحدى جوانبها سلام وعدل والجانب الآخر نميمة مخجلة.

لقد عاد من حرب الاستقلال جريحاً بعد أن كتب قصيدة مديح لمحاربي 48، ولكن مع عودته ولدت بداخله الفكرة التي ارتبط بها طول عمره: محو "فصل اليهودية من الألواح الفولاذية للعرق العبراني"، أي، إحداث ثورة ضد هؤلاء الذين أرسلوه للحرب. لقد أراد بداية جديدة. وأراد أن يدير جيل المحاربين الدولة التي أقامها.

في كتابه التوثيقي واللامع، يطرح لورد قضية سنيه الذي انتقل لليسار الراديكالي، لأنه اعتقد أن الغرب قد غرق ولن يقوم ثانية، وقضية كستنر التي عمل أفنيري في أعقابها بقسوة وعدم حرص. أفنيري الذي كان من بين مخترعي "العمل السامي"[3]، ارتبط بحركات كثيرة كرتونية نمت آنذاك، من أجل دعم الفكرة الأساسية التي لازمته على طول حياته الناضجة: إقامة مملكة عبرية في أرض إسرائيل، وطرد جيل الزعماء "المتهودين" الذين أرسلوا الشباب للمعاناة في الحروب الإسرائيلية.

الدولة التي حلم بها لم تكن طائفة دينية وإنما عبرية، إسرائيلية. دولة ترتبط بمحيطها. تقوم بافتداء العرب أيضاً. دولة تكون مثيرة جنسية مثل القسم الخلفي من صحيفة "هاعولام هازيه" أو مثل الطوابير النازية التي انشده بها في طفولته بألمانيا. صحيح أن معركته الشخصية قد فشلت، ولكن سوياً مع هذا فأجيال كثيرة من الشباب قد تأثروا بـ"هاعولام هازيه"، وبطريقة أفنيري، ثم تركوه، بشكل عام لصالح بالونة فارغة أخرى من الخواء السياسي، بل وخائنة.

اليسار غير الأخلاقي

ابتعد اليسار الإسرائيلي عن أفنيري، لأنه من أجل أن تكون يسارياً في العالم، ينبغي أن تكون إنساناً مؤمناً بالأخلاق، وأن تقوم بأفعال غير أخلاقية. ولكن أفنيري ليس يسارياً ولم يكن كذلك، وإنما رجل يؤمن بأن الشيء قد يكون صحيحاً اليوم ولن يكون صحيحاً في الغد.

ما يتيح لورد لقرائه فهمه، هو الشخصية الصبارية[4] التي أعجب بها أفنيري. البروسي العبراني، الموشيه ديان الذي انتهى عهده القديم بداود الملك والذي حارب الأنبياء، وهم أصل اليهودية. هذا "الإليك الذي ولد في البحر"، البطل الذي كتبه موشيه شامير، هذا الشعب الجديد والشاب، المرتبط بالحركات الثورية. مثل الثوريين الجزائريين، أو ثوريي ناصر، أو الثورة الكوبية لكاسترو.

اسم "أوري"، كما يكتب لورد، هو أوري في "إليك الذي عاد من البحر". الذي لم يكن له تاريخ يهودي، الذي عاد لعتاقة أرض إسرائيل، والذي لم يكن لديه استمرار حقيقي. الاسم أوري أيضاً قدسته الشاعرة راحيل[5]، وتزوج أفنيري في نهاية الأمر أيضاً راحيل، ولكن راحيل أخرى. كل ما ميز اليهود لألفي عام هزمه، وفي الواقع هزمنا جميعاً: الهاي تكنولوجي. أو بشكل أكثر صواباً: طريقتك في السير ملتوياً، السفر في ضوء أحمر، أن تتم التضحية بك وأن تخاف.

النجاة كطريقة للحياة على مدار ألفي عام أدت إلى انتصار العباقرة على أبطال البالماح وأبطال الكنعانيين[6]. الانتصار اليهودي على "نمرود"، رمز العبرانية، هو سقطة رهيبة في الطريق التي سار فيها أفنيري بينما كان يخدم لسنوات طويلة بوصفه نبياً. ولكن الانتصار عليه لم يكن متاحاً لو لم يكن اسمه أفنيري، كعامل مساعد لبطل ألماني كنعاني على حصان أبيض. حارب ضد كل المظالم، ولكن بقلبه انضم لكبار القتلة الكبار: ستالين أو ماو، الذين أسالت انتصاراتهم أنهاراً من الدماء، وكانت لهم، كما كانت لأفنيري نفسه، نوع من الروحانية المغضبة.


