Friday, 17 September 2010

دعاء النجاح في تشغيل الكمبيوتر

براخاه سري

ترجمة: نائل الطوخي

دعاء النجاح في تشغيل الكمبيوتر


افتح لنا أبواب البركة

أبواب النجاح وأبواب السعادة.

بفضل أحفادنا الصغار

وفضل الأنسال

وكل أرواح القديسات

القادمة في الطريق إلينا

افتح لنا أبواب المعرفة

والأسوار والألغاز المستعصية.

من كل العوالم.

لتنفتح أمامي، لتنفتح

أبواب windows xp

وأبواب المجموعات

باسم المستخدم

واللغة السرية.

لتصعد وتأتي

لتُفتح وتُقرأ

أمامك وأمام أعيننا

مجموعة جميلة أُرسلت لنا.

لتعلو أمامك ذاكرتنا

وذاكرة كمبيوترنا تُرى

وتُرغب في أعين كل من يراسلوننا.

أنقِذْنا من أي كمبيوتر أبكم

ضال وصغير

ومؤذ

لا نأكل ثماره

لا في هذا العالم

وفي العالم الآخر لا حظ له.



مباركٌ لأنه خلقني كما يرغب

وعلى صورته

ولم يخلقني مربعة كالكمبيوتر.

مباركٌ لأنه خلقني إنسانة

وليس جمادا مجسداً.

مباركٌ لأنه وهب العقل

وهو أعظم من كل ذكاء الكمبيوتر

بلا قياس وبلا مقارنة.

طوبى لنا لأننا حصلنا على البرمجيات

مهندس العالم ألحق بنا مفاتيح وخيوطاً

لفتح القلب

والمخ

مع وصلة تصل بالروح.

مباركٌ لأنه جعلني حرة

لكي أقرر وأختار

بين الظلمة والنور.

وأنقذنا اليوم

وكل يوم ونهار

من غريزة الشر

والفيروسات

وكل أنواع السيئات

وأنقذنا من الجار الشرير

من الأذى

وأي عطل وضرر.



مبارك من جعل الأعمى يبصر

فنرى كل الحروف

والنقاط

ونتذكر أسرار الأزرار

ونميز بين اليسار واليمين

بالفأرة السوداء

الصغيرة المختونة

وفي لوحة المفاتيح الجميلة

لا تخطئ أصابعنا

ولا نخلط بين الحروف

ولا نقيم أوثاناً

من الاثنين وعشرين حرفاً.

مبارك من يميز بين المقدس والدنيوي

فنميز بين السمعة الطيبة

وبين غواية العجل الذهبي

والخبائث.



رجاء قم بإيصال كمبيوتري

على طوله، بكهربائك مباشرة.

حافظ على عيوننا

وعلى رؤيتنا

ألا تتشوش

بومضات ووثبات

تفاهة العالم والمتشائمين.



مباركٌ لأنه اختارنا من دون الشعوب

ومنحنا توراتنا.

من أعطانا عقلا

لصنع الكمبيوترات

ولتوسعة قنوات الاتصالات

ليصلنا به

لنبث رغبته

لأنفسنا، ولنعلم إخوتنا

ونكون نوراً للأغيار

بكل اللغات والقنوات الإعلامية.



كما أن الأجهزة والأمواج الهائجة

أبعدتنا عن قلبنا

لتكن رغبتك أن تقربنا نفس الأجهزة

من جذور روحنا

ومن رسالتنا.

والمسيح ابن داود طلمون

يشحن ويبرمج كمبيوتراتنا

ويمنح الندى والمطر في وقته

وكل ما نحتاج.

وهكذا ينتظم حالنا

مع نعنع ويأجوجل مأجوجل وحتى ويكيبيدياهو.[1]



صلاة الإغلاق:

أشفقي علينا، والا،

كي لا ننسى أن نظل بشراً

وأن نعيش مع عائلة

وأصدقاء على شاكلتنا.

وفي حالة الحاجة

فلنستخدم كروتا صغيرة

في جيوبنا

ونكتب كتباً

بخط يدنا.

ليس علينا إنهاء المهمة

والكمبيوتر سوف نتذكره

عندما نذهب للنوم

ثم الإغلاق.

_____________________________________________________

شاعرة إسرائيلية من أصول يمنية. ولدت في صنعاء لعائلة يهودية متدينية وهاجرت لإسرائيل في سن العاشرة. حصلت على الدكتوراه في اللغة العبرية واللغات السامية، من الجامعة العبرية بالقدس، وعلى جائزة رئيس الوزراء للأدباء العبريين.

كتابتها مضفرة بموتيفات سياسية تربط بين الموقف السياسي لليسار ولليهود الشرقيين. في كل نص من نصوصها تربط بين نصوص من التوراة تتحدث عن عالم المرأة بهدف إثارة الانتباه لوضع المرأة الشرقية التي لم تتخل عن التقاليد. تربط قصيدتها بين اليهودية والروحانية مع الاحتاج ومحاولة تعريف الذات. عملت بالنشر حيث أقامت دار نشر تخصها باسم "هاؤور هاجانوز"، بعد أن رفض شعرها عدد من دور النشر المركزية.

من كتبها: "بقرة حمراء، 1990، كيدوشين، 2000، صلوات ولحظات صمت، 2002، وابنة النبيذ، 2007". القصيدة منشورة في صحيفة يديعوت أحرونوت بنفس العنوان.



[1] تحول الشاعرة أسماء المواقع الإسرائيلية الشهيرة إلى أسماء توراتية. مثل جوجل الذي تحوله إلى "يأجوج ومأجوج." وويكبيديا إلى ويكيبيدياهو. والا اسم موقع عبري شهير.

Thursday, 9 September 2010

أخاف هذه الأنفاس المنتظمة

حتى الآخر

يوسي ساريد

ترجمة: نائل الطوخي

الألم يتحصن خلف متاريسه الأخيرة

يستجمع بقايا قوته

في حرب بهذا الطول

بلا منتصرين وهزومين.

أعلم أن معارك كبيرة

دارت على جسور هنا أو هناك.

قد يكون أي فراق مرير وجارح

في حقيقته لقاء في مكان آخر

بعيداً بعيداً في الجانب الآخر.

بعد البكاء سيضحى كل شيء أكثر وضوحاً

والانسحاب سيصبح آمناً وسريعاً.

لا أحد يريد أن يهزم ذكرياته

حتى آخرها.

أخاف

أخاف هذه الأنفاس المنتظمة

كل آلة مصيرها التوقف.

من يبكرون للقيام يجدون الليل قد مات في الحدائق

عندما تتشقق المضخات البعيدة فجأة.

أخاف هذا النبض المحكم

كمن يتحسس معركة تم تقرير مصيرها

سوف يدق الحَكَم بنبضة الهزيمة

بدون ادعاء.

