Friday, 9 October 2009

اذهب إلى مدينة القتل، بيروت

يفتاح إشكنازي

ترجمة: نائل الطوخي


يفتاح إشكنازي، كاتب إسرائيلي شاب. ولد عام 1980. له كتابان "قصص موت مدينتي"، 2003، و"بيركناو حبيبتي"، 2007، هاتان القصيدتان مأخوذتان من العدد الرابع من مجلة "معيان الشعرية"، ويرأس تحريرها روعي تشيكي إراد. في إحداهما "اعترافات مراسل عسكري"، يصف الشاعر علاقة مثلية بين الجندي بالجيش الإسرائيلي وبين رفائيل إيتان، رئيس هيئة الأركان بحرب لبنان تموز 2006، وفي الثانية يحاكي الشاعر إصحاحات "اذهب" بسفر التكوين بالتوراة، ولكن بدلا من أمر الرب لإبراهيم بالذهاب إلى فلسطين نجد هنا أمر الجيش الإسرائيلي للجندي بالذهاب إلى لبنان، مدينة القتل، كما يصفها. في القصيدتين يربط الشاعر بين الحرب، وخاصة تلك التي تم شنها على لبنان في 2006، وبين العنف الجسدي المتعلق بالجنس، سواء ما كان منه مثليا أو غيريا، ويربط بين الجيش الإسرائيلي وأسطورته الذكورية عن نفسه.



اعترافات مراسل عسكري

يمكنني تخيل وضع افتراضي أقيم فيه علاقة جنسية (غير كاملة) مع رافول.

برغم أنني في علاقات من هذا النوع، يتوجب عليّ القول،

بأنني بكر.

ولكنني قضيت وقتا مرتين في أندية كتلك، عندما كنت في الخارج.


علاقتنا دارت على ضفتي الليطاني، بين مخربين مستعدين للموت مقابل إقامة معسكرات إبادة.

رافول وأنا نجلس لابسين الزنطات على موتور السيارة الجيب، غارقين في ضحكات صبيانية كلها عذوبة

بؤبؤاي يداعبان بطل إسرائيل الذي هبط بالمظلة في المتلة واستلم شارة حمراء، ولكنه ظل لغزاً.

الأرنوب يضخم نور النجوم، يسهم في الجو الرومانسي، يشجع على الهياج

رافول يسأل عن الوحدة

لفرحتي، يحاول اكتشاف من أنا.


هو يعرف كيف يتصل بالناس، لديه سحر خشن ، حقيقي، أولي،

يداعب زراير بزته العسكرية المحكمة لمنع أي تمزق في المعركة بعقدة مائلة

يحكي نكتة "جنسية" عنن صديقة المظلي وشجرة جولاني

.

بعد هذا، وبرغم أنني لا أهمه

يلمسني بكفه المدربة- الفلاحة

أنا مستعد

طالما ليس هناك شيء ما ملزم، مثل الإدخال من الخلف

.

وسوف يكون الأمر معنا مكتملا ولطيفا:

روعة البطولة،

القنابل المضيئة

مردخاي أنيلفيتش "الذي يتحول إلى شخص من لحم ودم،

طرق الهليكوبتر، قرى تتحول إلى بقايا،

قوات المدرعات، التفافات، سموم الفخر العسكري في الكمائن،

سيطرة الطاقية اليهودية، أسلوب هانيبعل، أطفال الأر بي جيه يتعقبون,

شارة نهاية الخدمة، دبوس زيت البنادق.


فتحنا علبة اللحم

"أريد الذهاب إلى عنبر يفتاح"

وأسير مع رافول، برغم الوضع المضحك.


نحن في العنبر من أجل عد قذائف الهاون

قال للجميع أن لدينا أوامر. سواء أنا أو رافول لم نكن نعرف قواعد اللعبة.

أخلى الطاولة. رمى على الأرض الخرائط المفروشة

"أريد أن أكون الأول" أقول له، مقررا برغم أنفه أن أحاول

أن أجرب، "صعب عليّ"، أعتذر، وهو يبتسم "انتظر".

أجلس على الطاولة، أشتهى أن يقبلني رافول طويلا

بشفتيه الرجوليتين والمشققتين.


نظرة على نطاق قاعدة الاستيعاب، والذي تحول إلى لوح من اليأس بمربعات سوداء،

على الطاقية والتي يمكنها أن تسقط أثناء الممارسة الحميمة، الجماعة يعلنون عن أعواد الثقاب

المشتعل. أبنائنا يطلقون النار وتطلق عليهم النار. رافول غير معتاد على الموقف. يمسك أعصابه.


أحلم بأن أقرص على الجلد الرقيق للصلعة ،

أن أحاول تدليك المخ الذي فكر في خطة الصراصير المسممة

هو يعرف أن العرب لا يفهمون إلا القوة، هو رضع من عربية، هو يفهم.

مدافع تطلق النار للمرة الأخيرة قبل نوم هيئة الأركان. تنفث دخاناً كالعطور.


رغبة تقفز وتتفجر في القول: "سبوتنيك يا غبي،

جدك اغتصب جدتك في أثناء مذبحة لليهود، على ما يبدو."


كل شيء يزدهر ، الآن دوري لأكون رجلاً

في نور أحمر يمحو الجسد العاصف

ولكن رافي خائف، ربما خجلان

يلبس


ذهبت للنوم وحيدا في السرير الفرنسي، وبعد حوار آخر مع جنودي الجيدين المتحمسين،

الذين يعرفون أن إسرائيل تطمح في صنع سلام مع كل جيرانها العرب – الأعداء.

الحرب تستمر، سلسلة طلقات،

هم ليسوا بشرا وإنما حيوانات.

رافول بالضبط قبل الفراق، عندما كنا مخلصين وباردين،

يحذرني أن صبرا وشاتيلا سوف تجر ورائها أكاذيب ضدنا

.

للحادث السابق ثمة درسان سعيدان فحسب

هناك توازن ديمجرافي، ولذا علينا كرجال وكيهود

أن نتوجه فقط للأماكن الصائبة والنظيفة

التي يخرج منها الأطفال.


وأن نثق بقلب جامد في الجنود

الذي يقضون ليلهم كالنهار

لأجل جعل الحياة

محتملة لنا.


(التقيت برافول فقط مرة واحدة بعد الاستقالة في تل عداشيم،

وهو لم يعد يتذكر الأحداث، ولا يتذكرني، ولا يتذكر الآخرين،

وذهبنا نحن الاثنين سويا إلى معصرة الزيتون.)


في مدينة القتل

قم اذهب إلى مدينة القتل في عمق لبنان

الجبال سترقص على شرفك كالأيائل، بعد قصف متواصل.