كشك في شارع 96

أريد إضافة شيء ما شخصي. لقد تعرفت على أفنيري منذ سنوات كثيرة. في الخمسينيات الثائرة لم أكن هنا. ما عرفته عن البلد عرفته من "هاعولام هازيه" التي كانت تباع عندئذ في كشك بشارع 96. بعد عودتي أتيح لي أن ألتقي بأفنيري لمرات غير قليلة. في 68 جلسنا كمجموعة كبيرة في كافيه سلطان بشارع فريشمان، وادعى أفنيري بحماس أنه تقريباً أقنعنا جميعاً، أنه بعد لحظة طفيفة سوف تُخرجنا أمريكا من الأراضي (المحتلة).

أتذكر بهاء المظاهرات في الجليل بالستينيات عندما كنا قلائل، أتذكر خطاباته التي كانت تخترق المدرعة وشجاعة قلبه. ولكنني أتذكر أيضاً الظلم الذي أوقعه بأشخاص في صحيفته. في نهاية الأمر لقد تمت هزيمة أفنيري، لا على يد السلطة التي كان يحتقرها، وإنما على يد اليهود.

قبل شهرين شاركت في مظاهرة ضد العنصرية وصديقي سافي رخفلسكي، الذي نظم المظاهرة أمام متحف تل أبيب القديم، والذي قُرأت فيه لأول مرة وثيقة الاستقلال، دعا أفنير للحديث. على مدار سنوات لم يكن اليسار، أو ما يسمى باليسار، يقوم بدعوة أفنيري لإلقاء خطاب. لقد ظل وحيداً وجميلاً حتى الشيخوخة. وتحدث.

كانت هذه المرة الأول التي أسمعه يلقي خطاباً، وصوته كان يرتعش. كان متأثراً من الموقف الذي اجتمع فيه مائتي شيخ متعب ومئة من الشباب من حركات الصبية، للتظاهر أمام شعب لامبال. انفعل أفنيري على رغم أنه ألقى في الماضي مئات الخطابات التي اقتطعت من الحجارة، وكان حزيناً بعض الشيء ولكنه تحكم في وقفته.

لا يزال يحلم بالعدالة ولكن ليس بالأخلاق. يحلم بالآمال التي ضاعت. قلت له "أوري، أنا متشائم بخصوص ما يحدث هنا"، وقال "دائما كنتَ متشائماً وأنا دوماً ما كنتُ متفائلاً". أي أنه لا يزال في وسط الطريق، حتى الآن، في سن السادسة والثمانين.



[1] حركة سرية يهودية مسلحة كانت تعمل في فلسطين – قبل إعلان دولة إسرائيل – ضد العرب والانتداب البريطاني.

[2] أي مجموعة الأفكار التي نمت في إسرائيل بعد قيام الدولة لتؤكد على استمرارية الوجود العبراني على أرض فلسطين منذ أزمنة العهد القديم وحتى اليوم وتعتبر وجود اليهود في المنفى مجرد انقطاع لهذا التاريخ.

[3] "הפעולה השמית" حركة فكرية كانت تنادي بارتباط دولة إسرائيل بجيرانها العرب. أقامها أوري أفنيري، ناتان يالين مور، وبوعز عفرون.

[4] نسبة إلى الصبار، أو التسبار، اليهودي المولود في فلسطين، والذي يتميز بالوقاحة والوسامة والعمل بيديه في مقابل اليهودي الذي يعيش خارج إسرائيل، والذي يتميز في الصورة النمطية بالخنوع والاستكانة والعمل في الربا والمضاربات.

[5] شاعرة محدثة. ولدت عام 1890 ورحلت عام 1931.

[6] الجملة تشير إلى فشل الطريق الثوري، وانتصار اليهودي التقليدي على العبراني القوي والشجاع المولود في فلسطين.




Friday, 31 December 2010

اصرخ يا أحمد

فراس خوري، شاعر ومخرج فلسطيني، يسكن في قرية عيلبون، خريج قسم السينما والتليفزيون بجامعة تل أبيب. يعمل هذه الأيام على إخراج فيلم قصير باسم "سوفير". القصيدة منشورة بالعبرية بمجلة "معيان" الأدبية الدورية، ومنشورة في صحيفة يديعوت أحرونوت أيضاً.



اصرخ يا أحمد

فراس خوري

ترجمة: نائل الطوخي


اصرخ بالعربية، يا أحمد، ولوث آذانهم.

قف في ساحة المنصة واصرخ على صديقك، الموجود في هرتسل، كي يجلب لك المجرفة

ازعج جميع الجالسين في شوارع روتشيلد المشجرة مع كلابهم المدللة،

ازعجهم وهم يتحدثون عن الحفل الذي أقيم بالأمس

عن لعبة فريق مكابي تل أبيب الليلة،

عن الحريديم (العفنين) الذين صعدوا قبل لحظة للأوتوبيس معهم،

عن الحكومة اليمينية التي لا يشكلون جزءاً منها،

وعن العربي الذكي الذي قابلوه مؤخراً.