أخاف من هذه الخطوات المحسوبة

أبداً لن أتمكن من إحاطة لحظات صمتي المحاصرة

والأسوار لن تسقط.

البحر عجوز اليوم

البحر عجوز اليوم

هديره.. شائب

ولكن عاصف ومبتهج

مثل مدرس عقيم مع طائفة تلاميذه

في عطلة صيفية

البحر يلعب اليوم بصدفاته

وأسرار ماكرة يهمس بها للقواقع

يقرص خدي السحاب الغزير في الأفق الحار

ويمرر كفه الثقيلة والمرتعشة

على خصلات الرمال

الشمس تتفتت في عينيه إلى ألاف

من بقايا الفتات

وينثرها هو

مثل عجوز وحيد

على السحب البيضاء

شقائق النعمان – يقول اليونانيون

هي الصبا المحكوم بالموت.

البحر فضي السوالف

يمكن، أن يكون هو الشيب

الذي لن يحيا أبداً.

طول اليوم يتكدس السحاب

طول اليوم يتكدس السحاب

إلى أن سال دم الغروب عليه

وليس من صوت للمطر

وليس من يرد.

جدران البستان الواطئة غطت

وجوهها

بغيمة من غبار رمادي ومنثور

الأشجار المتساقطة أوراقها أطارت على

أجنحة الريح

صفحات رسالة أخيرة

عن ربيع كبير ومخيب للآمال

محراث مهمَل في الحقل

راكع على كتل التراب

صارخاً يلد

أحجاراً صامتة

وأشواكاً حزينة.

فلاح متعب حمّل مرة ثانية على ظهره

الواسع

الشمس الثقيلة والغاربة

ووصل بيته

وجمع أغنام آماله المكبوسة

في طست جاف.

قبل

قال: "مثل انسحاق هذه السيجارة في يدي

سآتي"...

ثم قال: "كذوبان هذه الشمس قبالنا

سوف أصل"...

وفي النهاية قال: "كانطفاء هذه المصابيح من بعيد

سوف أكون موجوداً"...

ولم يصل

لم يصل

لم يكن موجوداً.

لأن الرماد أخذ يشوّكه هناك في داخله

قبل خروجه

_________________________________

يوسي ساريد شاعر وكاتب مقالات وواحد من أبرز السياسيين الإسرائيين. ولد عام 1940 باسم يوسف شنايدر. غير أبوه اسم العائلة إلى "ساريد"، والتي تعني في العبرية "المتبقي"، بعد ظنه أن جميع أفراد عائلته توفوا في الهولوكست.

في عام 1984 انضم ساريد إلى حزب راتس بقيادة شولاميت آلوني، حيث كانت له الكثير من الآراء اليمينية هناك، مثل وقوفه موقفا معارضا من رفض الخدمة العسكرية، ومعارضته لإدراج تقسيم القدس في الجدول والدعوة لتفكيك السلاح النووي. على مدار الدورة الثانية عشر للكنيست وبفضل علاقته القوية برئيس حزب مبام، ورئيس حزب شينوي، استطاع إقامة حزب ميرتس، وهو حزب معدود في إطار "اليسار" إسرائيلي. وخسر الحزب خسارة فادحة في انتخابات الكنيست عام 2003 وهو ما دفع ساريد للاتحاد مع حركة شَحَر لإقامة حزب جديد باسم "يَحَد"، وفي عام 2005 أعلن عن اعتزاله الحياة السياسية.

من كتبه: "لقاء في مكان آخر"، 1961، "هذا هو تحليلي، 2004، "هكذا تجمعنا"، 2008، "قصائد ما بعد"، 2010.

في العامين 2007-2009 تم تعيينه رئيسا للجنة تحكيم جائزة "سبير"، وعلى إثر منح الجائزة لرواية "بيت دجاني" للكاتب آلون حيلو، تم اتهامه بمجاملة الرواية، الصادرة عن نفس دار النشر التي صدرت فيها أغلب كتبه، دار يديعوت سفاريم، بالإضافة إلى أنه يعد عمّ محررة الكتاب، رنا فربين، وهو ما تولدت عنه أزمة الرواية، التي أثارت عاصفة كبيرة داخل إسرائيل.

يذكر أنه قد تم تعيينه وزيرا للتعليم في حكومة إيهود باراك. وأعلن في مارس 2000 عن نيته تدريس قصائد محمود درويش في المناهج التعليمية، وهو ما أثار عاصفة بين أعضاء الكنيست.



Friday, 3 September 2010

على إيري


على إيري

دان بن آموتس

ترجمة: نائل الطوخي

أي حظ حسن كان في ذهابي للجيش مع نيرا. لا أعتقد أنني كنت سأصمد في فترة مركز التدريب بدونها، بدون أن أعرف أنها تنام من أجلي، أنها موجودة من أجلي، في مكان ما، بدون وجهها في البطانية العسكرية، بدون رائحة جسمها في كيس النوم (نامت فيه مرة واحدة، في نهاية الأمر)، بدون همساتها في منتصف الليل، في خيمة الاستطلاع بالميدان. كانت تؤيد الجيش، وأنا كنت أؤيد ما كانت تؤيده. إذا لم يكن مهما لي لهذه الدرجة أن تتباهى بي، كنت سأنكسر منذ زمن طويل.

عندما عرضتُ عليها أن تسكن معي وتحافظ لي على الغرفة، وافقتْ بسعادة، بل ومنحتني قبلة على جبيني، على حساب إيجار الشقة. هي ليست واثقة، قالت، أنها ستنام كل ليلة في غرفتي. أبواها سيصابان بالشلل ، بالإضافة إلى الأزمات التي تسببها لهما. ولكن أحياناً، بدلا من أن تنام عند صديق – رائع، بالطبع – ستكون لها غرفة في المدينة. وسوف تأتي لسماع التسجيلات والقراءة والاستحمام على السطح. قلت لها أنها إذا استصدرت رخصة فيمكنها استخدام الدراجة البخارية "هو يشاركها في أغلى ما لديه، يشاركها!" تقول لجمهورها الخفي. "هذا الإنسان فقد صوابه"!

مؤكد أنني كنت سأنكسر في الجيش بدونها، كنت سألقي على مسامعهم المواد القانونية وأنا مازلت في المرحلة الأولى. مثل ميكي وشمعون وإكس وشاؤوليك "اتركني"! كنت سأذهب مثلهم إلى سجن رقم ستة، طائشاً، أجلس في الحبس وأهدد بالانتحار حتى يرسلني الطبيب النفسي إلى بيتي على مادة 24. "غير لائق نفسيا"، "غير مناسب للإطار العسكري"، لا يهم السبب – المهم أن أترك الجيش. أن أهرب من الإذلال اليومي في الدوريات، طنين الرقيب أول، الجولات حول المعسكر والإساءة التي لا تنتهي لأولاد الناس.