قم اذهب إلى مدينة القتل، وهناك الكثير من البلدوزرات،

اذهب وانظر إلى دبورة امرأة مغتصبة، عارية ومغطاة.

اذهب إلى الخرائب،

إلى أنقاض البيوت.

انزل إلى صفوف

البلدوزرات

أنت لا تتجول

أنت لاتذهب.

أنت لا تنهار

أنت تركع في حركة عسكرية، قراءة خريطة الرموز،

وهذه يدك التي تلمس مرتعشة الجدران المكهربة الرقيقة.

هذا فمك الذي يقول:

"ممنوع"

هذا أنت المستعد لأن تموت مقابل انتهاء فترة الحاجز العسكري

كل شيء على ما يرام – كل شيء يعمل – كل شيء معروف.

هذا أبي الذي ذهب بي مرة إلى قرية زرعيت،

لكي نرى القصف سوياً.

ولم نجرؤ على النظر خلفنا،

نعم، محبطين سمعنا سويا أصوات الرعد في وحدة الإرشادات

والآلاف من زخات الشظايا اللامعة وجندي يشتعل

من مذراة كبريت، طار في الهواء القاسي،

رائحة الجثث كان أبي يعرفها.

عندئذ

حكا لي عن حروبه

وعن اليوم الذي فقد فيه السمع بإحدى أذنيه،

عندما قصف هبط في حفرة، كأنه لم يحب أن يوضح لي أن هذه هي حربي.

لم يرغب في أن يرى، إلى أي درجة أنا مرعوب

السكين – قم اذبح.

مثل الكلب، لأني أخطأت أخطاء كثيرة،

لأنني قتلت، نعم قتلت، قتلت أناسا.

وفي القرية الخربة في لبنان، التي تم سحقها بالرؤوس المتفجرة وبكاميرات-فوق حمراء

تقف امرأة

يحكم عليها تلبيوت*

تحترق كامرأة اللهب*

هي تلك

التي ركع بين ساقيها

سقط

نام.

اغتصب وطُعن ونام.

بين ركبتيها حفر علامة

وتحرك من عليها محركا حوضه

محاولا التوقف عن التفكير في أخته.

وهي لا تزال راكعة مزروعة منذ زمن

رطبة أمامه.

وفتاة أو فتاتان ثياب مصبوغة*

باهتة في العروق.

صدر عار مكبوس في ثدييها الصافيين

والسوائل تتدفق

بالتناسق مع حركته.

السماء دعت بالرحمة

رب العالمين قرأ التأبين لابسا التفيلين المدنس،

على مدينة القتل

على القتلة.

عليّ،

لأنني ميتاً سأصبح،

لأنني ميتاً أصبحت عندما قتلت أناساً.

___________________________________________________

*برنامج تلبيوت هو برنامج تأهيلي عسكري

*امرأة اللهب هو اسم يطلق على دبورا النبية اليهودية.

*"يقسموا الغنيمة فتاة أو فتاتان لكل رجل ثياب مصبوغة".. من سفر القضاة 30-5


Friday, 2 October 2009

مقابلة عصبية مع ساتوري

للأسف الشديد، لا يعرف العالم العربي كلمة "ساتورا"، وتكتب أحيانا "ساطورا"، ولم يستقر الأمر على ترجمة مناسبة لها، وإذا كان ذلك كذلك، فهيا بنا نشرح يا حضرات.

الساتورا فن أدبي، يقوم على السخرية، ترجع الكلمة إلى اليونانية، حيث أطلق اسم الساتورا على كائنات خيالية، النصف السفلي منها ماعز والنصف العلوي إنسان. القالب الأدبي يعتمد على المبالغة في إظهار العيوب وتتفيه المزايا والمحاكاة الساخرة، ظهر بين أوروبا، باليونان القديمة، وفي روما، وأدى ظهور الرواية إلى إعادة ازدهار هذا الفن، والذي يمكن العثور على أثار له في السينما والمسرح والرسم أيضاً. ويمكن عد "كانديد" لفولتير، "الدكتاتور الكبير" لشارلي شابلن، "مزرعة الحيوانات" لجورج أورويل، من الساتيرات المعروفة عالمياً. وفي الأدب الإسرائيلي يعد أشهر من كتب الساتيرا هو المسرحي حانوخ لفين، الذي ترجمنا له فصلين من ساتيرته الشهيرة "ملكة الكبانيه". وكذلك إفرايم كيشون، ويهوناتان جيفن.

وعلى العموم، بسبب كثرة تكرار الكلمة في هذا النص، ولأن النص يقوم بالتنظير لهذا الفن، في إطار ساتيري أيضا، بالمناسبة، يمكن للقارئ العربي غير المتآلف مع المصطلح، أن يتخيله فنا كاريكاتيرا ساخراً، مكتوبا أو معروضا على المسرح. ببساطة. الحياة دائما بسيطة جدا.

مؤلف النص، عيدان لاندو، ولد عام 1967، مقيم في تل أبيب ويدرس علم اللغة في جامعة بن جوريون، يصف نفسه في موقعه الشخصي بأنه متشكك بشكل عام، تم حبسه عام 2001 لرفضه الخدمة العسكرية.


النص الفكاهي، الحوار المتخيل، الساتورا، مأخوذ من العدد الخامس والأخير من دورية "داكا".


عيدان لاندو

ترجمة: نائل الطوخي

مقابلة عصبية مع ساتوري

- سلام لضيفنا، الساتوري، وسلام للسادة المستمعين في البيت.

- سلام سلام، ليس هناك سلام.

- اعتدنا أن نبدأ مقابلات كتلك بسؤال: "في رأيك ما هي درجة تأثير الساتورا؟"، وأن نتلقى الإجابة المعتادة: "صفر"، ولذلك فسوف نقفز للسؤال التالي: "ما هي الصفة الأهم في الساتوري؟"

- ساتوري بلا صفات هو أفضل من ساتوري لديه صفات.

- بمعنى؟

- الصفات تشوش الرؤية، يفضل إزاحتها.

- وما الذي يراه الساتوري؟

- الفجوات بين الادعاءات والإنجازات.

- هذا يسري أيضا على مدرب التخسيس.

- صح. الفارق الوحيد أن مدرب التخسيس يطمح لرفع الإنجازات لمستوى الادعاءات، لكن الساتوري يشكك في الادعاءات من البداية.

- ولكن الناس تحتاج الادعاءات، هي نوع من إشارة مرور، علامة طريق.

- والناس تحتاج أيضا إلى صفعات على وجوههم، هذا نوع من التمرين، صحصحة في منتصف الطريق. العلامة التي ليست صحصحة ستنتهي بالسنكحة. (وسامحوني على النحنحة).