اصرخ، يا أحمد،

وسخ آذانهم بلغتك

هم لا يحبونها

هم يخافون منها

هم لا يحبون سماع اسم صديقك

هذا يرعبهم، يزعجهم أن يقرأوا الصحيفة اليسارية.

اصرخ، يا أحمد، بكل الصوت الذي منحك إياه الله

اصرخ، لا تخف، اصرخ!

فأنت تحتاج هذه المجرفة. صح؟

أنت تحتاج هذه المجرفة.

اصرخ، لن يلاحظوا وجودك إلى أن تصرخ

بهذه اللغة،

اللغة الممنوعة،

اصرخ وأصم آذانهم-

أنت تحتاج هذه المجرفة يا أحمد،

اصرخ.


ازرع لهم الطريق المشجر يا أحمد

زيّن لهم الطريق المشجر،

ثم اجلس لترتاح، اجلس لترتاح في الطريق المشجر.

أخرج علبة الملوخية والخبز من الكيس الذي أعدته لك أمك.

افتح العلبة، ضعها على الأرض،

أخرج الخبز وضعه على الكيس، على الأرض.

اجلس وامسح يدك.

امسح وازدرد الطعام أمام أعينهم.

امسح بيد تعرف أكثر مما ينبغي في عمرها الصغير.

اجلس بملابس العمل الوسخة وبوجهك المهبب والعرقان

وامسح.

امسح ولوث لهم ما حولهم.

اجلس، امسح واستمتع بطرق روتشيلد المشجرة يا أحمد

سيأتي يوم و...


ملحوظة المؤلف: إذا كنتَ إسرائيلياً فمن البديهي أنك قمت بتفسير الجملة الأخيرة بوصفها تهديداً لوجودك. شيء مثل: "سيأتي يوم وتصبح كل طرق روتشيلد المشجرد ملكك، يا أحمد".

لذا وجب الإشارة إلى أن الجملة الأخيرة تمت كتابتها فقط من أجل مواجهة القارئ الإسرائيلي بالوضع. ليس لدى المؤلف أية نبوءات تتعلق بطرد اليهود من طرق روتشيلد المشجرة، وهو بالتأكيد ليس لديه الوقت للذهاب في الرابعة وعشرين دقيقة عصر يوم الأربعاء للتحقيق لدى الشاباك.

Sunday, 26 December 2010

غمزة للنجوم


أوريت جيدلي بن آري

ترجمة: نائل الطوخي

ولدت أوريت جيدلي عام 1974. لها ديوانا شعر هما "عشرون صبية يمكن الغيرة منهن"، 2004، و"بطانيات"، 2009. تم تحويل ديوانها الأول إلى عرض مسرحي عُرض في مهرجان عكا عام 2006. درست الماجستير في علم النفس بالجامعة العبرية، أما درجة الدكتوراه فقد نالتها من جامعة بن جوريون عن طرق الكتابة. تدير اليوم ورشة كتابة مع الشاعر إشكول نِفو. هذه القصيدة منشورة في صحيفة يديعوت أحرونوت



غمزة للنجوم


تخرج للصالون بعد وقت النوم

تحمل معك – مثل جواز سفر – السؤال البسيط

الذي يبدأ دائما بـ"ما معنى" وينتهي

بـ"هكذا ليست إجابة".



لا أستطيع تقريباً إجابتك على أي شيء، يا طفلي،

لا من يرتب الجدول الدوري

ولا ما يوجد من خلف الفضاء وإذا كان يوجد شيء ما أصلا،

ولكن أمامك أشعر أنه لم يعد لدي الكثير لأتعلمه

بل وربما أكون قد وصلت أيضاً.


وعندما تسحب ساقيك عودة للسرير،

قزم في النظر، عملاق في نظر تلك التي تبصرك،

أعرف أنه يمكنني أن أصمت لسنوات الآن

بدون أن أقول من فضلك،

يمكنني أن أنصت لك من خلف الباب لسنوات

تقرأ ثم تنام.



هناك شيء ما خلف الفضاء، يا طفلي، فقط ليكن في معلومك

وأنا ألامس بسببه النور فوق رأسك،

أطفئه، أشعله، ثم أطفه ثانية،

أغمز للنجوم من داخل البيت.

Friday, 17 December 2010

حاييم نحمان بياليك



ولد حاييم نحمان بياليك عام 1873، ورحل عن عالمنا عام 1934. هو الشاعر المركزي الأول في الأدب العبري الحديث. حظى بلقب "الشاعر القومي". كان واحداً من أبرز المعبرين بأشعاره ومقالاته عن الصهيونية الكلاسيكية.