كان لدينا طفل من نتانيا بنظارة، موسيقي موهوب، لم يرغب بأي شكل في الذهاب لأوركسترا الجيش الإسرائيلي أو لإحدى الفرق العسكرية. يعزف على جيتار كهربائي، بيانو، ساكسفون، كل شيء، جاز، كلاسيك – ما تريده. نحيف، ضعيف، بطابع الدبابة. كم حاولوا مضايقته، ولم ينفع هذا. اخترع كلمة "مضايقويا"[1] لإساءات الرقيب أول ، وعندما تمر هذه العاهرة في القاعدة كنا نغني له "مضايقويا" لشوبرت بأربع أصوات، وبقيادة جو. اسمه كان فرانكل يوسف، ولكن الجميع يطلقون عليه اسم جو. كم هو صغير، وكبير أيضاً. كان واحدا من المحاربين الأكثر جدية في قسمنا، وبعد كورس قيادة سلاح البر تحول، في جولات على طول الجدار، إلى خبير ألغام. كنا نحتل موقعاً على بعد مئتي متر، وكان جو يجلس بارتياح على الطريق الترابي ويفكك بهدوء الألغام الأكثر تفخيخاً. كان "يعزف" على كمية كبيرة جدا من الألغام، حتى خطفوه منا وأرسله إلى كورس ضباط مكافحة التخريب.

أغلب الوقت كنت أشعر كأنني كلب يبولون عليه

فترة مركز التدريب كانت شرخاً رهيباً. الفترة الأكثر حقارة في الجيش. أغلب الوقت كنت أشعر كأنني كلب يبولون عليه ولا يدعونه يدخل البيت. كلب، يركله كل من يمر أمامه، يلقيه بالحجارة ويسكب عليه الماء، ومع هذا يتوقعون منه المحافظة على البيت وإخافة اللصوص.

كتبت الكثير من الخطابات في هذه الفترة. إلى نيرا، إلى فيرِه، وحتى لبوجل العجوز. حاولت التشبث بأظافري بالعالم الآخر الموجود خارج القاعدة. وكتبت للجميع أن كل شيء على ما يرام، أن الوضع بالنسبة لي جميل في الجيش، أننا صامدون، وإلخ. فقط لنيرا كتبت عن السماء المضببة، عن ضغوط قبل المساء، عن الوحدة الرهيبة في كتيبة تضم مليون وحيداً وعن الشوق المجنون إليها في خيمة صيادين على السطح. ولكن ما الذي استطعت كتابته لها؟ "تعالَ هنا يا عسكري! زرر القميص، اعدل القبعة، اربط رباط الحذاء، رتب السرير من جديد، إذهب لتمليط الأحجار، يا حقير! والآن قم بتمليط الأشجار، الأعمدة، حرك مؤخرتك، يا قذر، أو سأمزقك!" والجميع نفس الشيء، أي رتبة تسوى أو لا تسوى، من قائد سلاح البر وحتى الرقيب أول، يبحثون عن فرصة للإهانة، للإذلال والاحتقار وتدمير هؤلاء المساكين كي يتعلموا الانضباط ويتحولوا إلى جسد واحد يقوم سويا بـ"للخلف در"، و"للأمام سر" مثل ماكينة مشحمة. بالتأكيد لم أستطع أن أكتب لهم هذه الأشياء. بأسنان تصر وقبضتين مضمومتين قررت الصمود واجتياز الجحيم، ببساطة كي لا أعاقب بالحجز في المعسكر بينما الجميع يسافرون لبيوتهم، لرؤية نيرا.

أول شيء فعلته هو الطيران للغرفة، ولكن نيرا لم تكن هناك

يوم السبت الأول، أخذنا أجازة لـ"إعادة المعدات" – أول اتصال بالعالم الخارجي، لنودع الملابس المدنية، لكي نُري أنفسنا لأبائنا القلقين ويرتاحوا يوما واحدا من ضربة الميري. أول شيء فعلته أنني طرت للغرفة، ولكن نيرا لم تكن هناك. لم تكن في الغرفة، بل ولم تكن هناك في أي مكان. أية مفاجأة! لم أستطع تصديق عيني، كما يقولون. قامت بترتيب لوح خشبي طويل وقرميد ووضعت عليه كل الكتب والتسجيلات، غطت الحشايا على الأرض بغطاء مرقع من كل أنواع قطع القماش، لصقت البوسترات بطول الجدار أمام الباب. وعلى السقف، بالتحديد فوق الحشية، لصقت بوسترا عملاقا لغابة من الأشجار تتساقط أوراقها في خريف أحمر. على الحوض علقت مرآة بإطار قديم وبجانبها، على طاولة، رتبت شيئا ما يشبه المطبخ بأطباق وفناجين. في أحد الأركان نصبت كرسيين من القش بجانب "طاولة القهوة" من كرتونة خضروات مقلوبة، وفي ركن آخر كانت ثمة ثلاجة قديمة اشترتها، كما اتضح لي بعد ذلك، من "سوق الخنافس" بثمانين ليرة.

عندما فتحت الثلاجة جننت! الثلاجة كانت خاوية، ولكن على الحواجز والأرفف كانت ثمة أطعمة رائعة ومشروبات أجنبية ملصقة من قلب الجرائد، صور ملونة للحوم، الأجبان، الخضروات، الفاكهة، الأسماك بالأرز، سباجتي بصلصة الطماطم، علب البيرة الهولندية، ويسكي، كوكا كولا، كل شيء، بهجة للأعين.

(...) لم أنم في الغرفة تلك الليلة، ببساطة لم أستطع. ذهبت لأبوي، وبهجة وسعادة! انظروا المظلي الخاص بنا. انظروا كيف اسمرّ لونه وقُص شعره مثل رجل – جندي فعلا! متعة أن يتطلعوا إليك، يا رافي. أنت متعَب بالتأكيد، خذ دشاً جيداً ونم لتسترح. أنت تبدو رائعاً. تعالَ أعطك قبلة، يا مظليّ.

كس أمممم كل شيء! علي الاعتراف أن البيت برغم كل شيء هو بيت.

***

موليك:

عندما زرت رافي في المستشفى بعد نحو ثلاثة أسابيع، سألته ماذا حدث. لم أستطع فهم لماذا قام هناك فجأة أمام المغارة. رافي كان جنديا من الطراز الأول. رجلاً صلباً لديه خبرة عسكرية. لم تكن هذه هي مطاردته الأولى. قال لي أنه لم يرغب فقط في إطلاق النار أمام المغارة، لأنه سمع أصوات أطفال في الداخل. وهذه طريقتهم، يختبأون من خلف النساء والأطفال. اندهشت من رافي. أنا غير معتاد على طريقته. كنا في فصل واحد من البداية، وأعلم أنه بعيد عن أن يكون نباتياً. تعامله مع العرب كان براجماتيا، لم تكن لديه أية مشاكل. على الأقل، في البداية. واضح أنه أكثر إنسانية مما بدا أمام الخارج. ولهذا فلقد أصيب.

