Friday, 16 October 2009

يورام كانيوك: رحلة اليهودي الأخير


مايا سيلع

ترجمة: نائل الطوخي

كان يمكن ليورام كانيوك أن يكون الإسرائيلي المطلق، النموذجي. ولد عام 1930 في تل أبيب، كان بياليك هو أباه الروحي. وأبوه، موشيه كانيوك، كان السكرتير الشخصي لمئير ديزنجوف والمدير الأول لمتحف تل أبيب للفنون. مربيته الخاصة كانت زوجة برينر. معلمته في الحضانة كان حفيدة فريشمان. وتشرنيحوفسكي كان طبيبه في المدرسة. كان مقررا له أن يكون الصبار الحقيقي [الصبار هو اليهودي المولود في فلسطين، العبراني، القوي، وفق الصورة الشائعة.. المترجم]، الوسيم وناعم الشعر، وصحيح أنه وسيم وحارب في حرب الاستقلال، ولكنه بدلا من العودة منها يحمل سكينا بين أسنانه فلقد عاد مصدوما وتنتابه الكوابيس. لأن كانيوك لم يرغب بالفعل في أن يكون الإسرائيلي المطلق، لقد أراد دوما أن يكون يهودياً من "هناك".

في هذه الأيام، بعد ثمانية وعشرين عاما من صدوره للمرة الأولى في دار نشر "هاكيبوتس هامئوحاد"، يرى النور كتابه "اليهودي الأخير" عن دار "يديعوت سفاريم. هو كتاب معقد، مركب، مشحون، يتحرك للخلف والأمام ويقف في مكانه. ومثل محجر، معدن أو ألماس، فمن غير الواضح كيف خلق ولا متى، ولا من أي المواد هو مصنوع. أحيانا ما يبدو وكأنه دوما كان هناك.

لم يدخل كانيوك أبدا ضمن كلاسيكيات الأدب الإسرائيلي، لم يكن منتميا أبدا، دوما ما كان غير شائع، وربما وحشياً أكثر من اللازم، خارج القوانين. في السنوات الأخيرة حظت كتابته بحياة جديدة وشباب كثيرون وجدوا بها ما فوته أباؤهم على أنفسهم. يقول كانيوك: "فجأة أكتب بأسلوبهم، ولكنني كتبت هذا منذ أربعين عاماً. أنا لست أديبـ"نا"، وإنما الأديب الخاص "بي". لا أكتب باسم شخص آخر وأنا حاد جدا أحياناً." يذكرني "مرة كتبت عني أنني أديب متشرد ، وهذا أعجبني بالتحديد. لم أسر أبدا بجانب الحائط. لم أجد نفسي."

كتب "اليهودي الأخير" على مدار سنوات طويلة، بالتبادل. عندما رأى الكتاب النور لأول مرة، كان كانيوك قد أصبح أديباً يحقق مبيعات عالية وحظت كتبه "حيمو ملك القدس"، "آدم ابن كلب"، و"حصانخشب"، بنجاح ولكن وفق كلامه، فـ"اليهودي الأخير"، أهم بالنسبة له من سائر رواياته.

في عام 1982 كتب البروفيسور جفريئيل موكيد في "هاآرتس" أن هذه هي "إحدى الإبداعات المذهلة المكتوبة في العقود الأخيرة بالسرد العبري"، وكذلك وصف طابع العمل بقوله: "أمامنا صندوق نفسي ومفاهيمي كثير الأبعاد يحاول مبدعه أن يجمع فيه كل واقع القرن العشرين.. وبشكل خاص الواقع اليهودي الإسرائيلي."

في مقدمة الطبعة الجديدة يكتب عوزي فايل: "اليهودي الأخير"، هو أقل كتاب قرأته في حياتي، والأكثر أيضاً." ويضيف: "اليهودي الأخير يتواصل حتى اليوم. يحدث طول الوقت. الكتاب لا يزال يُكتب." الأديب دفير تسور كتب في كلمة ظهر الغلاف أن كانيوك "وضع في مركز "اليهودي الأخير" الأماكن النائية والمُبعدة للغضب والحزن اليهودي وربطها بشوق لا يتوقف في نهايته تحدث السقطة المؤلمة."

مؤخرا تمت ترجمة الكتاب إلى الفرنسية وفي نقد عن الكتاب منشور في فرنسا مكتوب: "هذا عمل إعجازي للإسرائيلي يورام كانيوك، لم يكن قد ترجم حتى الآن للفرنسية، ليس فقط بسبب القوة الصادمة للمواضيع التي ينشغل بها الكتاب – وهي مواضيع واقعية اليوم حتى أكثر مما كانت عليه قبل عشرين سنة – وإنما على ما يبدو بسبب العمل الكثير الذي تحتاجه الترجمة: يستخدم كانيوك كل مستويات اللغة وأغلب الأشكال الأسلوبية، ولكنه أبدا لا يخرج عن حرفة الكتابة شديدة القوة لديه. إنها متاهة من الذكريات التي تتكوم الواحدة على ظهر الآخر، بدون انحرافات زائدة عن الموضوع وبلا أية ثرثرة."

الأديبة والناقدة الثقافية سوزان سونتاج قالت مرة أنها من بين كل الأدباء المترجمين الذين قرأتهم، فأكثر من تعجب بهم من الأدباء هم جابرييل جارثيا ماركيز، بيتر هندكه ويورام كانيوك. كُتب وقتها في "سيركيس ريفيو" أن الكتاب هو عمل إعجازي ثري، متطلب، ذو منطق فوكنري، أما في "بوكليست" فقد تمت مضاهاة الكتاب بـ"عوليس" لجيمس جويس وبـ"عندما نمت ميتة" لفوكنر. "اليهودي الأخير"، كما هو مكتوب هناك، يطلب من قارئه طلبات صعبة، يضطره للعثور على الصلات والمعاني في الإنجازات المشققة والحيوات الملتوية للشخصيات.

المسيح العبراني

في قلب "اليهودي الأخير" ثمة عائلة تحمل أحداث حياتها الهويتين اليهودية والإسرائيلية، الحرب وفظائعها، ألمانيا والهولوكست وأميركا والتصوف اليهودي، وهناك في الرواية الخلاص والخسارة، الثكل، الفشل واليتم، كما حاول كانيوك أن يضم بين الصفحات كل مصير الشعب اليهودي، الأمل وخيبة الأمل، العجز والقدرة، الحماقة والحكمة، والأسف شديد العمق والقدرة على البقاء وومضة الحياة.