ولد في شتاتال، القريبة من جيتومتير، بحدود الإمبراطورية الروسية "أوكرانيا اليوم". انتقل في سن السابعة عشر للإقامة في مدرسة فولوجين الدينية، بغرض الحصول على ثقافة عامة. وأصيب بالإحباط عندما اكتشف أنه لا يتم تدريس سوى التلمود في هذه المدرسة، وليس العلوم الدنيوية. وفي النهاية انضم إلى المجتمع "التنويري – المسيكيلي" في المدرسة وأصبحت له شعبية مبيرة بين الطلبة التنويريين. يصف زميله آبا بلوشر شخصية بياليك ومكانته الاجتماعية داخل الجماعة فيقول: "ضيف شائع في هذه الغرفة، سواء في اجتماع أو بدون اجتماع، شاب دعوه في المدرسة باسم "الجيتوميري"، وناداه الآخرون باسم "حاييم نحمان"، لم يُعد من بين المتعلمين المخضرمين وإنما من التنويريين، وصارت له سمعة بوصفه دارساً للتوراة واللغة، منجذبا للقلم وأديب عندما يريد. في ساعة الاجتماع يصبح هو أول المتحدثين، أول المبتدئين وآخر المنتهين، وكان الجميع يصغون لكلماته التي كانت دائما مهمة للغاية". في هذه المدرسة (اليشيفا) كتب قصيدته "إلى العصفور"، كما عد من بين مؤسسي الاتحاد الصهيوني السري "نيتسَح يسرائيل". في عام 1892 التقى بالمفكر اليهودي الصهيوني إحاد هعام، وهو من أثر على أسلوبه كثيراً. في هذه الفترة نشر قصيدته الأولى "إلى العصفور".

عام 1893 تزوج مانيا، وبدأ في العمل بتجارة الأشجار، وكتب قصائده الأشهر ساعتها، ومنها "على عتبة بيت هامدراش"، "موتى الصحراء الأخيرون". كما كتب قصيدته "على عشب الشعب"، والتي اعتبرت قصيدة إدانة، وكتبها على خلفية الأيام التي سبقت انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول ببازل. أقام حتى عام 1921 في أوديسا بالاتحاد السوفييتي. في هذا العام، وفي أعقاب تدخل الأديب الروسي مكسيم جوركي وبأمر خاص من لينين، مُنح بياليك التصريح بمغادرة الاتحاد السوفييتي مع عدة أدباء يهود. انتقل لبرلين، حيث عمل بالنشر باللغة العبرية في دار نشر "دفير". وانتقل إلى بادهمبورج حيث التقى بشموئيل يوسف عجنون وإحاد هعام، وهناك تعرف على الرسامة وكاتبة الأطفال توم زيدمان فرويد، وهي ابنة أخي سيجموند فرويد، وأقاما معاً دار "أوفير"، وهي دار لكتب الأطفال بالعبرية. وتم حل الدار بعد خلاف بينه وبينها.

هاجر بياليك إلى فلسطين عام 1924، وانتقل للإقامة في بيت تم بناؤه من أجله خصيصاً في تل أبيب. بلوغه الستين عام 1933 كان حدثاً هاماً، إذ أقام شموئيل بلوم كتروما مسرح "أوهَل شيم" تكريماً له في ذكرى مولده الستين. كما احتفل الاستيطان الصهيوني في فلسطين بهذا الحدث. وصدرت طبعة خاصة من كتبه كما صدر كتب "قصائد وأغان للأطفال"، برسومات ناحوم جوتمان.

توفى عام 1934 وشارك في جنازته حوالي مئة ألف شخص. ودوماً تم لوحق بتهمة العداء لليهود الشرقيين والعرب.

من كتبه: "قصائد" 1901، "قصائد" 1908"، "الدجاجات والثعلب" 1918، "كل كتابات حاييم نحمان بياليك" 1923،

قصائده المنشورة هنا "إلى العصفور"، "بعد موتي"، و"اطويني تحت جناحك"، هي من أهم قصائده. بالتحديد قصيدة "إلى العصفور"، التي يعبر بها عن حنينه كشاعر يهودي إلى فلسطين "أرض إسرائيل.. إريتس يسرائيل".


حاييم نَحمان بياليك

ترجمة: نائل الطوخي


إلى العصفور

حمداً على سلامتك، يا عصفورتي اللطيفة

في عودتك من البلاد الحارة إلى شباكي-

إلى صوتك الذي طالما تاقت روحي إليه

في الشتاء، عندما هجرتِ حصني


‏‏غني، احكي، يا عصفورتي الغالية

عن البلاد البعيدة الرائعة،

هل سترنمين، هناك أيضاً في الأرض الحارة، الجميلة

بالأخبار السيئة والمعاناة؟


‏‏هل حملتِ لي سلاماً من إخوتي بصهيون،

من إخوتي البعيدين والقريبين؟

السعداء! هل يعرفون

أني أعاني، أعاني الآلام؟


هل يعرفون كم هم كثيرون أعدائي،

وما أكثر من يقومون ضدي، ما أكثرهم؟

غني، يا عصفورتي، عن عجائب وطن

الربيع به يثمر العالم.