***

الأب:

لا أندب سوء حظي. الثمن ثقيل للغاية، ولكن علينا تذكر أن الحرب لم تنته في يونيو 67. الحرب تتواصل، وينبغي التعود على فكرة أنها ستستمر لسنوات طويلة (...) عندما ذهب رافي للجيش، توقعت الأكثر سوءاً. عرفت أن الجميع يعودون من الحرب، وأن العائدين لا يعودون دائما سالمين. لا خيار. حُكم علينا بالحياة على حد السيف، وعلينا أن نكون قساة كالفولاذ. عندما تلقيت الخبر رأيت الموت قريباً من بيتنا. ولكن حمدا لله – رافي لا زال على قيد الحياة.

***

نيرا:

لم يتحدث معي أبدا عن إمكانية الإصابة، ولكنني واثقة أنه فكر في هذا. حتى أنا كنت أراه مصابا، يوميا بيوم، وأنا أقرأ الجريدة وأسمع الأخبار. رأيته بلا ساق، بلا يد، على كرسي متحرك. ولكن كان هذا دائما تفكير عارض، بعيد، وفجأة، عندما حدث هذا، كأنني كنت أفكر فيه للمرة الأولى. عندما أخبرني فيرِه، ذهبت مباشرة للمستشفى وبقيت بجانب السرير طول الليل والنهار. نظرته الأولى كانت نظرة معتذرة، مثل طفل فعل شيئا سيئاً ويريد القول أنه ليس خطأه. شفتاه كانتا يابستين جداً، ورطبتهما بقطن وماء. مرة واحدة وضعت شفتيّ على شفتيه، وأغلق عينيه.

***

مقاطع من كتاب "لا يضع إيره - לא שם זין (يمكن ترجمته بالتعبير العامي: على إيري) لدان بن آموتس صدر عام 1973. كانت المرة الأولى والأخيرة التي تظهر فيها كلمة "إير" في عنوان كتاب. المقاطع منشورة في صحيفة يديعوت أحرونوت. بعنوان "لم أكن سأصمد في مركز التدريب بدونها". الصور، الأولي لبن آموتس في شبابه، والثانية لغلاف روايته "لا يضع إيره"، والثالثة صورة له في شيخوخته.

_________________________________

ولد دان بن آموتس عام 1923 في بولندا باسم "موسيا تهيليمزوجار". وتم إرساله من قبل عائلته في إطار هجرة الشبيبة إلى قرية الشباب "بن شيمن" بفلسطين، وبفضل هذا نجا من الهولوكست. في بداية حياته غير اسمه إلى "موشيه شعوني"، ثم إلى "دان بن آموتس". في عام 1941 أبيدت عائلته في الهولوكست وبقى هو حياً.

في عام 1943، أي في ذروة الحرب العالمية الثانية، خدم في الأسطول البريطاني، في إطار مشاركة الاستيطان اليهودي بفلسطين في الجهد الحربي لصالح الحلفاء. ثم تم طرده من الأسطول بسبب مشاكل تتعلق بالانضباط، وانضم لكتائب البالماح الصهيونية، وبالتحديد الكتيبة البحرية للبالماح. وفيها قام بنشاط ثقافي كبير، حيث كتب القصائد ونظم العروض المسرحية سويا مع صديقيه، حاييم حيفر، وشايكه أوفير.

في حياته، عد بن آموتس واحدا من الأدباء المركزيين والأكثر تأثيراً في إسرائيل، رآه الكثيرون نموذجا للجندي الإسرائيلي، ابن البلد، الكامل. في حوار معها، روت المغنية حافا ألبرشتاين كيف كانت تسمع برنامجه "ثلاثة في مركب واحد" باعتباره نموذجا للهوية الإسرائيلية الكاملة، والتي كانت على النقيض التام من الحياة المنفوية البولندية التي كانت تعيش بها!

ولكن بعد موته غابت ذكراه إلى حد ما، اختفت كتبه من على أرفف المكتبات ولم يعد أحد يذكر اسمه بالسلب أو بالإيجاب، كما لم تعد رواياته تُقرأ أو تُدرس.

من كتبه

"حقيبة الأكاذيب، بالاشتراك مع حاييم حيفر، 1956، ما الأخبار، 1959، كيف نصنع ماذا، 1963، التذكر والنسيان، 1968، ما أجمل هذه الحرب، 1974، مرة أخرى كيف نصنع ماذا، 1982، وكتب أخرى.

توفى عام 1989.




[1] على وزن هللويا. في العبرية تتحول "להתעלל" إلى "עללויה".


Thursday, 26 August 2010

Pulp Fiction

غرائز، مجد، سفر الأمثال، يوم الكيبور، حبات الفلفل الحار، حاخامات واتهامات، كل هؤلاء يقومون بالبطولة في الدعوى التي تؤكد أن ريجن قد قامت بالسرقة الأدبية. القضية تكشف عن موضوع أهم، وهو البيئة التي تنتمي إليها الكاتبة المتهمة والكاتبات اللائي اتهمنها بالسرقة، وهي مجتمع اليهود المتدينين (الحريديم)، وضوابطه ونواهيه وتابوهاته الأدبية.


Pulp Fiction

شموئيل ميتلمان

ترجمة: نائل الطوخي

كان يمكن لقضية الدعوى المرفوعة ضد ناعومي ريجِن، والمتهمة بالسرقة الأدبية من قبل ثلاث كاتبات مختلفات، أن تتحول بسهولة لحبكة فيلم باسم "المحاكمة". غير أن هذا العنوان قد التقطه كافكا قبل مئة عام. هنا أيضا تقوم بالبطولة في الحبكة غرائز ملتهبة، غيرة، تهديدات، اتهامات واتهامات مضادة – بل وإن بعض الحاخامات المعروفين قد وجدوا أنفسهم متورطين. حتى وقت قريب كان الصراع محدودا بين ريجِن والكاتبات اللائي قمن برفع الدعوى عليها في المحكمة. ولكن من الآن، دخلت الشرطة أيضاً في الصورة.

اضطرت شرطة القدس للشروع في تحقيق للاشتباه في شبهة تهديدات، وعرقلة خطوات القضاء وتعطيل بهدف منع الإدلاء بالشهادة، بعد أن تقدمت كاتبتان من الثلاث كاتبات، وهما سارة شبيرو وسوزي روزنجرتن، بشكوى من وصول خطابي تهديد إليهما تم إرسالهما، وفق دعواهما، من قبل ريجِن. ادعت كل من الاثنتين أنها تلقت مظروفا مجهولا على صندوق بريدها، في القدس وفي بني باراك، تلوح منه، وفق زعمهما، رسالة تهديد بخصوص ما ينتظرهما بسبب الدعوى التي قاما برفعها. "نحن نشعر بالتهديد بسبب هذين الخطابين ونأمل أن تنجح الشرطة في تعقب أثر من أرسلهما." قالتا للمحققين.