- الساتوري، إذا سمحت لي، هو إنسان لا يمكنه التسامح مع الضعف الإنساني.

- نعم، ولذلك يندر أن تجد ساتورا يمدحها القساوسة والراهبات. ومع هذا، فليس أي ضعف هو ما يخرج الساتوري عن شعوره. فقط نقاط الضعف التي تحدث ضررا في الحيز العام.

- مثلا؟

- مثلا، فلان يذهب البحر مع أصدقائه، ويرفض الدخول في الماء بحجج مختلفة فقط من أجل إخفاء معلومة أنه لا يعرف السباحة. وفي مقابله، علان يرسل جنودا حتى يُقتلون في الحرب، فقط لأنه لا يملك شجاعة دفع ثمن السلام، وهو التنازل عن الأرض، عن الشرف، عن عدالته النقية. ضعف فلان يثير الشفقة، أما ضعف علان فعلى الأقل جدا يثير الغضب.

- هل على الساتوري أن يكون غاضبا حتى يكون فعالاُ؟

- هل على المحاوِر أن يكون سخيفا حتى يكون فعالاً؟

- ما الذي يمكنه تهدئة الساتوري؟

- البلبلطة في بحيرة الحقيقة.

- إذن فليبلبط.

- لا يمكن. الإنسان يكذب على نفسه بلا توقف.

- وما المشكلة في هذا؟

- المشكلة تبدأ عندما يبدأون في تفكيك هذا "الإنسان" إلى أجزاء. عندئذ يتضح أن هناك من يكذب واعيا، وهناك من يكذب غير واع، وهناك من يكذبون عليه وهو يعرف، وهناك من يكذبون عليه وهو لا يعرف. وعلى قدر ما ينزلون على سلم المسئولية والمعرفة، تصبح الأكاذيب أكثر إيلاما.

- ما الذي يهم الساتوري في وجود أناس يستمتعون بالمعاناة؟ ليدعهم يعانون.

- وماذا عنه؟ ما الذي يهم الناس في وجود ساتوري يستمتع بمعاناة كتابة الساتورا؟ ليدعوه يكتب.

- بمعنى أن الساتورا هي نوع من علاج الذات حتى قبل أن تكون إصلاحا للجمهور.

- كنت أقول أنها نوع من إفساد الذات حتى قبل أن تكون إهانة الجمهور.

- ما الذي يريده الساتوري؟

- القليل من عرائس تسومي، هذا هو كل شيء.

- وإلى جانب هذا؟

- أن يقيم الساقطين وأن يوقظ النيام.

- الحق في السقوط والحق في النوم هما من الحقوق الأساسية للهدوء الإنساني.

- أنت تقصد الصلف وليس الهدوء. أيضاً الحق في الصراخ والحق في الإدانة هما من الحقوق الأساسية. الصلف، أية كلمة مكروهة! الساتورا تراه وفورا يصعد الدم إلى رأسها.

- لماذا يجهد إنسان عاقل نفسه في الاستماع لساتوري؟

- لأنه داخل كل إنسان عاقل يختفي عفريت صغير اسمه عدم التعقل. والساتوري يبث رسائله فوق العقلية في أذني هذا العفريت. يزرع بذور الاضطراب في قلب الصلف.

- هذا أمر مدعٍ قليلا.

- أشرت أنت من قليل إلى أن الناس يحتاجون الادعاء. وكذلك الساتوري، برغم المظهر المخادع، هو إنسان.

- من كلماتك يتضح أن الإنسان العاقل، إذا استمع للساتورا، فهو يفعل هذا ضد رغبته الواعية.

- الساتوري لا يعنيه إن كان الناس يريدون الاستماع له أم لا. كذلك لا يهمه جدا أن يتفقوا معه أو أن يفهموه. فقط تهمه الخطوة الأولى: التشكيك، إخراج الجمهور عن توازنه..

- لهذا فهو يوزع الإهانات؟

- الإهانات هي البضاعة الرخيصة للساتوري. الساتوري لا يقيم وزنا كافيا لمستمعيه حتى يهينهم.

- ومع هذا فالناس يشعرون بالإهانة من حين لأخر على يد الساتورا.

- الحقيقة مهينة. أي مرآة ستخبرك بهذا.

- هذا تشبيه ديماجوجي. الساتورا ليست مرآة، لأنها قائمة على التشويه والمبالغة.

- فقط كي تتوازن مع التشويه والمبالغة المتضمنين بعمق فيما تطلق أنت عليه "الطبيعية."

- وحتى الآن، فالساتوري يركز على جوانب معينة من الواقع ويتجاهل جوانب أخرى.

- ومن منا لا يفعل هذا؟ بمجرد أن تفتح عينيك في الصباح فأنت تبدأ في أن تكون انتقائيا، السؤال: "ما هو المبرر الذي يقف خلف اختياراتك في أن ترى أو لا ترى."

- وما هو هذا المبرر؟

- قبل أي شيء – هاجم السلطة، القوة. الساتورا الجيدة تقسو دائما على الأقوياء بينما تسامح الضعفاء. تسخر منهم ليس بوصفهم أشخاصا محددين (أي أن لهم لهجة أو تسريحة شعر مثيرة للسخرية)، وإنما بوصفهم وظائف للقوة. الساتورا السيئة لا تميز بين الضعفاء والأقوياء. والـ"أنتي – ساتورا"، أي الرسولة الإضافية للقوة، لا تسخر إلا من الضعفاء.

- لا أستطيع تجاهل مفرداتك العنيفة، صفعات على الوجه، هجوم، سخرية. هل الساتوري هو إنسان عنيف؟

- ليس أكثر من الآخرين. العنف يحرر. وفي هذه الحالة، فعنف الساتوري يحرر جمهوره.

- سيتساءل البعض هل العنف هو الطريق السليمة لتحريك الناس وللتأثير عليهم.

- فعلا هناك الكثير ممن يتساءلون، وبعضهم عنيفون بشكل مخيف.

- والمعنى؟

- هذا الموقف للشخص المحتار للأبد، الذي يسعى دائما خلف عرق الذهب، الموقف الذي يجتهد طول الوقت ليكون متعاطفا بشكل متساو مع جميع الأطراف في أي صراع، وهو موقف عنيف.

- أنت تتحدث بشكل فيه مفارقة.

- أبدا. لأن هذا الادعاء بتقسيم العدل بشكل متساو بين جميع الأطراف بالضرورة سوف يظلم الذين معهم القدر الأكبر من الحق، لصالح الذين معهم قدر أقل من الحق (دائما هناك طرف معه قدر أكبر من الحق). لأنه يطلب من الذين مهم قدر أكبر من الحق (بمعنى المظلومين أكثر)، أن يكبحوا أنفسهم وأن يتقبلوا بتسليم تسوية غير عادلة، باسم توازن ما مقدس وهش.