يحكي الفصل الأول من الكتاب عن بوعاز، شاب يتجول في الشوارع بعد عودته من الحرب محطماً تماماً. يمكننا أن نرى فيه كانيوك نفسه. يحكي كانيوك أنه كتب هذا الفصل في 1964، بعد عودته هو وزوجته ميرندا للبلد من الولايات المتحدة. "الصفحات الخمسون هذه عالجت موضوعا كان يزعجني لسنوات طويلة، الإتجار بالمعاناة والإتجار بالموت. طول الوقت كان يأتيني أناس ويطلبون مني أن أكتب كتباً عن أبنائهم، هناك آلاف الكتب التي أنفقت عليها العائلات المال الوفير ولم يقرأها أحد."

بعد أن كتب هذا الفصل، كتب كتباً أخرى. عاد إليه في 1970، عندما انتقل مع عائلته للسكنى في حي موراشاه برامات هاشارون. "بالقرب مني كان يسكن السيد جلبرت وزوجته، كلاهما كان في أوشفيتز ولكنهما لم يتعرفا على بعضهما البعض هناك. كل منهما فقد عائلته. هي فقدت زوجاً وأطفالاً وهو فقد زوجة وأطفالاً. وفق هذه القصص فلقد بقى لسنوات طويلة في أوشفيتز لأنه كان يصنع كل أنواع العلب الصغيرة، والتي كان النازيون يقومون بإهدائها لعائلاتهم في الأعياد. كان يحكي كيف رأى بنتيه تختفيان."

يحكي كانيوك عن علاقته بجاره: "أصبحت أنا المسيح العبراني له. كان يهتم لأمري. كان يخرج مرتديا طاقية صيادين ومعه سكين مطبخ تحسبا لحالة إذا ما صنع له شخص ما، لا قدر الله، أي شيء. كان يدعوني السيد كانيوك. وعندما كان يحكي لي كانت زوجته تخرج من الغرفة. لم يحك الكثير ولكنه حكى لي كيف نجا، وذات مرة قال لي: "لم يكن هناك راديو، ولم تكن هناك أية صلات مع العالم وقلت لنفسي أنني بالتأكيد سوف أكون اليهودي الأخير."

وهكذا ولدت لدى كانيوك فكرة الكتاب. إحدى الشخصيات هي أديب ألماني، أديب يأتي للقاء اليهودي الأخير. هذا الوضع أيضا لم يحدث فقط في العقل المتأجج لكانيوك، وإنما في الواقع المتأجج لدولة إسرائيل. "الأديب هاينريش بُل زار البلد، ولسبب ما أراد الالتقاء بي. أقاموا له وليمة في بيت حانوخ برتوف." قبل أن يذهب للوليمة انهمك كانيوك في حوار مع جاره، جلبرت، حوار لن ينساه أبدا كما يقول: "سألني "سيد كانيوك هل تخرج اليوم؟، قلت له نعم. "إلى أين أنت ذاهب إذا أمكنني السؤال"، أجبته بأنني ذاهب إلى وليمة"، "عند من؟"، عند حانوخ برتوف"، "وعلى شرف من هذه المأدبة؟" قلت أنها على شرف هاينريش بل. قال: "آه. من هو؟" قلت أنه أديب. "أي أديب؟" ألماني. سألني: "هل هو شخص جيد؟" قلت أنني لا أعرف ولكنني أظن أنه شخص جيد. عندئذ توقف للحظة وقال لي: "قل له أن يعيد لي بناتي."

اتصل كانيوك ببرتوف تليفونياً وحاول اختراع مرض. "قلت له أن حرارتي ارتفعت إلى 48 درجة." ولكن برتوف أصر، ومضطرا ذهب كانيوك إلى المأدبة. "كان هناك أناس كثيرون. أدباء وهكذا. وعندئذ رأيت بُل، رجلا ضخما. طول الليلة كنت أتهرب منه، لم أرغب في لقائه، لأن كل كلمة يقولها جلبرت كانت مقدسة بالنسبة لي. لقد كان أحد الأشخاص الذين كنت مرتبطا بهم نفسياً." ولكن هاينريش بل لم يتنازل. اقترب من كانيوك وسأله إن كان يتجاهله لأنه ألماني. "أجبت بالنفي، وقلت له أنني قابلت جونتر جراس عندما كان هنا، وأن هذا غير ذاك." أصر بُل وسأله عن السبب. وقال له كانيوك "اسمع، سوف أضطر لأن أخبرك شيئا ما ليس لطيفا للغاية أن أقوله. ولكن لدي جار اسمه جلبرت، وهو طلب مني شيئا أنا مضطر لفعله. لقد أرادني أن أطلب منك إعادة بناته له". وعندئذ قال لي بل شيئا لطيفا بشكل خاص، قال لي أنه ربما قد يكون جاء لأرض إسرائيل بسبب هذا."

تصادق كانيوك وبل وفي أعقاب هذا تضخمت معرفة كانيوك بالأدب الألماني. "هو أديب ممتاز، ولكن خطرت على بالي فكرة: في الأدب الألماني التالي للحرب والذي كتبه هؤلاء الشجعان، جراس وبل وآخرون، لا يظهر يهودي واحد، بينما هم قد نشأوا مع اليهود. بُل حكى له أن جميع أصدقائه كانوا يهوداً، وجراس حكى لي أنه نشأ في دنتسيج ورأى الأطفال اليهود يؤخذون، وبرغم هذا فلم يظهر اليهود في كتبهم، لم يتمكنوا من مقاربة هذا، وهذا ليس بسبب الخوف، هذا ببساطة لم يكن في عقلهم، هذا لم يؤلمهم. لقد تسبب لهم بالحزن وليس بالألم. لو كان يؤلمك فسوف تكتب عنه، ولن يساعدك أي شيء. جوتة كتب أن الظلم مفضل على الفوضى، إنها جملة مخيفة."

الخصلة هي المهمة

لم يكن لقاء كانيوك بجاره هو لقائه الأول بالناجين من الهولوكست. "عندما كنت أبلغ 17 عاما تركت الصف الثامن وتطوعت للخدمة في السرية البحرية للبالماح، لأجل الإتيان باليهود لأرض إسرائيل، لم أعرف من هم اليهود ولكنني رغبت في الإتيان بهم. في البداية كنت أكرههم، كانوا يبيعون ويشترون ويقومون بكل الصفقات، وفجأة أحببتهم. أحببت قدرتهم على البقاء. كانوا يعيشون في هذه السفينة تحت وطأة ظروف رهيبة، لا يمكن وصفها، 3000 شخصاً كانوا ينامون مثل السردين، كانوا يقفون في طابور للوصول إلى الحمام، وكان الواحد منهم ينادي الآخر. وقفت هناك ورأيت شابة تقف في الطابور، تنتظر لساعتين أن تدخل. أخرجت شيئا مثل مرآة صغيرة بحجم علبة صغيرة، تطلعتْ بها وسوت خصلتها. كان جميلاً جدا أن أرى هذا."