تم تقديم الشكاوى لشرطة القدس في 24 يونيو من هذا العام. قالت كل من شبيرا وروزنجرتن أنها قد استلمت قبل أيام، مظروفا مجهولا وعليه طابع بريد، وبداخله منشورات وقصاصات جرائد تتحدث عن موت الأديب ريتشارد لي، والذي رفع دعوى منذ عدة سنوات على دان براون، مؤلف الكتاب العالمي الأعلى مبيعا "شفرة دافنشي"، متهما إياه بسرقة حقوق الملكية الفكرية. وفق كلام شبيرا وروزنجرتن، ففي النص الذي استلماه أحيط بعلامة حمراء السطر الذي يشير إلى التزام لي، والذي مات، بدفع نفقات المحاكمة البالغة حوالي ستة ملايين دولار بعد أن تم رفض دعواه. بحسب كلام الكاتبتين ففي هذه المادة المرفقة تكمن رسالة واضحة، بأنهما سيعانيان من نفس المصير الأسود الذي عاني منه المدعي في محاكمة دافنشي. قالتا للمحققين إنهما فهما كون الرسالتين تخبرهما بأنه من المفيد لهما التنازل عن الدعوى.

بالإضافة لهذا، قالتا، فقد تم إلحاق خبر آخر بالمظروفين، يحمل عنوان: "وضعا في فم الأطفال فلفلا حاراً – زوجان من مدينة "ييهود" متهمان بالتنكيل بأطفالهما الأربعة." في شكواها قالت شبيرو أن إرفاق هذا الخبر قد يعد مفتاحا لتعيين هوية مرسل الخطابين. في كتابها "أن أكبر مع أطفالي – يوميات امرأة يهودية"، ضمنت شبيرو مشهدا يحكي عن نصيحة من مستشارة تعليمية بأن تضع حب الفلفل في فم ابنها عندما يقول ألفاظا نابية. كتبت شبيرو في الكتاب أنها جربت هذه الطريقة مع أطفالها ولكنهم قاموا بإخفاء الفلفل.

قبلها بعدة أشهر، كما أشارت شبيرو، في إحدى الجلسات بالمحكمة الإقليمية بالقدس، أدلت ريجن بشهادتها قائلة، فيما يشبه اللمزة: "وبالمناسبة، رأيت في الأسبوع الماضي أن من يضع فلفلا على لسان الطفل، يدخل السجن. كان هذا أمرا مثيرا لاهتمامي جدا." وفي شهادة سابقة، بتاريخ 1 يونيو 2008، سُئلت ريجن عن صحة تماهيها مع التجارب التي قرأت عنها في كتاب شبيرو. فأجابت: "مع بعضها، فلا يمكن لتلك التجربة التي تضرب فيها أطفالها وتضع فيها فلفلا بداخل فم الطفل، أن تعلمنا شيئا ما."

ادعت شبيرو أن ريجن فقط، وهي التي اعترفت بأنها رأت الخبر عن سجن الأبوين، كان يمكنها القيام بهذا الربط بين ذلك المشهد في كتابها وبين مضمون الخبر المفلفل.

في حوار مع "معاريف" أنكرت ريجن أنها هددت الكاتبتين، ولكنها أكدت على فعل إرسال الخطابات. "صحيح، تم التحقيق معي في الشرطة ولكن هذا كان هراء"، كما قالت. "زوجي تقريباً كان هو من أرسل لهما مقالا من صحيفة أمريكية، يشير إلى أن من رفعوا دعوى على دان براون قد دفعا الكثير من المال بعد أن خسروا الدعوى. أرسلنا لهما هذا لأنني لا أعتمد على أن يحكي لهما محاميهما، جلعاد كورينالدي، عن هذا. أردنا أن يعرفا هذا. لم يكن خطابا، لأن زوجي لم يكتب فيه حرفا. لم يضف كلمة واحدة. لقد قام بفعل جميل معهما، كي يعرفا ما الذي ينتظرهما. زوجي أرسل لهما هذا، وماذا إذن."

وبخصوص موضوع الفلفل الحار قالت: "ليست لدي أدنى فكرة، لأنني لم أرسل لهما شيئاً. في الشرطة قلت الحقيقة وقاموا بإعادتي للبيت."

يضيف الخطابان المجهولان - سواء كانا خطابي تهديد أو تذكيراً بين الأصدقاء، على حسب ما نتحدث عنه –بالتأكيد فلفلا للقضية المستمرة، والتي تختلط فيها العداوات الشخصية، الغيرة الأدبية والصراع على المجد في الشارع الحريدي. ومثل النساء الثلاث اللائي رفعن عليها الدعوى، فإن ناعومي ريجن أيضا هي أديبة من أصل أمريكي تقيم حياتها وفق أسلوب حريدي. ذات مرة انكشفت المشاعر المستعرة في جلسة المحكمة، وبينما كان كل طرف يتهم الطرف الآخر بالكذب وتدبير المؤامرات القذرة والفهم المعيب للأدب. ادعت شبيرو وروزنجرتن أنه، مثلا، في إحدى الجلسات خرجت ريجن الغاضبة من قاعة المحكمة وانقضت عليهن، وهن جالسات على الأريكة في الممر، وقالت: "لا أسامحكن إلى أبد الآبدين، حتى في يوم الكيبور! سوف تضطررن لزيارة قبري لطلب الغفران. كي يحفظكن الرب من اللعنات التي أوجهها لكُنّ... أنتن متدينات؟ أنتن غير متدينات."

الحاخام أراد الخير

ولكن ريجن لم تكن الوحيدة التي تمسكت بقداسة يوم الكيبور لأجل الصراخ بعدالة موقفها. في حوار معها قبل عدة سنوات اعترفت شبيرو أنها اعتادت سابقا كل ليلة كيبور على ترك رسالة في الأنسر ماشين ببيت ريجن، تقول: "الآن ليلة يوم الكيبور، وأنا لا أغفر لك." وفق كلماتها، فلقد توقفت عن هذا عندما رأت أن ريجن لا ترد.