- أحيانا تكون الحياة أكثر تعقيداً من أن تنقسم بين أبيض وأسود.

- هذا التعقيد هو امتياز الأحرار والشبعانين. من تصرخ بطنه من الجوع وهناك حذاء مكسو بالمسامير ملقى على رقبته يرى الحياة ببساطة تامة. المطالبة بأن أكون معقداً، وبالتالي أن أخفي الظلم الواضح، البارز، هي مطالبة عنيفة، أكثر عنفا بكثير من الفعل الساتيري.

- على الأقل هي مصاغة بهدوء. الناس يفضلون أن يتم التحدث إليهم بشكل جيد.

- الناس يفضلون أيضا أن يأكلوا لحم الخنزير والأيسكريم بالكريمة والتحديق في برامج التسلية التليفزيونية. الساتوري لا يعمل عند "الناس" ولا يأخذ منهم مرتبه.

- ولكنه يريدهم أيضا أن ينصتوا له، أليس كذلك؟ هو لا يريد أن يهرب الجمهور منه.

- إذا دخلت فكرة جديدة إلى جمجمة الجمهور قبل أن يهرب، فهذا كاف. الساتوري لا يريد من الجمهور البقاء، البقاء المتواصل بجانبه سيجعل الساتوري يشعر فقط بعدم ارتياح مؤذ.

- هذا شعور متبادل.

- ممتاز. لصالح جميع الأطراف.

- لا يبدو لي أن هناك من الجمهور من سيرغب أبدا في البقاء مع ساتوري كهذا.

- هذا واضح. لأن جوهرة تاج الساتورا الممتازة هي بالطبع هذه: إدانة القارئ.

- ظننت أن المقصود هو إدانة الأقوياء.

- صح، ولكننا لن نترك القارئ بريئا. عليه أن يشعر في مكان ما بأنه شريك في الظلم أو النفاق الذي تهاجمه الساتورا. هكذا يجعل الساتوري القارئ يعمل ضد نفسه. وإلا فليس هناك من مستقبل للكلام عن "الإصلاح"، فالأقوياء في الواقع لا يسعون بالطبع لقراءة الساتورا.

- من الذي وضع في يد الساتوري سلطة الإدانة أصلا؟

- نفس القارئ بالتحديد. الساتورا تدين الشر في الإنسان باسم الخير في الإنسان – نفس الإنسان بالضبط. وحتى لو كان الشر هائلا والخير صغيرا – فالساتورا سوف تجد لها نقطة أرشميدس التي تحرك بواسطتها الأول بواسطة الثاني.

- يبدو أحيانا أن الساتوري لا يعتقد بوجود الخير في الإنسان.

- أنت تخلط بينه وبين الشخص العدمي. ليست هناك ساتورا عدمية.

- على أي حال، فالساتوري ينجذب إلى القبح، بل وينصهر معه بشكل مَرَضي بعض الشيء.

- هذا نوع من التمرد على طغيان الجمال.

- ربما يكون من المناسب الكف عن شعارات الزن هذه.

- هذا اضطرار. شرب السم بجرعات صغيرة ومركزة. على أي حال، الساتوري يتشكك من البداية في الناس ذوي الأحاسيس الجمالية المبالغ فيها. حيث أن الحساسية الجمالية ("أوه، كم أن هذا فظ وقبيح!") تستخدم مراراً لتحييد وخز الضمير، لخلق حاجز محايد بين الظلم وبين المشاهد. القبح يستخدم كحجة كاملة لتوجيه النظر بعيداً، لذا فالساتورا تقوم برفع القيمة البصرية للقبح إلى درجة الإعجاز.

- هناك سؤال عما هي القيمة الأخلاقية السامية لهذه الدرجة في الإحساس بالقرف.

- هذه مسألة ذوق. بنفس القدر، هناك سؤال عما هي القيمة غير الأخلاقية في الإحساس بالسمو الجمالي.

- أنت تلعب بالكلام.

- الساتوري يشمئز من اللعب بالكلام. بشكل عام، الكلمات في رأيه تتمتع بتوقير مبالغ فيه. هو يفضل أن يراها تعود لأبعادها الأكثر تواضعا.

- كيف؟ إذا كانت الكلمات هي سلاحه الأساسي.

- وسيط ليس إلا، ليس أفضل ولا أسوأ من الوسائط الأخرى. الناس يطورون علاقات حميمية بشكل مخيف مع الكلمات – فترات الصمت، الغضب، الامتعاض. كل هذه عوائق أمام الساتوري، الذي يسعى لإبعاد القارئ عن قيود سياقاته الشخصية، وجعله ينفتح أمام العالم. وهناك بالطبع الحنبليون.

- من؟

- الذين يصرون على تمييز الفتحة من الكسرة. دائما سوف يجدون طريقة للتنصل من رسالة النص والتركيز على الاستخدام "الصائب" أو "غير الصائب"، "الدقيق"، أو "غير الدقيق" لكلمات معينة. تحدثهم عن الأخلاق، وهم يردون عليك بعلم الدلالات. لن يثير بهم أي جندي تحول إلى قاتل ذلك الغضب الذي يردون به على فتحة تحولت إلى كسرة ضالة. هذا نوع من العمى الإرادي تم الحصول عليه هنا، مثل علم الجمال.

- إذا كان ذلك كذلك، فالساتوري يكرس جهده لتمزيق الغلالات التي تحجب بين الضمير وبين الواقع.

- الآن أنت تخطأ في حجم الادعاء. الساتوري لا يمكنه افتراض أن جميع قراءه يتمتعون بالضمير.

- ولكن إذا كان حرفته يائسة لهذه الدرجة! فلسوف ينزلق بسرعة في طريق العدمية.

- ليس بالضرورة، يمكن للساتوري أن يفترض على الأقل أن قراءه يتمتعون بعقل سليم وباستياء غريزي من التناقضات. لهذا فهو يضعهم أمام التناقضات التي يفضلون نسيانها، ويجبرهم على الاختيار.

- ولكن إذا كانوا بلا ضمير، فـ....

- ليس هناك ضمان بأنهم سوف يختارون العدل أو الظلم. صحيح، وحتى الآن فالساتوري يفضل الاختيار الصريح للظلم، الاختيار الذي يتم في نور النهار، عن الاختيار الذي يتم في الظلام وتغطي عليه الكلمات الحلوة. مصارعة عدو ظاهر هي أكثر سهولة وإخلاصاً من مصارعة عدو خفي ومضلل.

