Friday, 26 February 2010

ثلاث قصص قصيرة جدا عن الحب

إشكول نفو

ترجمة: نائل الطوخي

فهم

ذهبت لطبيب نفسي، ثم لطبيب نفسي آخر، وقالوا جميعاً أنها بخير تماماً، وغيرت التسريحة، وصبغت لون شعرها بالبني، ثم عادت إلى الأسود، وطلبت من رئيسها أن يغير لها وظيفتها، وبدأت في الدايت، وهبط وزنها ثلاثة كيلو، وبدأت في تعلم النحت، في مجموعة صغيرة بيافا، وغازلت أستاذتها، ولكن ليس أكثر من هذا، جربت اليوجا أيضاً، للمبتدئين، والرايكي، ودرساً مجانياً للتعرف، وسافرت وحدها إلى نيويورك، وسافرت مع صديقها إلى لندن، ولمرة في الشهر صارت تذهب للتسوق، قريباً من البيت، واشترت فستاناً جديداً، أقصر، وفي اليوم التالي حظت بعبارات المديح في المكتب، وسجلت اسمها في سلسلة لقاءات عن موضوع الفلسفة في السينما، محاضرة ثم فيلم، واشترت كتاباً في الطبخ لشولا مودن، وأعدت باستخدامه طيوراً بالبرتقال، وكتبت لنفسها كل يوم، في نهاية اليوم، جملاً في يومياتها، ووخزت نفسها عمداً بالدبوس، ولحست الدم، وتنفست من خلال بطنها، ومارست العادة السرية من حين لآخر في الحمام، واتصلت من حين لآخر بأصدقاء الطفولة، فقط لكي تسأل عن أخبارهم، واقتنت قطة جريحة في البيت، واعتنت بها، ورتبت البيت، وصبغت أحد الحوائط بالنفسجي، ومصّت له مرة في الشهر، وتحدثت كل ليلة مع أختها، بصوت منخفض، كي لا يسمعها، واشتركت في حمام سباحة الجامعة، مرتين في الأسبوع، عشرين حماماً، واشتركت في الشات على الإنترنت، باسم متخيل، ومرضت بالأنفلونزا، والتي تطورت لتصبح التهاباً رئوياً، وتعافت بعد أسبوعين، وشربت حتى سكرت كل ليلة سبت، لترين متواصلين، وتقيأت على أرض المطبخ، وجففت القيئ بخرقة مثقوبة، ورمت جميع الجرائد، وقرأت الكتاب الجديد للأديبة المفضلة لديها، وعادت لقراءة الكتاب الأول، الأكثر صفاء، لنفس الأديبة، وحاولت أن تقرأ الشعر، وأن تدخن المخدرات، وحاولت فعل الاثنين سوياً، وتشاجرت مع أمها، نفس الشجار القديم، وقامت بتحليله مع الطبيب النفسي، وزارت قبر أبيها بشكل عرضي، في يوم أجازة، وسافرت في أيام السبت لكي ترى البيوت في الموشافات، واشترت في الصباح كرواسون بالشوكولاتة والحلويات، وابتلعت حبة مهدئة، ثم حبة مهدئة أخرى، كل أنواع الحبوب المهدئة، ولكن هذا كله، كـ-لـ-ـه، لم يحرك فيها شيئاً، هذا كله مر من خلفها ومن جانبها ومن أمامها، ولكنه لم يمر بداخلها، حتى أحد الأيام، وهي تتزين استعداداً لعيد زواجها الثالث، نظرت في عينيها المطفئتين في عينيها المطفئتين، بزغت المعرفةفجأة بداخلها، بطيئة ولكن واثقة بنفسها، فوراء كل حيرتها، والكلام عن الإحساس بالخواء، وعبثية الوجود، وعدم السعادة، تختفي حقيقة بسيطة جدا جدا: هي لم تعد تحب زوجها.