ريجن: "أي أديب هو اسفنجة. كل ما يقرأه، يسمعه، يتعلمه، كل حوار في الأوتوبيس، كل شخص التقاه، الأديب يستوعب كل هذه الأشياء بسعادة داخل الاسفنجة. هو ببساطة يضع كل شيء داخل البئر. وعندما يبدأ شخص في كتابة كتاب فهو يضع مغرفة الخيال بداخل البئر الذي يضم كل ما قرأه وسمعه، ويكتشف أشياء يناسبه أن يحكيها. بخصوص كتاب "ناشز" فلقد قرأت في البداية بصحيفة "معاريف" قصة عن امرأة في بني باراك، كانت لها قصة زنا مع جارها الحريدي، و اكتشفتها شرطة الأخلاق[1].... خيالي خلب بهذه القصة المنشورة على صفحتين بالجريدة، وعلى أساسها وُلد الكتاب الذي يضم حوالي 400 صفحة."

المحامي كورينالدي: "هل كتبت بالاستعانة بالبئر أم من المخزون المعرفي؟ هل كتبت وأنت تتخذين قراراً بأنه يوجد لديك مخزون معرفي في رأسك؟"

ريجن: "إنه بئر. البئر هو مخزون معرفي. هذا تعبير أدبي. كأديبة فلقد استلهمت من مخزوني المعرفي، من بئري، وحاولت فهم القصة التي أخذتها من "معاريف"، حاولت تفهم الشخصيات."

كورينالدي: "هل كتبت الفصول بالتسلسل"؟

ريجن: "لقد كتب الكتاب بالتسلسل من الفصل الأول وحتى النهاية. ولكن هذه كانت الصيغة الأولى. وبما أنك لست أديبا ولا تفهم شيئا في الأدب، فلقد أردت أن أشرح لك شيئا، كي تصبح بالفعل خبيرا كما تصف نفسك."

كورينالدي: "سيدة ريجن، أريد أن أضيف لك أنني أديب. فلقد نشرت كتابا مؤخرا، بل وفي دار النشر الخاصة بك، كنيرت-زمورهفيتان (الحديث هو عن كتاب "قضية إغلاق"، عن الصراع القضائي الذي أداره كورينالدي من أجل إنقاذ المعابد في مستوطنة جوش قطيف – ش.م) وأنا أعرف قليلا عن عملية الكتابة."

ريجن: "حسنا، ولكن هذا ليس أدبا بالتحديد، أن تكتب عن ملفك القضائي في المعابد."

كورينالدي: "أنا سعيد لسماع أنك تتابعين إصداراتي."

(من محاضر المحكمة)

ميخال تال كانت أول من رفع الدعوى. في عام 2007 ادعت أن ريجن نقلت موتيفات وأفكارا من كتابها " The Lion and the Cross " الذي نشرته في الولايات المتحدة، وربطتها برواية "في يديك أترك روحي". فيما بعد رفعت سارة شبيرو من جانبها دعوى تزعم فيها أن ريجن نقلت أجزاء كاملة من كتابها الأوتوبيوجرافي "أن أكبر مع أطفالي – يوميات امرأة يهودية" وضفرتها بكتابها "ناشز " والذي نشر في البداية بالولايات المتحدة وتمت ترجمته للعبرية تحت عنوان "وإلى زوجك يكون اشتياقك" وطالبتها بمليون شيكل. زعمت شبيرو أنها توجهت في البداية للمحكمة الدينية بالقدس والتي دعت الطرفين للنقاش. ولكن بعد أن رفضت ريجن التعاون مع هذه العملية، قررت التوجه للمحكمة الإقليمية.

قبل عدة أشهر رفعت أيضا سوزي (سينتيا) روزنجرتن، وتبلغ 78 عاما، وهي حريدية تعد من جماعة حسيدوت بوبوف في مدينة بني باراك، دعوى ضد ريجن بزعم أنها نقلت منها كتابها "وساطة من السماء"، والمنشور بالإنجليزية وقائم على الوساطة الحقيقية لابنها. وفق دعواها، فلقد طعّمت ريجن قصتها العائلية الخاصة بكتابها "الافتداء بتامار"، بدون إذن منها. روزنجرتن قالت أنها لم تقرر رفع دعوى مدنية إلا بعد أن سمعت عن دعوتي تال وشبيرو. طلبت من ريجن مليوني شيكل ونصف. الثلاث كاتبات قمن بتوكيل المحامي جلعاد كورينالدي، المختص بمواضيع حقوق المبدعين والملكية الثقافية.

ريجن هي واحدة من الكاتبات الأكثر نجاحا في سوق الكتب الإسرائيلي بل وفي السوق اليهودي خارج البلاد أيضاً. جميع الكتب الثلاثة المذكورة في الدعوى المرفوعة ضدها – "وإلى زوجك يكون اشتياقك"، "بيديك أترك روحي"، و"الافتداء بتامار" – هي من الأعلى مبيعاً. أنكرت ريجن جميع الاتهامات الموجهة ضدها وزعمت في السابق أنها مطاردة من قبل عناصر مختلفة في المجتمع الحريدي الذي يعارض كتبها. وقامت بتوكيل المحاميين تامار جليك ويارون حنين من مكتب ليفليك موزار (قبل أن يتم تقديم وثيقة دفاعية في دعوى روزنجرتن).

من بين الدعاوى الثلاث فتلك الخاصة بسارة شبيرو هي التي تقوم بالبطولة في الجلسات. الحديث فيها عما لا يقل عن 190 سطرا تم نقلهم، وفق المدعية، من كتابها. في تصريحات أدلت بها اعترفت ريجن أنها تعرف كتاب شبيرو بل وقرأته قبل أن تكتب "وإلى زوجك يكون اشتياقك" (ناشز).

تابت شبيرو في سن 22 عاما في بني باراك[2]. اللقاء الأول بينها وبين ريجن حدث في مناسبات لطيفة بشكل خاص. في 1990، بعد أن تم نشر كتابها الأوتوبيوجرافي "أن أكبر مع أطفالي"، أرسلت ريجن إلى شبيرو خطابا أغرقت فيه بالمديح الأديبة الشابة على ضوء تفتحها الفريد كأم حريدية، وشجعتها على مواصلة الكتابة. "أريد أن أضع في علمك إلى أي درجة استمتعت بها بكتابك وإلى أي درجة هو مكتوب جيدا"، كتبت ريجن، "أعتقد أنه لديك قدرة عملاقة على وصف الوضع وتقديمه بشكل حي. لديك أيضا حس جيد بالدعابة." بل واستضافت شبيرو في بيتها أيضاً.

تزعم ريجن اليوم أن خطاب المديح الذي أرسلته لشبيرو لم يكن بمبادرة منها، وإنما أرسلته بعد أن أعطاها الحاخام موشيه دمبيجل نسخة من "أن أكبر مع أطفالي" الصادر في دار النشر التي يديرها هو نفسه "ترجوم"، وطلب منها كمعروف شخصي أن تكون على صلة بشبيرو وأن تشجعها في كتابتها. في أعقاب طلبه، وبسبب الاحترام البالغ الذي كانت تكنه له، فعلت هذا، بل ودعتها لبيتها من أجل تشجيعها في كتابتها."