- مرة ثانية: "عدو"، و"مصارعة"، مرة ثانية هذه الروح الصارمة والممرورة. يبدو لي الساتوري ككائن معزول، شائك وبائس.

- يبدو لي المحاور ككائن فضولي وتواق للمعرفة.

- كلام فارغ. هذا عمل يبدو كما لو كان عن عمل آخر.

- بالضبط.

- يقوم به أناس عاديون، لأسباب عادية، ليس من أجل الوصول لشيء ما.

- بالضبط.

- لا أعرف إن كان هناك شخص سيقرأ هذا الكلام؟ هل سيفهم؟ هل سيرد؟ لا. ليست لدي فكرة. ومع كل هذا فأنا أواصل محاورتك. مثل أحمق يفكر أن الناس يعملون كي يحققوا إنجازات. الناس يعملون حتى يعيشوا. ويعيشون... ليس بسبب.. ليس من أجل. يعيشون من أجل الحياة، نعم نعم – الحياة! الحياة هي الموضوع ذاته. كم أن هذا مخيف.

- بالضبط، فهمتني. هل يمكنني الذهاب؟


Friday, 25 September 2009

شاؤول يسمع الموسيقى، الموسيقى يسمعها شاؤول

ناتان زاخ

ترجمة: نائل الطوخي


وصف مفصل للموسيقى التي يسمعها شاؤول في التوراة

شاؤول يسمع الموسيقى

شاؤول يسمع

أي موسيقى يسمعها شاؤول؟

شاؤول يسمع الموسيقى

التي تمنحه السكينة؟

شوؤول يسمع الموسيقى

الموسيقى يسمعها شاؤول

ومن حوله لم يعودوا موجودين، كأنهم

اختفوا، اختفت كل الناس.

لأن شاؤول يسمع الموسيقى.

هل هذه هي الموسيقى

التي يحتاج شاؤول لسماعها

في وقت كهذا؟

نعم، هذه هي الموسيقى التي يحتاج

شاؤول لسماعها في وقت كهذا

لأنه ليست هناك موسيقى أخرى الآن

وربما لن تكون هناك

حتى جبل الجلبوع

ابني من أعلى

مالك يا ابني؟

مالك يا أبي؟

للسماء أقلعت

ولم أخََف شيئا


مالك يا ابني؟

مالك يا أبي؟

لا الرأس، ولا القلب

الجسد وحده يرفض


مالك يا ابني؟

مالك يا أبي؟

نار ونور يشتعلان

عند أقدام الجمر


مالك يا ابني؟

مالك يا أبي

من حولي الحديد

يذوب ويُصب


مالك يا ابني؟

مالك يا أبي؟

هبوب ريح الخلود

الموت هنا يدوخ


لا تقلق، يا ابني العزيز

لا تقلق لأمري، يا أبي

اثنانا معا

ميتان الآن

كم أنك رائعة كنت

حانوتي يغلق أقفال محله.

ظلننا وحيدين فقط في الشارع

الأوتوبيس متأخر، الفانوس شاحب

كم أنك رائعة كنت.


النادل ينتظر الزوجين متأخراً

في عدد من النوافذ ينسكب النور

عجوز يقطع الطريق بعصاه.

كم أنك رائعة كنت.


عصافير أخيرة تتوجه لقضاء الليل

قط يتقافز من صفيحة القمامة.

هبوب ريح خفيفة على أوراق الفيكوس

كم أنك رائعة كنت.


أنهي فنجان المشروب.

كتل السحاب تمر مسرعة

الجو بارد، علامات الخريف

كم أنك رائعة كنت


من خلف الناصية هناك زئير لموتوسكل

نعم، كان لديك فستان مبقع

وكنت محتارا أين سنذهب

كم أنك رائعة كنت.

________________________________

ولد ناتان زاخ في 1930 بمدينة برلين، باسم هاري زايتلبج لأب ألماني يهودي وأم إيطالية غير يهودية، هاجر لفلسطين في 1936 وانضم للجيش الإسرائيلي في حرب 1948.

واحد من أهم الشعراء الإسرائيليين، أسس في الخمسينيات مجلة "لكرات" والتي عادت الشعر الإسرائيلي السابق الذي كتبه ناتان ألترمان وغيره، وحررت القصيدة من الاستعارات البلاغية الثقيلة لتجعلها أكثر بساطة.

من دواوينه "قصائد أولى"، 1955، "قصائد مختلفة"، 1960، "كل اللبن والعسل"، 1966، "شمالي شرقي" 1979، "كم أنك رائعة كنت" 2008. وله مسرحية "مدرسة الرقص" التي عرضت على المسرح الكامري عام 1984 وأخرجها شموئيل بونيم. حاز جائزة إسرائيل (1995) وبياليك (1982) وجائزة أكوم عن مسيرة حياته في الأغنية العبرية.

Friday, 18 September 2009

امرأة هاربة من البشارة



دافيد جروسمان

ترجمة: نائل الطوخي

دافيد جروسمان أديب إسرائيلي شهير، واحد من المرشحين الإسرائيليين الدائمين لجائزة نوبل، سويا مع عاموس عوز. ولد في القدس عام 1954، لأب من أصل بولندي وأم مقدسية.

قبل أن يبدأ الكتابة عمل مذيعا في الراديو. وبعد خدمته العسكرية في الوحدة 8200، واصل جروسمان عمله الإذاعي ودرس في الجامعة العبرية فلسفة ومسرحا. نشرت قصصه الأولى في دورية "سيمان كريئاه"، وفي 1979، بعد انتهاء دراسته وقبل أن ينشر مجموعته القصصية الأولى "يجري"، حاز جائزة نويمان على قصته "ياني على الجبل". أما قصته "حمير" فلقد فازت بجائزة هاري الأول عام 1980.

بدأ جروسمان في تقديم نفسه كأديب في الثمانينيات. روايته الأولى "ابتسامة الجدي" تحكي عن الحياة في الضفة الغربية تحت السلطة الإسرائيلية. تحول الكتاب إلى فيلم من إخراج شمعون دوتان. في عام 1984 حاز جروسمان جائزة رئيس الوزراء للإبداع.

واحد من أهم كتبه هو "الزمن الأصفر"، والذي جمع فيه تقاريره عن الضفة الغربية المكتوبة عام 1987 (قبل الانتفاضة الأولى بفترة بسيطة)، وكان قد كتب تلك المقالات بوصفه مراسلا صحفياً، حيث كتب أن "اللاجئين حجولوا أنفسهم إلى قرناء لأناس كانوا في الماضي، في مكان آخر، أناس لا يمسكون في أيديهم سوى بحرفة واحدة: القدرة على الانتظار." في إشارة إلى تشابه بين الهولوكست والوضع الفلسطيني في الأراضي المحتلة، وإلى التشابه بين الضحيتين.