يحكي أنه عندما تم القبض على المهاجرين بشكل غير شرعي وسؤالهم عمن هم، أجابوا كما تم تلقينهم "نحن يهود من أرض إسرائيل". عندئذ بدأ في التفكير أيضا في نفسه باعتباره يهودياً من أرض إسرائيل. "منذ ذلك الحين وصاعدا، عندما سيسألونني من أنا، لن أقول إسرائيل أبدا، لأنني لا أعرف من هو الإسرائيلي."

قبل عدة سنوات عرضت على مسرح جيشير مسرحية "آدم ابن كلب"، المأخوذة من روايته. انضم كانيوك للمسرح عندما سافر لعرضها في بولندا، في لودج. "وضعوا الخيمة أمام الجيتو. لست بولنديا، أبي جاء من أوكرانيا، من جاليتسيا، ولكنني فجأة شعرت كما لو كنت في البيت. كانت أول مرة في حياتي أشعر أنني في البيت. لألف سنة كنا نعيش في أوروبا الشرقية. ماذا تسوى مئة عام من الصهيونية؟ هي لا شيء."

تحدث عن إحساسه بتضييع الفرصة، تضييع فرصة المنفى: "لم أحب أبدا التين الشوكي، لم أحب الكومبوت، في البالماح كنت أبيعهما من أجل صحن حساء. الجميع أرادوا أن يأكلوا الموز أما أنا فأحببت السبانخ، أن يحب إسرائيلي السبانخ فهذا شيء ما حقير جدا. كنت مقلماً هكذا، لم أنجح في طي البنطلون بالشكل السليم. وهكذا لم أنجح في أن أكون صبارا أكثر مما كنت. لم أنجح في أن أكون اليهودي الذي أردت أن أكونه."

يفسر هذا بأنه لم يتحدث لغات أجنبية، وأنه لم يأت هنا بنفس حمولة اليهود إياهم الذين التقاهم: "تدريجياً دخلت في هذه الحمولة ولكن عن طريق أشياء أخرى." أحد الأشياء التي ساعدته على الدخول في وجهه اليهودي كان تعلم القبالاه. "عندما عدت من الحرب كنا نجلس في مقهي "كاسيت"، وهناك عرفت أفراهام حلفي، أحبني وكنا نتنزه سوياً. كانت كوابيس الحرب وقتها تنتابني، وذات يوم قال لي "عليك بتعلم القبالاه" [فرع من فروع التصوف اليهودي.. المترجم]. ذهبت للدراسة عندئذ في القدس في بتسليئيل، وخلال سنة كنت تلميذا حرا لدى جيرشام شالوم. تعلمت الشبتائية، وأثارت اهتمامي. تدريجيا دخلت في هذا بدون معرفة الجمارا، بدون معرفة الأساس اليهودي الحقيقي، وإنما الأساس الحسيدي والقبالي، كل ما لم يكن موجوداً في التلمود."

عجنون الملك

وفقاً لكلامه، فكل ما حدث في حياته وكل ما كتب عنه تم جمعه في كتاب "اليهودي الأخير." "لـ13 عاما كنت أعمل على هذا الكتاب بالتناوب، أنهيت كتابته عام 1980، عندما غادرنا موراشاه. ألكسندر ساند، والذي كان محررا بدار نشر هاكيبوتس هامئوحاد، أحب الكتاب ونشره." ولكن في الأكاديمية لم يكونوا ينتظرون كانيوك بالذات. "هم أصلا لم يستقبلوني أبدا. أنا متشرد ، أليس كذلك؟ المتشردون لا يمكنهم أن يندرجوا في كلاسيكيات الأدب." يقول أنه في البداية شعر بنفسه مهانا ولكنه تعود منذ ذلك الوقت. "حتى تندرج ضمن كلاسيكيات الأدب فعليك السير في مكان آمن بشكل كاف، مكان عجنوني. [ في إشارة لشموئيل يوسف عجنون، الأديب الإسرائيلي الوحيد الحائز على جائزة نوبل بالمناصفة.. المترجم] هناك أدباء ممتازون يقومون بهذا، ولكن الأمر معكوس بالنسبة لي. لماذا؟ لا أعرف."

وفقا له، فكل ما لا يقف في "صف عجنون" تم محوه ببساطة. "قرأت منذ فترة قصيرة كتبا لآشير بيريش والذي تم نسيانه تماما. حاييم هزاز اختفى. أفيجدور هامئيري. يـ. لـ. بيرتس كتب أدبا أكثر حداثة مما يكتبونه اليوم. وهناك أديب آخر شعرت بالقرب منه وهو بشفيس زينجر ولم يتم قبوله هنا. هو لم يكن متوائما مع العجنونية، عجنون كان هو الملك."

يحكي أن الباحث في الأدب جرشون شاكيد لم يكتشفه إلا وهو على حافة الموت. "تطلب الأمر منه عشرين عاما حتى يتصل بي تليفونيا، اتصل بي وقال لي "قرأت اليهودي الأخير. إنه كتاب مذهل. قلت له: "أنت كتبت تاريخ الأدب العبري بدون أن تدرجه فيه. وقال لي: "هذا غير جيد، صحيح." وحاول إصلاح هذا الأمر."

في "الحق في الصراخ"، وهي مقالة نشرها شاكيد عن إبداع كانيوك بدورية "عخشاف" عام 1998، قارن كانيوك ببرينر وكتب: "الخبرة التي يتعامل معها كانيوك هي المصير اليهودي العبثي، وعبثه مضاعف: اليهود قريبون من الثقافة الغربية التي خططت ونفذت إبادتهم. هم أكثر قربا لمن ضحوا بهم، من قربهم للثقافات الأخرى. الدولة التي أقامها اليهود قائمة، عند كانيوك، على التضحية بشعب آخر، وهكذا فالعبث التاريخي هو أن الضحايا تحولوا لجلادين. هذه الظواهر الخارجية تحولت إلى مشاكل داخلية تمزق نفس أبطال كانيوك ونفس مبدعهم إرباً."

يقدم كانيوك شهادة عن كتابه: "هذا نوع من خلط اللغات والكلمات. لا أستطيع كتابة ما يجب كتابته. كتبت عن طريق عدم معرفتي بالكتابة. أنا أكتب عجزي. أغلب الأدباء الإسرائيليين الجيدين يكتبون بحيث يمكنك قراءتهم بسهولة أكثر. بينما عندي يرتبك القراء.ابنتي قالت مرة أن الأدب يهدف لإعطاء الشرعية للعبث. هذا بالنسبة لي سر الكتابة. لهذا فأنا أحب يوجين يونسكو بشدة، وتوماس فينشون."