سواء هذا أو ذاك، فلقد سعدت شبيرو بالإطراء، ولكن بعد سنوات ذهلت لاكتشاف أن أجزاء من "أن أكبر مع أطفالي"، والذي لاقى إعجاب ريجن، قد شقت طريقها، كما تدعي، إلى "وإلى زوجك يكون اشتياقك."

في الكتاب، والقائم على حياتها، تحكي شبيرو عن امرأة يهودية تائبة من نيويورك، تتعايش مع الحلقة العائلية الكبيرة ومع المصاعب اليومية المرتبطة بإدارة عائلة كبيرة وبتعليم الأطفال. في مقابل هذا فكتاب "وإلى زوجك يكون اشتياقك"، هو رواية خيالية قائمة، وفق ريجن، على خبر تم نشره في معاريف – عن امرأة تقيم علاقة جنسية مع رجل متزوج، وعقابا لها يتم طردها على يد "الشرطة الأخلاقية" إلى الولايات المتحدة.

"ارتجفت عندما فتحت كتاب ريجن، ورأيت هناك كلماتي، وبشكل خاص أفكاري على لسان عدد من الشخصيات... حتى ذلك الحين لم أكن قد عانيت أبدا من السرقة الأدبية" كما قالت شبيرو في شهادتها. وفق كلماتها، فلقد نقلت ريجن أجزاء من حوارات أدارتها مع الحاخام وفيها كشفت عن مخاوفها من الدخول في تجربة حمل أخرى، بالإضافة إلى حوار آخر.

ريجن: "أي أديب هو اسفنجة. كل ما يقرأه، يسمعه، يتعلمه، كل حوار في الأوتوبيس، كل شخص التقاه، هو يستوعب كل هذه الأشياء داخل الاسفنجة. هو ببساطة يضع كل شيء داخل البئر. وعندما يبدأ شخص في كتابة كتاب فهو يضع، بالاستعانة بخادمته، مغرفة الخيال بداخل البئر الموجود." بعد أن قرأت الأجزاء في كتاب "وإلى زوجك يكون اشتياقك"، اتصلت شبيرو بريجن وطلبت منها محوها من كتابها. أنكرت ريجن أنها قامت بالنقل، وتوجهت لدار نشرها، وبعد الدراسة تم تجاهل طلب شبيرو. مرت عدة سنوات، وفقط بعد أن سمعت بالدعوى الأولى التي رفعتها ميخال تال، قررت شبيرو السير في نفس الطريق.

ترفض ريجن الاتهامات الموجهة ضدها. وتدعي أن الحديث هو عن "اختراعات ضالة، خيالات وخبائث"، تنبع من الغيرة، وتقول أن الاستخدامات التي قامت بها في كتابها هي قانونية تماماً. وفق دعواها، فحتى لو تواجدت هنا أو هناك موتيفات وجمل متشابهة، فإن الحديث ليس عن نسخ متعمد وأنه يحتمل أنها تأثرت بشكل غير واع من كتب ومصادر أخرى قرأتها – ومنها كتابات رافعة الدعوى.

مع هذا فريجن لم تنف إمكانية أن تكون "أصداء بعيدة" من كتاب شبيرو قد "تم نقشها في لا وعيي، وبدون تعمد، وشكلت إلهاماً لدى كتابة كتابي"، كما قالت في تصريحها. وادعت أن الدعوى "هي جزء من معركة أعلنتها ضدي عناصر في الجمهور الحريدي الذي يستخدم شبيرو كأداة في يده، سواء بسبب كتابتي عن مواضيع تعد بمثابة تابو في المجتمع الحريدي أو بسبب صراعي القضائي ضد منع الاختلاط[3] في الباصات."

المحامي جلعاد كورينالدي ادعى من الجانب المضاد أنه في الحالة التي أمامنا فثمة سرقة أدبية لأن الأجزاء التي استخدمتها ريجن كانت "جوهرية وحاسمة وأثبتت نقاطا متخيلة كثيرة ومجتمعة". بالإضافة لهذا، يقول، كان لدى ريجن اتصال وعلاقة بالإبداعات محل الحديث، واعترفت هي بنفسها بالتشابه بين الأجزاء المنقولة والاستخدامات التي قامت بها. ريجن، من جانبها، شرحت أنه على الأكثر فلقد تأثرت بـ"نسبة لا تكاد تذكر" من المادة، وهو ما لا يعد إخلالا بحقوق الملكية الفكرية.

كورينالدي: "عندما كتبت كتابك "ناشز"، هل كان كتاب شبيرو "أن أكبر مع أطفالي"، على طاولة كتابتك؟"

أجابت ريجن في البداية بأنها "تعتقد أنه كان موضوعا"، ولكنها أشارت على الفور: "لا، لم يكن على الطاولة، ولكن يحتمل أنه كان في خزانة البيت."

كورينالدي: "هل كان الكتاب مفتوحا أم مغلقاً"؟

ريجن: "يصعب علي تذكر ما الذي كان موضوعا على طاولتي منذ 18 عاما. بشكل عام فأنا لا أكتب وهناك كتب مفتوحة، ولكن أحيانا قد يحدث هذا."

كوريناليدي: "أذكرك بتلك الجملة من سفر الأمثال: "ومن يقر بها [خطاياه.. المترجم] ويتركها يُرحم". هذا تعبير عن التسامح، عن التوبة وتغيير الموقف، أنا أتيح لك بأن ترفعي كفك وتفعلي شيئا يناسب هذا التعبير، إما أن أواصل التحقيق."

ريجن: "سيد كورينالدي، هل لديك الوقاحة لتسألني سؤالا كهذا؟ أنا أتيح لك نفس الفرصة الآن لاستخدام نفس المثل بعد كل ما فعلته بي، وكل الأكاذيب... إجابتي هي لا"!

كورينالدي: "هل توافقين أنه من المحتمل أن يكون التشابه المحدد بين عملك وعمل السيدة شبيرو نابعاً من كونك قرأت كتابها بالتزامن مع الوقت الذي كتبت فيه كتابك " ناشز

ريجن: "نعم".

كورينالدي: "سعدت لأن أعتبر تصريحك اعترافا يوفر العمل على المدعية. تكتبين: "أثناء كتابة كتابي " ناشز" لم يكن مستحيلاً، وبشكل غير واع، أن تخطر على بالي أصداء من أجزاء محددة قرأتها في يوميات المدعية ونقشت في لا وعيي، وبشكل غير مباشر، وغير متعمد، شكلت بالنسبة لي مصدرا للإلهام بالنسبة لتلك الأجزاء." أنا محام ولست محللا نفسيا، ولكنني أريد أن أسألك ما هي تلك الأصداء البعيدة التي نقشت في لا وعيك بشكل غير متعمد؟ لم أفهم؟

ريجن (بغضب): قبل كل شيء، أريد القول أن كل ادعاءاتكم تشكل واحدا في المئة فقط من كتابي. واحد في المئة فقط! ليست لديكم ادعاءات. كل الكلمات التي أخذَتْها (شبيرو – ش.م) في كتابها من الحاخام وآخرين، ليست لدي حقوق بشأنها. إذن، فإذا كانت هناك نسبة لا تكاد تذكر داخل البئر – عندما قرأت كتابها، في وقت قريب للغاية من كتابتي لكتابي – فهي صغيرة جداً. إذن أعترف، أنه عندما وضعت المغرفة بداخل البئر دخلت بعض القطرات الضئيلة مما قرأته في كتاب سارة شبيرو داخل كتابي."