هل حملت لي سلاماً من ثمار الوطن،

من الوهاد، من الوديان، من رؤوس الجبال؟

هل أشفق الرب على صهيون، رحمها،

أم أنها لا تزال متروكة للقبور؟


ووادي الشارون وتل اللبونا-

هل أعطيا مرَّهما وناردينهما؟

هل أيقظ العائد في الغابات

جبل لبنان النائم النعسان من نومه؟


هل نزل الندى على جبل حرمون كالجواهر،

أم سال وسقط كالدموع؟

وما أخبار الأردن ومياهه النقية؟

وأخبار كل الجبال والتلال؟


‏‏هل انزاح من عليها السحاب الثقيل،

الذي يغطيها بالظلام والعتمة؟

غني يا عصفورتي، عن بلاد وجد بها

أجدادي الحياة، والموت!


ألم تذبل بعد الزهور التي زرعتها

عندما ذبلت أنا نفسي؟

أذكر أياماً كنت مزهراً مثلها،

ولكنني الآن شخت، وهنت قوتي.


‏‏احكي يا عصفورتي، أسرار كل فروع الشجر،

وما همسَتْ لك به أوراقها؟

هل بشرَتْ بالعزاء وبالأمل في أيام،

ستأتي وتثمر كجبل لبنان؟


وما الذي أحكيه لك أنا يا عصفورتي اللطيفة؟

ما الذي تريدين سماعه من فمي؟

من الأرض الباردة لن تسمعي أغنيات،

إلا أغنيات الحداد، والنواح المرير.


هل أحكي عن المعاناة، المعروفة

في البلاد ويسمع بها الجميع؟

ها، من يَعُدُ المصائب التي مرت

والمصائب التي ستأتي ونحسها؟


طيري يا عصفورتي، إلى جبلك وصحرائك!

من حظك أنك تركت خيمتي،

لو سكنتِ معي، كنت أنت أيضاً، يا جناح الأغنيات،

ستبكين، ستبكين بمرارة على مصيري.


ولكن لا البكاء ولاالدموع سيشفيانني

ولن يخففان وجعي،

لقد ذبلت عيناي، دموعي ملأت قربة

قلبي الآن كعشب مقطوع .


لقد انتهت الدموع، انتهت الأشواك

ولم توضع النهاية على حزني.

مرحبا بعودتك يا عصفورتي الغالي

افرحي وغني ورنمي!


بعد موتي


بعد موتي قوموا بتأبيني:

"كان هناك رجل، وانظروا – هاهو لم يعد موجوداً

قبل زمنه مات هذا الرجل،

وأغنية حياته توقفت في منتصفها،

وللأسف! فقط مزمور واحد كان لديه-

وها هو ضاع هذا المزمور للأبد،

ضاع للأبد!


وللأسف الشديد! كانت لديه قيثارة–

روح حية تتكلم

والشاعر دوماً ما كانت كلمته بها

كل أسرار قلبه أخبرها بها،

وكل النغمات تحدثت بها أنامله

ولكن سراً وحيداً في قلبه أنكره،

تدور تدور أصابعه عليها وتتواثب

نغمة واحدة ظلت خرساء

خرساء ظلت حتى اليوم!


وللأسف الشديد، الشديد!

طول أيامها ترتعش هذه النغمة،

ترتعش بصمت، ترتجف بصمت،

حنيناً لمزمورها، وهو أبوها مخلصها،

تاقت، ظمأت،حنت، اشتاقت،

كما يحن القلب لمن ينتظره،

وإن تأخر، فهي تنتظره في كل يوم،

وفي زئير تختفي استغاثته

والمزمور يتلكأ ولا يجيء

لا يجيء أبداً!


وعظيم جداً، جداً الألم!

كان هناك رجل، وانظروا – ها هو لم يعد موجوداً

قبل زمنه مات هذا الرجل،

وأغنية حياته توقفت في منتصفها،

وللأسف! فقط مزمور واحد كان لديه-

وهاهو ضاع هذا المزمور للأبد،

ضاع للأبد!"

.....................................

نشرت قصيدة "بعد موتي" لأول مرة عام 1904 في صحيفة "هاتسوفيه" التي كانت تصدر بوارسو. والصيغة الأصلية للقصيدة كانت تحمل عنوان "في ذكرى ف." والتفسير الشائع لهذا أن القصيدة تم إهدائها لذكرى الأديب مردخاي زئيف فايربرج، المجايل لبياليك، والذي كانت قد مرت وقتها خمس سنوات على رحيله. وعندما قام بياليك بنشر قصيدة في طبعة ديوانه عام 1908، غير العنوان إلى "في ذكرى م"، ويقال إن هذا كان المقصود به اسمه هو، "نحمان".