وفقاً لكلامه، فهو لا يحب من يخترعون القصص. "كثيرون من أصدقائي الأدباء يخترعون القصص. إذا أرادوا الكتابة عن الغيرة، يقومون بالبحث، لأنهم أبداً لم ينيكوا من الخلف ولم يسيروا أبدا في الشوارع الجانبية، كلهم كانوا أطفالا جيدين درسوا الأدب في الجامعة. أنت تقرأهم، بعضهم جيد للغاية، وترى أنهم يخترعون. بالنسبة لي، أرى أن الأديب الذي لم يمر بتجربة قاسية في الحياة سيكون من الصعب عليه أن يخترع تجربة."

يعتقد أنه ليست هناك حاجة للحكم بشأن أي تيار تنتمي له رواية "اليهودي الأخير"، وبأي أسلوب تمت كتابتها، أو كيف تتطور الحبكة. "أنا أقرأ من العهد القديم يوميا على مدار خمسين أو ستين عاماً. أحب القصص العبثية. أبراهام الذي يقدم زوجته مرتين باعتباره أخته، ثم يرسل ابنا لكي يموت في الصحراء ويرسل ابنا آخر لكي يقدمه قرباناً. على ما يبدو فهو لم يحب إلا هاجر، ولكن لا ينبغي الحديث عن هذا. في النهاية هو أبو الأمة. هذا هو جمال الأشياء، صح؟ لا أحد يشرح هذا لأنه لا يجب شرح كل شيء. أنا لا أكتب في علم النفس. أنا لا أفسر."

في غرفة عمله، في شقته المؤجرة بوسط تل أبيب، ثمة صورة كبيرة، متر ونصف في متر، لرودولف فالنتينو الوسيم، هدف إعجاب النساء في وقته، البطل الأخرس للفيلم. يقول كانيوك: "دوماَ ما أحببته. شخص ما جاءني بهذه الصورة منذ فترة طويلة. عندما طلب مني المصور الخاص بكم أن أنظر باتجاهه، فهمت فجأة، للمرة الأولى منذ أربعين عاماً، أنه يشبهني عندما كنت شاباًَ للغاية. لسنوات كنت أظن أنني قبيح وبائس وكنت أنظر إلى رودولف لأجل العثور على بطل. وفي الحقيقة فلقد كنت عندئذ، أو أنني ربما، عميقا في داخل عقلي، رغبت في أن أكونه."

إذا لم تكن الكتب موجودة، ليقرأوا قوائم المطاعم إذن

يورام كانيوك هو واحد من بين قلة من الأدباء وقفوا ضد شبكة "تسومت سفاريم" وعمليات البيع التي تقوم بها، وكان ممن يؤيدون قانون مراجعة أسعار الكتب، والمسمى أيضاً بالقانون الفرنسي، والذي يهتم بتحجيم الخصومات على الكتب في أول سنتين لصدورها. يقول أنه أصيب بخيبة أمل لأن الأدباء الإسرائيليين لم يقفوا بجانبه. "هذا ضايقني. الأدباء المندرجون في كلاسيكيات الأدب يمكنهم السماح لنفسهم بفعل هذا من أجل أدباء يربحون 40 أجوداه على الكتاب. كيف أن أحداً منهم لم يقف بجانبي؟ مم يخافون؟ حتى كتبي يبيعونها في "تسومت سفاريم" وأنا وقفت ضدهم. القانون لن يمر لأنه ليس هناك دعم من قبل الأدباء."

وفق تقرير المبيعات الأخير لكانيوك، فعلى مدار الشهور الخمسة بين أغسطس وديسمبر 2008 بيع 1348 نسخة من كتبه، وربح هو من هذا 7878 شيكلاً. وحتى لو كان قد تلقى السعر الكتالوجي المثبت على الكتاب، كان سيلاقي صعوبات معيشية.

  • ما الذي تعتقد أنه بإمكان الدولة فعله حتى تساعد الأدباء؟
  • "قبل كل شيء، عندما يصدر كتاب جديد لي يبيع عدة آلاف. "عن الحياة وعن الموت" بيع منه 7000 نسخة مثلاً. انظري، أنا لا أؤمن أن الدولة ستفعل شيئاً. ربما تتشاور الحكومة مع وزير الثقافة السوداني من أجل معرفة ما سيفعلون في دولة أخرى متقدمة مثلنا. ليست هناك دولة في العالم الغربي تستثمر أموالا قليلة لهذا الحد مثل إسرائيل. في فترة حزب مباي كانوا يستثمرون، ولكن مباي لم يعد موجودا."

رنا فربين، محررة الأدب الأصلي في دار يديعوت سفاريم، نشرت هذا الأسبوع في "يديعوت أحرونوت" تقريرا عن سعر الكتب في فرانكفورت وقالت فيه أنها اكتشفت أن القانون الفرنسي له عيوب كثيرة. مثلا، حقيقة أن سعر الكتاب في ألمانيا هو 20 يورو. وهو سعر مرتفع للغاية بالنسبة لأغلب السكان، ومعناه أن المعرفة صارت هي النصيب الأساسي لأصحاب الثروات، مثلما في العصور الوسطى بالضبط. وحتى في فرنسا، كما تقول، فأغلب الناس لا يمكنهم السماح لنفسهم بشراء كتاب في السنتين الأوليين لصدوره، كتبت قليلة فحسب هي ما تتبقى على أرفف المكتبات أكثر من سنتين.

يعترف كانيوك أنه من الأفضل للقراء ألا تكون هناك مراجعة وأن تكون هناك خصومات وعروض. "ولكن من سيزودهم بالمادة التي يقرأونها؟ لن يكون هناك أدباء. هناك الكثير من الناس في فرنسا وألمانيا يتحدثون عن هذا القانون باعتباره قانونا رائعاً. أنا أرى هذا أيضا في تقارير المبيعات التي أستلمها من ألمانيا وفرنسا. الوضع أفضل بكثير مما هو هنا."

  • المشكلة هي أن الأدب قد يتحول إلى اهتمام الأثرياء فحسب.
  • "لو كان الأمر هكذا، فسوف يدفع القراء القليل جداً ولكن لن يكون هناك كتاب ومترجمون. ينبغي العثور على الحل الوسط. صحيح أن يمكن العيش بدون كتب يورام كانيوك، ولكن لا يمكن شراء كتب بدون أن تكون هناك كتب، وكيف ستكون هناك كتب لو كان الكاتب لا يمكنه الاسترزاق. أي شيء هذا؟ ليأخذوا قوائم المطاعم المفلسة إذن وسيكون لديهم عندئذ ما يقرأونه."