كورينالدي: "كيف وصلت الجمل، كلمة كلمة، إلى داخل بئرك، من طبخة السيدة شبيرو؟"

ريجن: "أنا أتحدث عن نفس الموضوع. أصف الحياة الدينية بداخل عائلة الخادمة دينا الدينية. صاحبة البيت تقول لها "أنت لا تفهمين الأمريكان"، وتقول لها دينا "في بيتي لا يرفع أحد صوته". جملة "أنتم لا تفهمون الأمريكان" هي مثل يمكنني أن أريه لكم في عشرات الكتب. هذا ما يقوله الأمريكيون بشكل عام للأجانب. هي أجنبية."

القاضي يعقوب شبيرا: "ولكن سيدتي، السؤال ليس عن هذا. في صفحة 348 من كتابك.. وفي صفحة 341 من كتاب السيدة شبيرو، تظهر بالضبط نفس الجملة بنفس الكلمات."

ريجن: "هذا صحيح."

شبيرا: "جميل. ما تفسيرك إذن؟"

ريجن: "ما قلتُه هو التفسير. قرأت كتاب سارة شبيرو ويحتمل أنه كان في رأسي الحوار بين المرأة الأمريكية والأجنبية. هذا مختلف تماما في كتابي، ولكن شيئا ما من أصداء الحوار بين الأجنبية والأمريكية."

كورينالدي: "أعجبك؟"

ريحن: "لم يعجبني. وإنما ذكرني بالشيء الصحيح في الحقيقة، أن الأمريكية تقول للمرأة التي تزورها "أنت لا تفهمين الأمريكيين". هذا من ضمن الواحد في المئة، الذي يدعي بشأنها المحامي كورينالدي، وأعترف، أنني أخذت المغرفة، واخترعت أشياء. كان هذا قريبا جدا من الوقت الذي قرأت فيه كتاب سارة شبيرو. محتمل جدا أن تكون هناك أشياء متشابهة ولكنها لا تتجاوز المسموح به في حقوق الملكية الفكرية."

(من محاضر القضية)

جوهري للأبداع

بخلاف الصراع الشخصي بين الأديبات فلقد طولبت المحكمة بالحسم في مسألة مبدئية: متى يعد استخدام مادة من داخل عمل أدبي سرقة أدبية وانتهاكاً للحقوق الفكرية، ومتى يمكن اعتباره مصدر إلهام مشروع للكاتب.

يقرر القانون أنه من أجل إثبات انتهاك الحقوق الفكرية في العمل الأدبي الأصلي، فينبغي إثبات أنه تم نسخ منه "جزء واضح". النقاش بالطبع يتمحور حول، ماهو ذلك "الواضح" بالتحديد؟ لغة القانون تقرر أن التمييز ليس كمياً بالضرورة. يكفي أن تكون المادة المنقولة هامة وجوهرية بالنسبة للعمل. كل جانب في القضية استعان بخبراء معروفين من أجل إثبات موقفه.

البروفيسور ويليام كولبرنر، المتخصص في شكسبير بجامعة بر إيلان، والذي شهد لصالح شبيرو، قال: "بالنظر إلى الشخصيات في البنية القصصية، والاستخدام اللغوي والشخصيات في حلقات "أن أكبر مع أطفالي" لشبيرو وفي "ناشز" ("وإلى زوجك يكون اشتياقك") لريجن، فإن التفسير الوحيد المقبول هو أن ريجن قد استولت على نص شبيرو من أجل عملها.. ريجن هي متخصصة في مجال الاحتكار. لقد نقلت أجزاء جوهرية وذات معنى من عمل شبيرو مستولية عليها لنفسها.. التشابه بين العملين هو جوهري، لدرجة أن أي تفسير، باستثناء السرقة الأدبية، لا يصبح مقبولا."

خبير آخر من جانب شبيرو، البروفيسور أفيجدور شنئان، وهو من قسم الأدب العبري بالجامعة العبري، يقرر: "يبدو لي بوضوح شديد لدرجة اليقين، أن واحداً من العملين قد عرف العمل الآخر واستخدمه بشكل واع وبحجم كبير. الأمر يبدو واضحاً سواء من أنواع بنية الحبكة أو من الاستخدامات اللغوية."

في مقابلهما، فالبروفيسور إميلي بوديك، رئيسة قسم الدراسات الأمريكية بالجامعة العبرية، تقف لجانب ريجن. "نعم أرى في بعض الأجزاء محل الدعوى بكتاب ريجن، تشابها معينا بأجزاء هامشية، مهملة وغير مهمة بيوميات شبيرو. ولكنها أجزاء غير جوهرية وغير حاسمة... ينبغي تذكر أن شبيرو ليست لديها ادعاءات فيما يخص 98 في المئة من كتاب ريجن.. اعتماد المبدع على جزء من كتاب مبدع آخر لا يثبت انتهاك الحقوق الفكرية، بشكل خاص عندما يكون الحديث عن موضوع غير هام مثلما هي الحالة هنا والأمر يسري بشكل مضاعف عندما يكون استخدام الأجزاء المستعارة تم من خلال تغييرات، وتحويل."

_______________________

التحقيق الصحفي منشور بالعبرية في صحيفة معاريف. على هذا الرابط. الصورة الأولى هنا هي للكاتبة ناعومي ريجن، والثانية لغلاف كتابها "وإلى زوجك يكون اشتياقك".



[1] ترجمة غير حرفية لـ"משטרת הצניעות" وهي منظمة غير رسمية في المجتمع الحريدي، هدفها الحفاظ على أمور الأخلاق، وأحيانا بطرق عنيفة. يرجع تأسيسها إلى جماعات مقربة من جماعة "ناطوري كرتا" مع قيام دولة إسرائيل.

[2] مصطلح التوبة חזרה בתשובה في المجتمع الحريدي يعني تحول اليهودي العلماني إلى يهودي متدين يسير في حياته وفق الشريعة.

[3] المصطلح الحرفي هو "خطوط الاحترام" ويشير إلى قانون شرع في تطبيقه بالمجتمع الحريدي يرمي إلى تخصيص عربات للنساء وعربات للرجال.