حاز جروسمان جزءا كبيرا من شهرته لأسباب سياسية، أي لكونه يعرف في إسرائيل بأنه رجل سلام. مات ابنه أوري في الحرب التي أدارتها إسرائيل على لبنان عام 2006، قبل هذا بيومين كان هو، سويا مع عاموس عوز وأ.ب. يهوشواع، ينظمون مؤتمرا صحفيا يدعون فيه لعدم توسيع الحرب ولوقف إطلاق النار. بعد موت ابنه بشهرين، وفي الذكرى الحادية عشر لاغتيال رئيس الوزراء إسحق رابين وقف جروسمان في ميدان رابين وألقى خطابا شديد اللهجة ضد السياسة الإسرائيلية ودعا الطرفين، الفلسطيني والإسرائيلي، للعودة للمفاوضات. في نهاية عام 2007، حاز على جائزة أ.م.ت. التي قدمها لها رئيس الوزراء إيهود أولمرت، غير أن جروسمان رفض مصافحته لكونه هو من أدار الحرب التي قتل فيها ابنه.

يمكن النظر إلى إبداع جروسمان من زوايا سياسية متعددة، فيمكن النظر له باعتباره رجل سلام، كما يبدو ذلك في كتابه "الزمن الأصفر"، أو باعتباره شخصا يكرس لمفهوم الضحية اليهودية الدائمة التي عانت من الهولوكست سابقا ولازالت تعاني من العمليات الانتحارية حاليا، كما يبدو من المقطع المترجم هنا من روايته "امرأة هاربة من البشارة"، وهي آخر رواياته الصادرة عام 2008، وكما يبدو من مقطع الفيديو الوارد هنا، وهو ما دفع الشاعر إسحق لاؤور يوما لاعتباره "كاتبا يكتب على زجزاج".


امرأة هاربة من البشارة

ويوما ما، قبل حوالي سنة، طلبت من السكرتيرة بالعيادة التي كانت تعمل بها، أن تلغي طابور المرضى القادم، مرت بيوم صعب، لم تغمض عينيها طول الليل تقريبا، وعندئذ بدأت المواضيع في البيت، دمدمت واستمع لها إفرام، متوتر قليلا، شيء ما في صوتها، وفكرت هي في القفز لشراء شيء من عيمك رفائيم، وشاح أو نظارة شمس، لكي تنقذ روحها. سارت في شارع يافا، في طريقها للجراج الي تركن فيه سيارتها يوميا. لم يكن الشارع على عادته، صمت من نوع مختلف كان يسوده، الهدوء جعلها تحس بعدم هدوء، رغبت فجأة في الدوران والعودة للعيادة، ولكنها واصلت السير، ولاحظت أن الناس في الشارع يخطون بسرعة وتقريبا لا ينظر الواحد منهم في عين الآخر، وبعد لحظة حتى هي سارت هكذا، تجنت الوجوه الناظرة إلى أسفل وتهربت من أعين هؤلاء الذين يسيرون أمامها، وبرغم هذا فلقد صوبت باتجاههم سرا نظرات سريعة، تمشط وتصنف، وبشكل خاص تفحص ما يحملونه في أيديهم، طرد أو ملف كبير، أو أنهم عصبيون بشكل مريب، وكلهم تقريبا يبدون لها مريبين بشكل ما، وفكرت في أنها ربما قد تبدو هكذا في أعينهم حتى، وربما كانت تحتاج أن تومئ لهم بأنه ليس من خطر هناك، وأنه فيما يتصل بها فيمكنهم أن يكونوا هادئين وأن يوفروا على ِأنفسهم ضربات القلب، ومن ناحية أخرى، ربما يكون من الأفضل ألا تسلمهم هنا بسهولة معلومة كتلك.

وشدت كتفيها وأرغمت نفسها على الانتصاب، لتوجيه نظرة إلى العابرين أمامها. عنددما تطلعت إليهم هكذا، رأت أن كل واحد منهم تقريبا يحمل ملمحا يشير إلى إمكانية غامضة متضمنة فيه، إمكانية أن يكون قاتلا أو ضحية، وبشكل عام الاحتمالان سويا أيضاً.

متى تمكنت من دراسة هذه الحركات والنظرات؟ مدى النظرات الإيقاعية، العصبية، إلى ما بعد الكتف، والخطوات التي تبدو وكأنها تقتفي أثرها بعجلة وتقرر لنفسها. أمور جديدة عرفتها عن نفسها، مثل أعراض المرض الذي ينمو بداخلها. خيل إليها أنه حتى الآخرين، الذين يسيرون في المحيط، كلهم، حتى الأطفال، يتقافزون على صوت صفارة لا تستطيع إلا أجسادهم سماعها بينما هم أنفسهم أصماء تجاهها. بدأت في السير بسرعة أكبر، نفسها قصير. فكرت، كيف يخرجون من هذا، كيف يهربون من هنا، وعندما رأت أمامها محطة أوتوبيس توقفت للحظة وجلست على أحد المقاعد البلاستيكية، لسنوات لم تجلس في محطة أوتوبيس، وحتى في هذه الجلسة على البلاستيك الأصفر الناعم كان يكمن اعتراف بهزيمة ما. شدت طولها وببطء عاد لها نفسها. بعد لحظة سوف تقوم وتواصل السير. تذكرت أنه في الفترة الأولى من العمليات الانتحارية ذهب إيلان مرة مع عوفار- آدام كان لا يزال في الجيش – لفحص الطرق الآمنة من مدرسته بوسط المدينة إلى محطة الأوتوبيس لعين كيريم. ولكن طريقاً واحداً كان يمر قريبا من المكان الذي فجر فيه مخرب ما نفسه بخط 18، مع عشرة ركاب سويا، وعندما اقترح إيلان أن يسير عوفار في شارع بن يهودا المنحدر، ذكره عوفار بالانفجار الثلاثي الذي حدث في الشارع المنحدر، والذي قتل فيه خمسة، وجرح مئة وعشرون، وحاول إيلان رسم طريق أطول قليلا، يحيط من الخلف وينتهي قريباً من سوق محانيه يهودا، وأشار عوفار إلى أنه بالتحديد فلقد حدثت هناك العملية الانتحارية المزدوجة، 15 قتيلا و17 جريحا، وأصلا، أضاف، فكل الأوتوبيسات من المدينة باتجاه عين كيريم، تمر بالمحطة الرئيسية، والذي حدثت بجانبها أيضا عملية انتحارية، في خط 18 مرة أخرى، 25 قتيلا وثلاثة قتلى.