عن "هاآرتس"

Friday, 9 October 2009

اذهب إلى مدينة القتل، بيروت

يفتاح إشكنازي

ترجمة: نائل الطوخي


يفتاح إشكنازي، كاتب إسرائيلي شاب. ولد عام 1980. له كتابان "قصص موت مدينتي"، 2003، و"بيركناو حبيبتي"، 2007، هاتان القصيدتان مأخوذتان من العدد الرابع من مجلة "معيان الشعرية"، ويرأس تحريرها روعي تشيكي إراد. في إحداهما "اعترافات مراسل عسكري"، يصف الشاعر علاقة مثلية بين الجندي بالجيش الإسرائيلي وبين رفائيل إيتان، رئيس هيئة الأركان بحرب لبنان تموز 2006، وفي الثانية يحاكي الشاعر إصحاحات "اذهب" بسفر التكوين بالتوراة، ولكن بدلا من أمر الرب لإبراهيم بالذهاب إلى فلسطين نجد هنا أمر الجيش الإسرائيلي للجندي بالذهاب إلى لبنان، مدينة القتل، كما يصفها. في القصيدتين يربط الشاعر بين الحرب، وخاصة تلك التي تم شنها على لبنان في 2006، وبين العنف الجسدي المتعلق بالجنس، سواء ما كان منه مثليا أو غيريا، ويربط بين الجيش الإسرائيلي وأسطورته الذكورية عن نفسه.



اعترافات مراسل عسكري

يمكنني تخيل وضع افتراضي أقيم فيه علاقة جنسية (غير كاملة) مع رافول.

برغم أنني في علاقات من هذا النوع، يتوجب عليّ القول،

بأنني بكر.

ولكنني قضيت وقتا مرتين في أندية كتلك، عندما كنت في الخارج.


علاقتنا دارت على ضفتي الليطاني، بين مخربين مستعدين للموت مقابل إقامة معسكرات إبادة.

رافول وأنا نجلس لابسين الزنطات على موتور السيارة الجيب، غارقين في ضحكات صبيانية كلها عذوبة

بؤبؤاي يداعبان بطل إسرائيل الذي هبط بالمظلة في المتلة واستلم شارة حمراء، ولكنه ظل لغزاً.

الأرنوب يضخم نور النجوم، يسهم في الجو الرومانسي، يشجع على الهياج

رافول يسأل عن الوحدة

لفرحتي، يحاول اكتشاف من أنا.


هو يعرف كيف يتصل بالناس، لديه سحر خشن ، حقيقي، أولي،

يداعب زراير بزته العسكرية المحكمة لمنع أي تمزق في المعركة بعقدة مائلة

يحكي نكتة "جنسية" عنن صديقة المظلي وشجرة جولاني

.

بعد هذا، وبرغم أنني لا أهمه

يلمسني بكفه المدربة- الفلاحة

أنا مستعد

طالما ليس هناك شيء ما ملزم، مثل الإدخال من الخلف

.

وسوف يكون الأمر معنا مكتملا ولطيفا:

روعة البطولة،

القنابل المضيئة

مردخاي أنيلفيتش "الذي يتحول إلى شخص من لحم ودم،

طرق الهليكوبتر، قرى تتحول إلى بقايا،

قوات المدرعات، التفافات، سموم الفخر العسكري في الكمائن،

سيطرة الطاقية اليهودية، أسلوب هانيبعل، أطفال الأر بي جيه يتعقبون,

شارة نهاية الخدمة، دبوس زيت البنادق.


فتحنا علبة اللحم

"أريد الذهاب إلى عنبر يفتاح"

وأسير مع رافول، برغم الوضع المضحك.


نحن في العنبر من أجل عد قذائف الهاون

قال للجميع أن لدينا أوامر. سواء أنا أو رافول لم نكن نعرف قواعد اللعبة.

أخلى الطاولة. رمى على الأرض الخرائط المفروشة

"أريد أن أكون الأول" أقول له، مقررا برغم أنفه أن أحاول

أن أجرب، "صعب عليّ"، أعتذر، وهو يبتسم "انتظر".

أجلس على الطاولة، أشتهى أن يقبلني رافول طويلا

بشفتيه الرجوليتين والمشققتين.


نظرة على نطاق قاعدة الاستيعاب، والذي تحول إلى لوح من اليأس بمربعات سوداء،

على الطاقية والتي يمكنها أن تسقط أثناء الممارسة الحميمة، الجماعة يعلنون عن أعواد الثقاب

المشتعل. أبنائنا يطلقون النار وتطلق عليهم النار. رافول غير معتاد على الموقف. يمسك أعصابه.


أحلم بأن أقرص على الجلد الرقيق للصلعة ،

أن أحاول تدليك المخ الذي فكر في خطة الصراصير المسممة

هو يعرف أن العرب لا يفهمون إلا القوة، هو رضع من عربية، هو يفهم.

مدافع تطلق النار للمرة الأخيرة قبل نوم هيئة الأركان. تنفث دخاناً كالعطور.


رغبة تقفز وتتفجر في القول: "سبوتنيك يا غبي،

جدك اغتصب جدتك في أثناء مذبحة لليهود، على ما يبدو."


كل شيء يزدهر ، الآن دوري لأكون رجلاً

في نور أحمر يمحو الجسد العاصف

ولكن رافي خائف، ربما خجلان

يلبس


ذهبت للنوم وحيدا في السرير الفرنسي، وبعد حوار آخر مع جنودي الجيدين المتحمسين،

الذين يعرفون أن إسرائيل تطمح في صنع سلام مع كل جيرانها العرب – الأعداء.

الحرب تستمر، سلسلة طلقات،

هم ليسوا بشرا وإنما حيوانات.

رافول بالضبط قبل الفراق، عندما كنا مخلصين وباردين،

يحذرني أن صبرا وشاتيلا سوف تجر ورائها أكاذيب ضدنا

.

للحادث السابق ثمة درسان سعيدان فحسب

هناك توازن ديمجرافي، ولذا علينا كرجال وكيهود

أن نتوجه فقط للأماكن الصائبة والنظيفة

التي يخرج منها الأطفال.


وأن نثق بقلب جامد في الجنود

الذي يقضون ليلهم كالنهار

لأجل جعل الحياة

محتملة لنا.


(التقيت برافول فقط مرة واحدة بعد الاستقالة في تل عداشيم،

وهو لم يعد يتذكر الأحداث، ولا يتذكرني، ولا يتذكر الآخرين،

وذهبنا نحن الاثنين سويا إلى معصرة الزيتون.)


في مدينة القتل

قم اذهب إلى مدينة القتل في عمق لبنان

الجبال سترقص على شرفك كالأيائل، بعد قصف متواصل.