اطويني تحت جناحك


اطويني تحت جناحكِ

وكوني لي أماً وأختاً،

وليكن حضنك مأوى رأسي،

عشاً لصلواتي البعيدة.


وفي وقت الرحمة، في الغسق

اِنحني لأكشف لك سر ألمي:

يقولون: ثمة صبا في العالم –

أين صباي؟


باق سرٌ واحدٌ أعترف لك به:

روحي تحترق لهيباً

يقولون: ثمة محبة في العالم –

ما هي المحبة؟


خدعتني النجوم،

كان هناك حلم – ولكنه أيضاً ماضِ

الآن لا أملك شيئاً في العالم –

ليس لديّ شيء.


اطويني تحت جناحكِ

وكوني لي أماً وأختاً،

وليكن حضنك مأوى رأسي،

عشاً لصلواتي البعيدة.

Friday, 10 December 2010

أن ترسم بيتاً مقدسياً

"أختي عروس والحديقة مغلقة" هو عنوان رواية جاليت دهان كارليباخ، تصف الرواية ما يدور في بيت مقدسي، تحلق عليه لعنة عائلة قديمة، نساء البيت يعشن وفق قوانين طبيعية أخرى، حتى تدمر إحداهن هذا التجانس عندما تعلن بشكل دراماتيكي عن أنها ستتزوج. في البيت المقدسي تسكن أربعة نساء، التوأمتان طالوش القبيحة وآفي الفاتنة، أمهما الممثلة وجدتهما. ينعزلن عن الرجال بسبب لعنة قديمة، وفي قلب المدينة الحديثة ينصعن لأوامر المواسم والطبيعة، ولا يستجبن لرغبات الرجال. ولدت جاليت دهان كارليباخ في مستوطنة شديروت عام 1981. هنا الفصل الأول من روايتها المنشور في جريدة يديعوت أحرونوت تحت عنوان "تعالي يا عروس".




أختي عروس والحديقة مغلقة

جاليت دهان كارليباخ

ترجمة: نائل الطوخي


لا نحتاج الكثير حتى نبدأ في سرد قصة تدور أحداثها في القدس: خذوا المدينة، اغرسوا بها بيتاً قديماً، غطوها – بسخاء – بالغرانيوم الزاحف، شقوا على جانبيها زقاقاً ضيقاً، أضيفوا أشعة شمس مكسورة على حجر بلون الجسم، وهكذا يكون نصف العمل على الأقل تم إنجازه.

حتى تكون هناك قصة، يقول قائل، ينبغي أن يكون هناك شيء ما ليس على ما يرام، شيء ما يزلزل الأرض من تحت الأقدام، وإذا احتجنا لزلزلة الأرض، فمن المجدي على الأقل أن تكون تلك أرضاً صلبة، مقدسية، أرضاً جيدة للبيع، وسادة رائعة وخصبة لمدافن الأغنياء الآتين من الخارج للسكنى بها وللحصول على القليل من الدودات الصهيونية، أرضاً تتقبل بتسامح لا نهائي كل ضلالات المعماريين، الذين سيعلنون حربا عالمية على ماهية الدائرة الحجرية التي تم الكشف عنها بالأمس في سلوان.

ليست ضرورية هنا الإجابة الحاسمة بخصوص مجال استخدام هذه الأرض – سواء كانت هي المؤسسة الخدمية الأقدم في العالم أو أنها كانت تنتمي لبيدر من أيام اليبوسيين – ليست ضرورية أبداً عندما تكون هناك درجة من الزركشة، ومن فوقها مبسوطة عريشة عنب. نحتاج مكاناً – مساحة ذات بواكي – يمكن فيه الارتياح والتنهد على وسادتين أو ثلاث واحتساء من حين لآخر قهوة سوداء تم غليها في الفنجان.

على هذه الأرض، في هذا البيت العتيق، نحن الأربع مغروسات جيداً. نقول: "بيت مقدسي"، وفوراً تنتصب بالأمر ثلاث أشجار سرو، ترتعش ظلالها برقة وتميل فوق بيت مغطى بالأحجار. عندما نرسم صورة مناخ مقدسي، فإن القلب الأحمق يقوم على الفور بتسيير قوافل من الحجاج، وثيران من ذوي القرون المذهبة التي تحرك آذانها في إيقاع متناغم. نساء من كل العالم يتم تصويرهن على أبواب بيت المقدس، ومن أسفلهن دخان ذهبي يطرد الرائحة الرهيبة للأضحيات.

جوقات من الأطفال المزيفين من جميع أنحاء البلد يحجون لـ"القدس الذهبية"، يشحنون التاريخ على أكتافهم الدقيقة و يزقزقون مراراً وتكراراً في الهواء الرائق كالنبيذ. الهواء. ما الذي يمكن إضافته عن الهواء الطيب للمدينة؟ عن الهواء المنعش الذي يطوف على ظهر الريح الطيبة، والتي تغير أحياناً توجهها وتجلب معها عطراً صحراويأ؟ نعم. عندما نتحدث عن القدس، من المهم أن يكون هناك ثمة "عطراً"، ومن المرغوب أن يكون "رائقاً".