وهكذا جرى كلاهما من شارع إلى شارع، تحكي لأفرام، وبينما كانت تحكي كانت تغرق في فكرة أن عوفار قد يكون يحتفظ في مكان ما بدفتر كوهينور داكن يسجل فيه أسماء القتلى والجرحى. والشوارع والأزقة التي لم تحدث بها عمليات بعد بدت لإيلان مستهدفة وهشة للغاية، حتى أن هذا لدهشته بدا واضحا قبل أن يحدث فيها أي شيء. وفي النهاية، يائسا، توقف في منتصف شارع ما، ولفظ، هل تعرف ماذا، يا عوفريكو؟ ببساطة سوف تسير بأقصى قدر من السرعة. ستجري حتى.

والنظرة التي صوبها عوفار باتجاهه – كما حكى بعدها لأورا – هذه النظرة لن ينساها.

وبينما هي تفكر بهذه الطريقة توقف أوتوبيس في المحطة، وعندما انفتح الباب قامت أورا بأدب ودخلت، عندئذ أدركت أنها لا تعرف كم يبلغ ثمن أجرة الأوتوبيس، ولا بأي خط هي تركب هنا. أخرجت للسائق بتردد ورقة بخمسين، ونهرها طالبا منها أن تعطيه نقودا أقل، نبشت في المحفظة ولم تجد، ولفظ هو مسبة وأخرج لها فكة تتكون كلها من عملات، واستعجلها طالبا منها أن تتقدم إلى الداخل. وقفت ونظرت إلى الركاب، أغلبهم كبار السن منهكو الوجوه، كئيبون، بعضهم على ما يبدو عائد من السوق، سلال ممتلئة مرتكنة بين أرجلهم. كان هناك أيضا تلاميذ الصف الثانوي، هادئين بشكل غريب، نظرت أورا إلى هؤلاء وهؤلاء بذهول وبإشفاق خفي، ورغبت في الدوران والنزول، أنا أصلا لم أكن أنوي الركوب في الأوتوبيس، قالت لأفرام، ولكن واحدة ما صعدت خلفها دفعتها داخلا، دفعتها بيديها، وخطت أورا عدة خطوات أخرى ووقفت، ولأنه لم تكن هناك مقاعد خالية، فلقد قبضت على الأنشوطة العليا، وسندت خدها على ذراعها، ونظرت إلى المدينة التي لاحت من خلال النافذة، وفكرت، ماذا أفعل هنا؟ أنا لا يجب أن أكون هنا. الأوتوبيس انتقل بين المحال المكدسة لشارع يافا، ومر على مطعم سبارو، وبعد ها على ميدان صهيون، والذي انفجرت فيه عام 1975 ثلاجة مفخخة، وبين الكثيرين القتلى كان هناك شاب عرفته في الجيش، إيتشه، ابن الرسام نفتالي بيزيم، وتساءلت أورا إن كان بيزيم قد نجح في الرسم بعد موته ابنه، وفي المحطة المجاورة لجمعية الشباب المسيجي، تم إخلاء عدة أماكن، جلست وقالت لنفسها، في المحطة القادمة سأنزل، وواصلت الركوب مارة على حديقة الجرس، وفي عيمك رفائيم، وعندما مر الأوتوبيس بجانب كافيه هيليل، قالت بنصف صوت، الآن سأنزل وأذهب لشرب القهوة، وواصلت الركوب.

أدهشها كم الهدوء الذي حل بالركاب. أغلبهم ينظرون من الشباك مثلها، كأنهم لا يجرؤون على النظر إلى زملائهم الركاب. وفي كل مرة يتوقف فيها الأوتوبيس في المحطة، كان الجميع يشدون طولهم قليلا ويغرزون نظراتهم في الداخلين، والداخلون أيضا كان يفحصونهم مضيقين أعينهم، كانت تلك نظرات متبادلة سريعة جدا، بسرعة حدقة العين، ولكن أي حرفة متطورة بشكل مذهل من التصنيف والفهرسة واستنتاج الاستنتاجات تتم هنا، وشدت أورا بيديها جلد وجهها وجبهتها، وفكرت مرة أخرى أن عليها النزول والقبض على تاكسي والعودة إلى سيارتها، وواصلت الركوب مرورا على القطمون ووادي ملحا، حتى وصل الأوتوبيس للمحطة الأخيرة، ونظر السائق إليها من خلال المرآة ونادى، مدام، نهاية الخط، وتساءلت أورا إن كان ثمة أوتوبيس يعود إلى المدينة. هاهو هناك، وأشار السائق إلى أوتوبيس خط 18، اجري فقط، لأنه حالا سيتحرك، وسأشير له أنا حتى ينتظرك.

دخلت الأوتوبيس، والذي كان خاويا تماما، وللحظة انكسرت على نظرتها صور ممزقة، منفجرة ونازفة. وتساءلت محتارة عن المكان الأكثر أمانا للجلوس، ولولا خجلها لسألت السائق. حاولت تذكر التقارير الكثيرة التي سمعتها عن العمليات في الأوتوبيس، ولم تنجح في الحكم إن كانت كلها قد حدثت في نفس اللحظة التي صعد فيها المخرب إلى الأوتوبيس، حيث وقع الانفجار بالطبع في الجزء الأمامي، أم أن المخرب دخل، وعندما أصبح بالضبط في مركز الأوتوبيس، محاطا بأغلبية الركاب، صاح الله أكبر وضغط على الزر. وقررت الجلوس في الكنبة الخلفية، ونفضت عن نفسها فكرة أن شظايا المادة المتفجرة وكرات المعدن سوف تتوقف وتنكبح بشكل ما قبل أن تصل إليها. ولكن بعد لحظة شعرت بوحدة بالغة ومتطرفة، وانتقلت للجلوس في المقعد الذي خلفها، وتسائلت إذا كانت الحركة التافهة لم تحدد بعد لحظات مصيرها، والتقت بالعينين المتفحصتين للسائق في المرآة. وفجأة خطر على بالي، قالت لأفرام، أنه يمكن له أن يفكر في أنني أنا نفسي الانتحارية.