تغيير

عندما عادت إليه – ظهرت فجأة على بابه – بعد سنتين، كان قد حدث بها شيء ما آخر. لعدة أيام يدور حولها بلا راحة، ويتطلع لصورتها في محاولة للإمساك بالتغير. شعرها لا يزال طويلاً وأسود. وهي لا تزال تنقله من جانب لجانب بطريقتها. عظام ترقوتها لا تزال هي الأجمل في العالم. وهي لا تزال حتى الآن تلبس القمصان التي اكتشفاها. تصدر منها نفس الرائحة اللطيفة، تلك البديلة عن العطور. قصصها الصغيرة، اليومية، تميل لمبالغات صغيرة، مثلما كانت سابقاً. تلبس تنانير قصيرة جداً، وتجذبها طول الوقت باتجاه الركبة، كما كانت سابقاً. ومع كل هذا، فهو يشعر، بأن شيئا ما قد حل بها. أحيانا كان يخيل له أن أركان جسدها قد تحددت قليلاً. أحياناَ كان يهيأ له أن الشامات على كتفها، والتي كانت غير ظاهرة قبل سنتين، أصبحت أكثر وضوحاً. ولكن هذا لم يرضه. كان واضحاً له أن ثمة شيئاً ما يتجاوز هذا، شيئاً ما يتهرب منه مثل الصابون في اليد المبتلة. وأزعجه هذا جداً. أزعجه أكثر من إخلاء ثلاثة أرباع خزانة ملابسه مجدداً من أجل فساتينها، بل وأكثر من اختفاء أغراضه الشخصية من مكانها المحدد وظهورها فجأة في أماكن جديدة، أكثر موائمة من وجهة نظرها. أزعجه لدرجة الشعور بالحكة في كتفه اليمنى وجعلها ملحوظة للغاية. ولكن عندما كانا ينامان مع بعضهما- أهدابها كانت ترتعش عندما تنتهي، ولكن بشكل آخر – فقد كان يبحث عن الاختلافات بدلا من الاستمتاع.

إلى أن حدث في عشاء ما، بعد عودتها بأسبوع – كانت تعد البطاطس وهو السلطة، كالعادة – كسرت الصمت القصير الذي يسود بعد توجه كل منهما لطبقه للقضاء على جوعه - رفعت إليه عينيها اللامعتين، أمسكت بيده وقالت:

"منذ عودتي وأنا أريد أن أقول لك شيئا وأنسى كل مرة: تعرف! شكلك رائع جدا بالنظارة."

أخيراً

على مدار السنوات، عندما كان يصل برفقة امرأة – كل مرة امرأة مختلفة – إلى واحد من الأماكن المسماة "رومانسية"، كان ينبه نفسه لأن يتذكر جيداً الطريق المؤدي إلى ذلك المكان، حتى يتمكن يوماً ما – بعد عدة سنوات، أو أسابيع – من العودة هناك برفقة امرأة يحبها فعلاً، ومن أن يعثر في النهاية على الإحساس الرائع، الغامض، الذي يفتقده في نزهاته مع كل هؤلاء النساء الجزئيات. عندما وجد أخيراً – وهو يبلغ الواحدة والسبعين – المرأة التي يتمناها، كانت ذاكرته قد وهنت، وعندما كان يحاول تذكر ولو واحد من تلك الأماكن التي عاهد نفسه على العودة إليها، كانت رأسه ترتطم بجدار أسود، مجصص باعتناء. وحدث أنه وحبيبته بيضاء الشعر قد اضطرا للاكتفاء بأريكة صغيرة بجانب دار مسنين، أريكة تقشر طلاؤها ولا تطل على البحر أو الغابة، وإنما فقط على دار مسنين أخرى، قريبة.

ومع كل هذا، عندما كانت تضع رأسها على كتفه، وتقول له كلمات قليلة – ولكنها صحيحة – والشمس كانت تدفئ عظامهما الباردة، كان هذا لطيفاً بالنسبة له. بل كان لطيفاً جداً أيضاً.

________________________________________________

ولد إشكول نفو في القدس عام 1971. أقام في طفولته مع عائلته بالولايات المتحدة. ثم خدم في سلاح المخابرات بالجيش الإسرائيلي، وبعدها درس علم النفس في جامعة تل أبيب والكتابة الإبداعية بجامعة بن جوريون. نفو هو حفيد رئيس الوزراء الثالث لإسرائيل، ليفي إشكول، ومسمى على اسمه. من كتبه:

افترقنا طراخ، دليل المفترق المبتدئ، 2002، أربعة بيوت وحنين، 2004، أمنية واحدة إلى اليمين، 2007.

3 comments:

  1. ليه مافيش لايك في المدونات؟
    لايك كتيييييييييير
    :)

    ReplyDelete
  2. اللغة سريعة متلاحقة شامله الدقايق و الاحوال النفسية العابرة و التانية اللى بتستنى كتير

    ReplyDelete
  3. hhhhhhhhhhhhhhhhhhhhh very sweeeeet i like this

    ReplyDelete

comment ya khabibi