قم اذهب إلى مدينة القتل، وهناك الكثير من البلدوزرات،

اذهب وانظر إلى دبورة امرأة مغتصبة، عارية ومغطاة.

اذهب إلى الخرائب،

إلى أنقاض البيوت.

انزل إلى صفوف

البلدوزرات

أنت لا تتجول

أنت لاتذهب.

أنت لا تنهار

أنت تركع في حركة عسكرية، قراءة خريطة الرموز،

وهذه يدك التي تلمس مرتعشة الجدران المكهربة الرقيقة.

هذا فمك الذي يقول:

"ممنوع"

هذا أنت المستعد لأن تموت مقابل انتهاء فترة الحاجز العسكري

كل شيء على ما يرام – كل شيء يعمل – كل شيء معروف.

هذا أبي الذي ذهب بي مرة إلى قرية زرعيت،

لكي نرى القصف سوياً.

ولم نجرؤ على النظر خلفنا،

نعم، محبطين سمعنا سويا أصوات الرعد في وحدة الإرشادات

والآلاف من زخات الشظايا اللامعة وجندي يشتعل

من مذراة كبريت، طار في الهواء القاسي،

رائحة الجثث كان أبي يعرفها.

عندئذ

حكا لي عن حروبه

وعن اليوم الذي فقد فيه السمع بإحدى أذنيه،

عندما قصف هبط في حفرة، كأنه لم يحب أن يوضح لي أن هذه هي حربي.

لم يرغب في أن يرى، إلى أي درجة أنا مرعوب

السكين – قم اذبح.

مثل الكلب، لأني أخطأت أخطاء كثيرة،

لأنني قتلت، نعم قتلت، قتلت أناسا.

وفي القرية الخربة في لبنان، التي تم سحقها بالرؤوس المتفجرة وبكاميرات-فوق حمراء

تقف امرأة

يحكم عليها تلبيوت*

تحترق كامرأة اللهب*

هي تلك

التي ركع بين ساقيها

سقط

نام.

اغتصب وطُعن ونام.

بين ركبتيها حفر علامة

وتحرك من عليها محركا حوضه

محاولا التوقف عن التفكير في أخته.

وهي لا تزال راكعة مزروعة منذ زمن

رطبة أمامه.

وفتاة أو فتاتان ثياب مصبوغة*

باهتة في العروق.

صدر عار مكبوس في ثدييها الصافيين

والسوائل تتدفق

بالتناسق مع حركته.

السماء دعت بالرحمة

رب العالمين قرأ التأبين لابسا التفيلين المدنس،

على مدينة القتل

على القتلة.

عليّ،

لأنني ميتاً سأصبح،

لأنني ميتاً أصبحت عندما قتلت أناساً.

___________________________________________________

*برنامج تلبيوت هو برنامج تأهيلي عسكري

*امرأة اللهب هو اسم يطلق على دبورا النبية اليهودية.

*"يقسموا الغنيمة فتاة أو فتاتان لكل رجل ثياب مصبوغة".. من سفر القضاة 30-5


Friday, 2 October 2009

مقابلة عصبية مع ساتوري

للأسف الشديد، لا يعرف العالم العربي كلمة "ساتورا"، وتكتب أحيانا "ساطورا"، ولم يستقر الأمر على ترجمة مناسبة لها، وإذا كان ذلك كذلك، فهيا بنا نشرح يا حضرات.

الساتورا فن أدبي، يقوم على السخرية، ترجع الكلمة إلى اليونانية، حيث أطلق اسم الساتورا على كائنات خيالية، النصف السفلي منها ماعز والنصف العلوي إنسان. القالب الأدبي يعتمد على المبالغة في إظهار العيوب وتتفيه المزايا والمحاكاة الساخرة، ظهر بين أوروبا، باليونان القديمة، وفي روما، وأدى ظهور الرواية إلى إعادة ازدهار هذا الفن، والذي يمكن العثور على أثار له في السينما والمسرح والرسم أيضاً. ويمكن عد "كانديد" لفولتير، "الدكتاتور الكبير" لشارلي شابلن، "مزرعة الحيوانات" لجورج أورويل، من الساتيرات المعروفة عالمياً. وفي الأدب الإسرائيلي يعد أشهر من كتب الساتيرا هو المسرحي حانوخ لفين، الذي ترجمنا له فصلين من ساتيرته الشهيرة "ملكة الكبانيه". وكذلك إفرايم كيشون، ويهوناتان جيفن.

وعلى العموم، بسبب كثرة تكرار الكلمة في هذا النص، ولأن النص يقوم بالتنظير لهذا الفن، في إطار ساتيري أيضا، بالمناسبة، يمكن للقارئ العربي غير المتآلف مع المصطلح، أن يتخيله فنا كاريكاتيرا ساخراً، مكتوبا أو معروضا على المسرح. ببساطة. الحياة دائما بسيطة جدا.

مؤلف النص، عيدان لاندو، ولد عام 1967، مقيم في تل أبيب ويدرس علم اللغة في جامعة بن جوريون، يصف نفسه في موقعه الشخصي بأنه متشكك بشكل عام، تم حبسه عام 2001 لرفضه الخدمة العسكرية.


النص الفكاهي، الحوار المتخيل، الساتورا، مأخوذ من العدد الخامس والأخير من دورية "داكا".


عيدان لاندو

ترجمة: نائل الطوخي

مقابلة عصبية مع ساتوري

- سلام لضيفنا، الساتوري، وسلام للسادة المستمعين في البيت.

- سلام سلام، ليس هناك سلام.

- اعتدنا أن نبدأ مقابلات كتلك بسؤال: "في رأيك ما هي درجة تأثير الساتورا؟"، وأن نتلقى الإجابة المعتادة: "صفر"، ولذلك فسوف نقفز للسؤال التالي: "ما هي الصفة الأهم في الساتوري؟"

- ساتوري بلا صفات هو أفضل من ساتوري لديه صفات.

- بمعنى؟

- الصفات تشوش الرؤية، يفضل إزاحتها.

- وما الذي يراه الساتوري؟

- الفجوات بين الادعاءات والإنجازات.

- هذا يسري أيضا على مدرب التخسيس.

- صح. الفارق الوحيد أن مدرب التخسيس يطمح لرفع الإنجازات لمستوى الادعاءات، لكن الساتوري يشكك في الادعاءات من البداية.

- ولكن الناس تحتاج الادعاءات، هي نوع من إشارة مرور، علامة طريق.

- والناس تحتاج أيضا إلى صفعات على وجوههم، هذا نوع من التمرين، صحصحة في منتصف الطريق. العلامة التي ليست صحصحة ستنتهي بالسنكحة. (وسامحوني على النحنحة).