عندما نعمل على الإكليشيهات فينبغي لنا التصرف كما لو كنا في معمل، ينبغي ارتداء قفازات معقمة، لأنه لا يمكن معرفة ما الذي سينفجر، أو أية زجاجة سوف تحرر أسراراً مظلمة. من المهم أن ندرس بحرص شديد: هل الهواء فعلاً رائق لهذه الدرجة؟ في أي جزء من المدينة؟ وبشكل عام، عن أي نوع من النبيذ بالضبط نتحدث؟ هكذا ينبغي العمل بحرص. من المناسب أن نلتقط الروائح بأنف مفتوح. وألا نتسمم أبداً، أبداً، لا من الأنبياء الذين يتجولون على أبواب يافا، ولا من شجرة الغرانيوم أو القبار. كم هو صعب أن نكتب عن القدس. كم هو صعب أن نفعل هذا بدون التباكي على صخرة وجودنا إياها، وعلى الضوء الذي في آخر النفق إياه. صعب أن نفعل هذا بدون أن تخترق مؤخراتنا عشرات من أشواك الصنوبر ذات الرائحة الطبية النفاذة.

إذن، فمما أو من أين نبدأ؟

ربما من هاتيك الأيام، أيام ما قبل التاريخ الخاص بنا، عندما لم يكن بعد "بيع الأراضي يدق الباب"، كما غرّد بعذوبة أحد المقاولين مرة وتلقى صفعة من جدتي. ربما من تلك الأيام التي لم تكن تجذب فيها رائحة الفرن المرشدين السياحيين. ربما عندئذ، عندما كنا عائلة غريبة – ليس إكزوتيكية. عندما كانت أحجار البيت تدافع عنا، ولم تكن "تعيد النور الرقيق للقدس". عندئذ، بينما كنا نسير، ولم نكن "نتجول في الأزقة".

كان ياما كان، منذ قديم الأزل، كان هناك بيت ضربت الطحالب جذورها فيه. أشجار القبار تلوت على حوائطه وأخذت تعض الأيدي. أشجار التين العجوز كانت تنزف الحلوى في الفناء. وفي البيت: أب وأم وتوأمتان، متشابهتان جداً أو مختلفتان جداً. وجدة عجوز كانت تأتي في الصباح للزيارة مرة في الشهر، من مدينة بعيدة كل البعد.

ببطء ببطء، بمنخارين واسعين ورطبين. ينبغي التعامل مع الكليشيه بحذر ومكر، ينبغي الانتظار حتى يذوب.

بيتنا الشرقي – لكي نشعل خيالكم: سجاجيد حمراء، خدم بسراويل علاء الدين، طاسة نحاسية مليئة بالكؤوس الزجاجية الصغيرة. في الفرن تنضج فطائر المعمول، ورائحة ماء الورد المتصاعدة منها تدلل البيت – بيتنا الشرقي هذا ليس بيتاً نموذجياً.

هكذا، لا يرحب البيت بأي شخص. ولا حتى بيهوديت، الجارة الهندية التي تحاول مداواة الجدة بفطائر من نبتة سانت جون، ولكنها تجعل الوضع يسوء فحسب. ربما نبدأ من المنظومة الدفاعية للبيت. الجدة لا تؤمن بالطبيعة الخيرة للإنسان، ولذا فبيتنا مبني على هيئة قلعة صليبية.

ثمة مذراة معلقة على عمود المدخل، تلوح تجاه السماء كشيطان غضبان. معلقة عليها باقات من اللافندر اليابس، ينبغي أن نعرف الآن، قبل الغوص بداخل البيت، فمثلما أن الأم تكره الجرانيوم، فإن الجدة تحب اللافندر، اللافندر من جميع الأنواع، عندما يكون بلغارياً، فرنسياً، إنجليزياً، ليكن طحلبياً، شائكاً، شهيراً، صحراوياً، مشعراً، ليكن ناردوس، من أباء أباء نبات الناردين، من عطريات البخور. البيت لدينا مصنوع كله من اللافندر، ومليء به.

أمام الضيف تهبط درجات سلم حتى باب المدخل، الثقيل والأحمر، المصنوع من خشب خشن. أحيانا ما تفرش الجدة أمامه سجاجيد السيارة – مقلوبة – وتسكب عليها زيتاً.