بعد ساعة من الركوب أصبحت مستنزفة، وخافت من التخلي عن يقظتها، أغلقت عينيها وحاربت بكل قواها حتى تسند رأسها على زجاج النافذة وتخطف لحظات نوم خفيف. في الأيام الأخيرة شعرت كأنها طفلة تكتشف، وهو ما ليس في صالحها وبسرعة متزايدة، أسرار الكبار: قبل هذا بأسبوع حكت له أنها جلست في النهار بكافيه "مومنت"، والمكان ليس ممتلئا وليس فارغا، ودخلت امرأة سمينة وقصيرة، تلبس معطفا ثقيلا، احتفظت على كتفها برضيع مغطى ببطانية. كانت امرأة غير شابة، كأنها تبلغ خمسة وأربعين عاما، وقد يكون هذا هو ما أثار الارتياب، حيث فجأة تطايرت همسات في الجو: "هذا ليس رضيعا"، وفي رفة عين انقلب المكان، قفز أناس، قلبوا الكراسي في ركضهم، أوقعوا الصحون والأكواب، صارعوا آخرين في طريقهم إلى الخروج. المرأة ذات المعطف نظرت إلى الجلبة بدهشة، وبدا أنها لم تفهم أبدا أن كل هذه العاصفة حدثت بسببها. بعدها جلست بجانب إحدى الطاولات ووضعت الرضيع على ركبتيها. لم تكن أورا مستعدة للتحرك عن مكانها، وتابعتها منومة مغناطيسياً. المرأة فتحت البطانية، حلت أزرار معطف صغير ومغلق، وابتسمت إلى الوجوه السمينة النعسانة التي تطلعت هناك، وقالت، آه يا قطقوطي.

في اليوم التالي ظهرا، تحكي أورا – في الطريق الذي يصل إلى برج ريش لاكيش يسيرون، يطأون أثار أقدام الحكماء اليهود القدامى، واليوم حار ومضيء. الطريق منبسط هنا ويتدفق بهدوء بين أشجار الخروب والبلوط والأبقار المتدفقة، في اليوم التالي ظهرا عادت وطلبت من السكرتيرة بالعيادة أن تلغي العملية القريب، وخرجت إلى محطة خط 18، وركبت حتى المحطة الأخيرة له، ولأنه لم يكن وراءها شيء بعد الظهر، ولم تكن ترغب في البقاء بالبيت وحدها، فلقد واصلت الركوب من هناك عائدة إلى المحطة الأولى للخط، على أطراف حي كريات يوفل، وهناك غيرت الأوتوبيس وعادت معه لوسط المدينة، ونزلت وتمشت قليلا، تطلعت في الفتارين، وإلى انعكاس الشارع من خلف ظهرها، فحصت الناس الذين كانوا يمرون هناك، فرضت على نفسها الحركة ببطء.

حتى قبل العملية الأول لها في العيادة، وجدت خط 18 في المحطة المركزية للقدس، وهذه المرة جلست في الجزء الأمامي من الأوتوبيس، وكل ثلاث أو أربع محطات كانت تنزل وتغير الأوتوبيس، وأحيانا أيضا كانت تقطع الشارع وتغير اتجاه السير، وكل مرة كانت تحاول الجلوس في مكان آخر، كأنما جسدها كان جسما في لعبة شطرنج متخيلة. عندما أدركت أنها قد تأخرت على العملية الثالثة، صدمت للحظة وفكرت في زوج مديري العيادة الذين سوف يستدعيانها لتقديم تفسير، وأجلت التفكير عنهما إلى وقت آخر، عندما تكون لديها القوة. متعبة لهذا الحد كانت في تلك الأيام، بحيث كانت إذا جلست، تدع رأسها تميل، وتنعس، ولدقائق طويلة أحيانا. خلال نصف ساعة كانت ترفع من حين لآخر جفنيها وتشاهد الناس من خلال الأوتوبيس كأنما من خلال شاشة دقيقة. أصوات تخللت نومها، أحاديث بين غرباء ومحادثات تليفونية أجراها الركاب. إذا لم يصعد شخص إلى الأوتوبيس، كان ثم ارتياح يسود الأوتوبيس فوراً، وكان الركاب يتوجهون إلى بعضهم البعض بالكلام. عجوز جلس بجانبها في إحدى الركوبات، ثقيل الجسد، مغطى بنياشين الجيش الأحمر، أخرج من سلة المشتريات الخاصة به ظرفا بنيا كبيرا وفيه صورة رنتجتن لزوجته، وأراها لها بإصبعه الإبهام. من خلف الصورة رأت أورا بشكل مضبب شرطيتين إثيوبيتين من حرس الحدود، تفحصان هوية شاب صغير، ربما يكون عربيا وربما لا. كان يرفس الرصيف برجله بلا انقطاع.

يقفون، يتنفسون قليلا، يضعون أيديهم على خصورهم، ماذا حدث لنا حتى بدأنا نركض هكذا، يسأل كل منهم الآخر بنظراته. ولكن شيئا ما يطعن كعوبهم، يخدر أنفاسهم، وهم فقط يصوبون نظراتهم إلى وادي نطوفة الجميل، ويعودون للمسير بسرعة في طريق الماعز، في غابة السنديات والبلطو وأشجار البتولا. أورا صامتة. وجهها إلى الطريق. أفرام يصوب لها نظرات حذرة، فمها مغلق وضيق من خطوة لأخرى. انظر، تهمس، وتشير: على الطريق، عند أقدامهم، مرسوم فجأة خطوط ثرية ومكدسة، نبش متواصل ومتدفق من جميع الأنحاء، حتى يتم تجميعه في عنقود حلزوني على فرع من الأكمة.

في الأسبوع التالي، كان السائقون قد ميزوا وجهها، ولكن لأنه لم يكن بها ما يثير الارتياب، فلقد أسرعوا بإزاحتها عن وعيتهم، كي يستطيعوا التركيز على المهم. هي نفسها بدأت في تمييز عدد من الركاب الثابتين، أصبحت تعرف أين سيصعدون وأين سيهبطون. إذا كانوا يتحدثون في التليفون، أو مع جيرانهم بالأريكة، عرفت أشياء أيضا عن أمراضهم وأسرهم، وارائهم بخصوص الحكومة. زوج من العجائز جذب انتباهها: الرجل طويل ونحيف، المرأة ضئيلة جدا، جلدها متغضن وشفاف تقريباً. عندما كانت تجلس، لم تكن ساقاها تصلان إلى أرضية الأوتوبيس وكانتا تتأرجحان في الهواء. المرأة تسعل بلا انقطاع، سعلات قاسية ومشبعة بالبلغم، وكان الرجل يتناول من يدها المنديل الورقي المستعمل وينظر بقلق إلى محتواه، ويستبدله بآخر جديد. كانت أورا تنتبه قليلا في كل مرة يصعد فيها هذان الاثنان، في المحطة المجاورة للسوق، وهما أيضا، مثلها، كانا يستمران حتى المحطة النهائية، ولدهشتها كانا ينتقلان معها، دائما تقريباـ لأوتوبيس آخر أيضاً، ويهبطان في المحطة التي صعدا فيها، من الجانب الآخر للطريق. لم تستطع تفسير خط مسيرهما.