- الساتوري، إذا سمحت لي، هو إنسان لا يمكنه التسامح مع الضعف الإنساني.

- نعم، ولذلك يندر أن تجد ساتورا يمدحها القساوسة والراهبات. ومع هذا، فليس أي ضعف هو ما يخرج الساتوري عن شعوره. فقط نقاط الضعف التي تحدث ضررا في الحيز العام.

- مثلا؟

- مثلا، فلان يذهب البحر مع أصدقائه، ويرفض الدخول في الماء بحجج مختلفة فقط من أجل إخفاء معلومة أنه لا يعرف السباحة. وفي مقابله، علان يرسل جنودا حتى يُقتلون في الحرب، فقط لأنه لا يملك شجاعة دفع ثمن السلام، وهو التنازل عن الأرض، عن الشرف، عن عدالته النقية. ضعف فلان يثير الشفقة، أما ضعف علان فعلى الأقل جدا يثير الغضب.

- هل على الساتوري أن يكون غاضبا حتى يكون فعالاُ؟

- هل على المحاوِر أن يكون سخيفا حتى يكون فعالاً؟

- ما الذي يمكنه تهدئة الساتوري؟

- البلبلطة في بحيرة الحقيقة.

- إذن فليبلبط.

- لا يمكن. الإنسان يكذب على نفسه بلا توقف.

- وما المشكلة في هذا؟

- المشكلة تبدأ عندما يبدأون في تفكيك هذا "الإنسان" إلى أجزاء. عندئذ يتضح أن هناك من يكذب واعيا، وهناك من يكذب غير واع، وهناك من يكذبون عليه وهو يعرف، وهناك من يكذبون عليه وهو لا يعرف. وعلى قدر ما ينزلون على سلم المسئولية والمعرفة، تصبح الأكاذيب أكثر إيلاما.

- ما الذي يهم الساتوري في وجود أناس يستمتعون بالمعاناة؟ ليدعهم يعانون.

- وماذا عنه؟ ما الذي يهم الناس في وجود ساتوري يستمتع بمعاناة كتابة الساتورا؟ ليدعوه يكتب.

- بمعنى أن الساتورا هي نوع من علاج الذات حتى قبل أن تكون إصلاحا للجمهور.

- كنت أقول أنها نوع من إفساد الذات حتى قبل أن تكون إهانة الجمهور.

- ما الذي يريده الساتوري؟

- القليل من عرائس تسومي، هذا هو كل شيء.

- وإلى جانب هذا؟

- أن يقيم الساقطين وأن يوقظ النيام.

- الحق في السقوط والحق في النوم هما من الحقوق الأساسية للهدوء الإنساني.

- أنت تقصد الصلف وليس الهدوء. أيضاً الحق في الصراخ والحق في الإدانة هما من الحقوق الأساسية. الصلف، أية كلمة مكروهة! الساتورا تراه وفورا يصعد الدم إلى رأسها.

- لماذا يجهد إنسان عاقل نفسه في الاستماع لساتوري؟

- لأنه داخل كل إنسان عاقل يختفي عفريت صغير اسمه عدم التعقل. والساتوري يبث رسائله فوق العقلية في أذني هذا العفريت. يزرع بذور الاضطراب في قلب الصلف.

- هذا أمر مدعٍ قليلا.

- أشرت أنت من قليل إلى أن الناس يحتاجون الادعاء. وكذلك الساتوري، برغم المظهر المخادع، هو إنسان.

- من كلماتك يتضح أن الإنسان العاقل، إذا استمع للساتورا، فهو يفعل هذا ضد رغبته الواعية.

- الساتوري لا يعنيه إن كان الناس يريدون الاستماع له أم لا. كذلك لا يهمه جدا أن يتفقوا معه أو أن يفهموه. فقط تهمه الخطوة الأولى: التشكيك، إخراج الجمهور عن توازنه..

- لهذا فهو يوزع الإهانات؟

- الإهانات هي البضاعة الرخيصة للساتوري. الساتوري لا يقيم وزنا كافيا لمستمعيه حتى يهينهم.

- ومع هذا فالناس يشعرون بالإهانة من حين لأخر على يد الساتورا.

- الحقيقة مهينة. أي مرآة ستخبرك بهذا.

- هذا تشبيه ديماجوجي. الساتورا ليست مرآة، لأنها قائمة على التشويه والمبالغة.

- فقط كي تتوازن مع التشويه والمبالغة المتضمنين بعمق فيما تطلق أنت عليه "الطبيعية."

- وحتى الآن، فالساتوري يركز على جوانب معينة من الواقع ويتجاهل جوانب أخرى.

- ومن منا لا يفعل هذا؟ بمجرد أن تفتح عينيك في الصباح فأنت تبدأ في أن تكون انتقائيا، السؤال: "ما هو المبرر الذي يقف خلف اختياراتك في أن ترى أو لا ترى."

- وما هو هذا المبرر؟

- قبل أي شيء – هاجم السلطة، القوة. الساتورا الجيدة تقسو دائما على الأقوياء بينما تسامح الضعفاء. تسخر منهم ليس بوصفهم أشخاصا محددين (أي أن لهم لهجة أو تسريحة شعر مثيرة للسخرية)، وإنما بوصفهم وظائف للقوة. الساتورا السيئة لا تميز بين الضعفاء والأقوياء. والـ"أنتي – ساتورا"، أي الرسولة الإضافية للقوة، لا تسخر إلا من الضعفاء.

- لا أستطيع تجاهل مفرداتك العنيفة، صفعات على الوجه، هجوم، سخرية. هل الساتوري هو إنسان عنيف؟

- ليس أكثر من الآخرين. العنف يحرر. وفي هذه الحالة، فعنف الساتوري يحرر جمهوره.

- سيتساءل البعض هل العنف هو الطريق السليمة لتحريك الناس وللتأثير عليهم.

- فعلا هناك الكثير ممن يتساءلون، وبعضهم عنيفون بشكل مخيف.

- والمعنى؟

- هذا الموقف للشخص المحتار للأبد، الذي يسعى دائما خلف عرق الذهب، الموقف الذي يجتهد طول الوقت ليكون متعاطفا بشكل متساو مع جميع الأطراف في أي صراع، وهو موقف عنيف.

- أنت تتحدث بشكل فيه مفارقة.

- أبدا. لأن هذا الادعاء بتقسيم العدل بشكل متساو بين جميع الأطراف بالضرورة سوف يظلم الذين معهم القدر الأكبر من الحق، لصالح الذين معهم قدر أقل من الحق (دائما هناك طرف معه قدر أكبر من الحق). لأنه يطلب من الذين مهم قدر أكبر من الحق (بمعنى المظلومين أكثر)، أن يكبحوا أنفسهم وأن يتقبلوا بتسليم تسوية غير عادلة، باسم توازن ما مقدس وهش.