عند نهاية السلالم يمكن التوجه يميناً حتى حديقة المفاجآت. نحن لا نطلق عليها هذا الاسم في الحقيقة. عندما يطلق شخص على حديقته هذا الاسم، فإن هذا يدل على شعوره بالملل منها. آخر شيء يمكن قوله عنا أننا نحتاج المفاجآت. في وسط الحديقة تنمو شجرة بن، سربتها لنا يهوديت من الجمرك عندما عادت مرة من زيارة لجذورها في الهند. تلقت أمي تحذيرات من جميع أنواع العلماء الذين مروا في المحيط: الشجرة لن تصمد في القدس، هي تحتاج الدفء، والبن الجيد – يمكن شراؤه من السوق، وهذا مرغوب. اقترح العلماء: قوموا بتربية أشجار الزيتون. أشجار التين. وماذا عن الغرانيوم؟

رداً على هذا فإن الشجرة تثمر حبات البن الأفضل في البلد، وعندما نطحنها في مطحنة أمي ببطء وبشكل مكتمل، فإن ليالي بيضاء تكون بانتظارنا. النبات الأقدم في حديقتنا هو الأرغن الذي أتت به جدتي من المغرب. قبل أن يتم تسجيله بوصفه براءة استيراد في البلد بثلاثين عاماً، كانت الشجرة عندنا، مغروسة عميقاً في الأرض.

نجا الأرغن من السفينة، من مبيد الدي دي تي ومن استغراب الموظفين. زيت الأرغن يشبه زيت الزيتون في مذاقه، ولكنه أكثر رقة ودغدغة. من تحته تمتد حديقة الفاصوليا الخاصة بأمي. أمي هي البستانية الوحيدة في حديقتنا، ولكنها تحب الفاصوليا أكثر من أي شيء آخر. الفاصوليا – السيئة والملتفة – تلتوى عندها على جدار ليس مبنياً من الحجر المقدسي، وإنما من صبار عنيف بالتحديد.

على الجانب الأيسر من السلالم يقف خيال مآتة ذو تعبير غاضب. خيال المآتة لا يخيف العصافير، ولا هو مخصص لهذا الغرض. خيال المآتة هو جزء من المنظومة الدفاعية للبيت. جدتي تحتفظ به بشكل ثابت: تضع اللافندر في رأسه، تغير له أقنعة عيد البوريم ذات المرأى المرعب، تغرس سكاكين في يده وتضع جمجمة على كتفه. اللص، إن لم يكن قد التقط بعد الرسالة المضمرة في العفريت الواهن، سوف ينزلق بهدوء نسبي ويتوقف بجانب الباب الخشبي الخشن هناك، وسوف يرى الأحمق النسيج الخشبي، وفي هذا الوقت سوف تنغرس آلاف الشظايا الخشبية الصغيرة في كف يده.

الجدة تفرك يديها. هذا الموضوع نافع بشكل ممتاز. بل إنها حتى لا تعرض على فئران تجاربها هؤلاء أن يدخلوا ويهدأوا مع شاي جيد أو بعض العالول المغربي الذي تربيه أمي في صوبة صغيرة من أجل "شللوف للمشروبات". العالول ليس إلا نوعاً من القنب، المفيد جداً في علاقات المقايضة. وهي العمل الوحيد الذي لم تستطع ضرائب الدخل أن تضع يدها عليها. نحن لا نخاف الشرطة. إذا نجح شخص ما غير مرغوب في زيارتنا، فسوف يكون هذا بعد أن ينزلق ويتم وخزه، أو بعد أن يرتعب حتى الموت. في حالة كتلك – فلا يمكن لأي شخص أن يفتح ملفنا.

للانتقال للحديقة ثمة قبو ينتمي مبدئياً ليهوديت الساكنة، ولكنه فعلياً ينتمي لنا. هناك في القبو تقوم جدتي بشكل عملي مع ليليت بعمليات سد الناقص.

نصف القبو مليء بأكياس القمح والأرز والسكر. "أبداً"، تقول الجدة، "أبداً لا يمكن معرفة ما سيحدث." وعندما تقول هذا، فهي تقصد سنوات الضيق التي عرفتها في المغرب، والتي استطاع اليهود الأذكياء الصمود أمامها بشكل جيد، سمينين وصحيين كان اليهود يتجولون في القرية ويطلّعون عين المسلمين. لا يحوي القبو فقط الاحتياجات الأساسية، وإنما يتزين أيضاً بالمشروبات الحريفة.

في حرب الخليج كانت جدتي تتمشى وهي ثملة تماماً، فخورة بخدمتنا الاحتياطية. بفضلها نحن نشرب هذا الخير، تقول، ولن تجرؤ أية واحدة على الاقتراب إليها بهذا القناع، تصاب بالزغطة.

في ما قبل التاريخ الخاص بنا – قبل أن تتحول كتب الدليل السياحي إلى موضة، عندما لم يكن السياح المتحمسون يضايقوننا بعد – فإن نحالات أوشِر، وهو الحي الذي لم يكن إلا زقاقاً، كان يعيش لنفسه.