- أحيانا تكون الحياة أكثر تعقيداً من أن تنقسم بين أبيض وأسود.

- هذا التعقيد هو امتياز الأحرار والشبعانين. من تصرخ بطنه من الجوع وهناك حذاء مكسو بالمسامير ملقى على رقبته يرى الحياة ببساطة تامة. المطالبة بأن أكون معقداً، وبالتالي أن أخفي الظلم الواضح، البارز، هي مطالبة عنيفة، أكثر عنفا بكثير من الفعل الساتيري.

- على الأقل هي مصاغة بهدوء. الناس يفضلون أن يتم التحدث إليهم بشكل جيد.

- الناس يفضلون أيضا أن يأكلوا لحم الخنزير والأيسكريم بالكريمة والتحديق في برامج التسلية التليفزيونية. الساتوري لا يعمل عند "الناس" ولا يأخذ منهم مرتبه.

- ولكنه يريدهم أيضا أن ينصتوا له، أليس كذلك؟ هو لا يريد أن يهرب الجمهور منه.

- إذا دخلت فكرة جديدة إلى جمجمة الجمهور قبل أن يهرب، فهذا كاف. الساتوري لا يريد من الجمهور البقاء، البقاء المتواصل بجانبه سيجعل الساتوري يشعر فقط بعدم ارتياح مؤذ.

- هذا شعور متبادل.

- ممتاز. لصالح جميع الأطراف.

- لا يبدو لي أن هناك من الجمهور من سيرغب أبدا في البقاء مع ساتوري كهذا.

- هذا واضح. لأن جوهرة تاج الساتورا الممتازة هي بالطبع هذه: إدانة القارئ.

- ظننت أن المقصود هو إدانة الأقوياء.

- صح، ولكننا لن نترك القارئ بريئا. عليه أن يشعر في مكان ما بأنه شريك في الظلم أو النفاق الذي تهاجمه الساتورا. هكذا يجعل الساتوري القارئ يعمل ضد نفسه. وإلا فليس هناك من مستقبل للكلام عن "الإصلاح"، فالأقوياء في الواقع لا يسعون بالطبع لقراءة الساتورا.

- من الذي وضع في يد الساتوري سلطة الإدانة أصلا؟

- نفس القارئ بالتحديد. الساتورا تدين الشر في الإنسان باسم الخير في الإنسان – نفس الإنسان بالضبط. وحتى لو كان الشر هائلا والخير صغيرا – فالساتورا سوف تجد لها نقطة أرشميدس التي تحرك بواسطتها الأول بواسطة الثاني.

- يبدو أحيانا أن الساتوري لا يعتقد بوجود الخير في الإنسان.

- أنت تخلط بينه وبين الشخص العدمي. ليست هناك ساتورا عدمية.

- على أي حال، فالساتوري ينجذب إلى القبح، بل وينصهر معه بشكل مَرَضي بعض الشيء.

- هذا نوع من التمرد على طغيان الجمال.

- ربما يكون من المناسب الكف عن شعارات الزن هذه.

- هذا اضطرار. شرب السم بجرعات صغيرة ومركزة. على أي حال، الساتوري يتشكك من البداية في الناس ذوي الأحاسيس الجمالية المبالغ فيها. حيث أن الحساسية الجمالية ("أوه، كم أن هذا فظ وقبيح!") تستخدم مراراً لتحييد وخز الضمير، لخلق حاجز محايد بين الظلم وبين المشاهد. القبح يستخدم كحجة كاملة لتوجيه النظر بعيداً، لذا فالساتورا تقوم برفع القيمة البصرية للقبح إلى درجة الإعجاز.

- هناك سؤال عما هي القيمة الأخلاقية السامية لهذه الدرجة في الإحساس بالقرف.

- هذه مسألة ذوق. بنفس القدر، هناك سؤال عما هي القيمة غير الأخلاقية في الإحساس بالسمو الجمالي.

- أنت تلعب بالكلام.

- الساتوري يشمئز من اللعب بالكلام. بشكل عام، الكلمات في رأيه تتمتع بتوقير مبالغ فيه. هو يفضل أن يراها تعود لأبعادها الأكثر تواضعا.

- كيف؟ إذا كانت الكلمات هي سلاحه الأساسي.

- وسيط ليس إلا، ليس أفضل ولا أسوأ من الوسائط الأخرى. الناس يطورون علاقات حميمية بشكل مخيف مع الكلمات – فترات الصمت، الغضب، الامتعاض. كل هذه عوائق أمام الساتوري، الذي يسعى لإبعاد القارئ عن قيود سياقاته الشخصية، وجعله ينفتح أمام العالم. وهناك بالطبع الحنبليون.

- من؟

- الذين يصرون على تمييز الفتحة من الكسرة. دائما سوف يجدون طريقة للتنصل من رسالة النص والتركيز على الاستخدام "الصائب" أو "غير الصائب"، "الدقيق"، أو "غير الدقيق" لكلمات معينة. تحدثهم عن الأخلاق، وهم يردون عليك بعلم الدلالات. لن يثير بهم أي جندي تحول إلى قاتل ذلك الغضب الذي يردون به على فتحة تحولت إلى كسرة ضالة. هذا نوع من العمى الإرادي تم الحصول عليه هنا، مثل علم الجمال.

- إذا كان ذلك كذلك، فالساتوري يكرس جهده لتمزيق الغلالات التي تحجب بين الضمير وبين الواقع.

- الآن أنت تخطأ في حجم الادعاء. الساتوري لا يمكنه افتراض أن جميع قراءه يتمتعون بالضمير.

- ولكن إذا كان حرفته يائسة لهذه الدرجة! فلسوف ينزلق بسرعة في طريق العدمية.

- ليس بالضرورة، يمكن للساتوري أن يفترض على الأقل أن قراءه يتمتعون بعقل سليم وباستياء غريزي من التناقضات. لهذا فهو يضعهم أمام التناقضات التي يفضلون نسيانها، ويجبرهم على الاختيار.

- ولكن إذا كانوا بلا ضمير، فـ....

- ليس هناك ضمان بأنهم سوف يختارون العدل أو الظلم. صحيح، وحتى الآن فالساتوري يفضل الاختيار الصريح للظلم، الاختيار الذي يتم في نور النهار، عن الاختيار الذي يتم في الظلام وتغطي عليه الكلمات الحلوة. مصارعة عدو ظاهر هي أكثر سهولة وإخلاصاً من مصارعة عدو خفي ومضلل.

- مرة ثانية: "عدو"، و"مصارعة"، مرة ثانية هذه الروح الصارمة والممرورة. يبدو لي الساتوري ككائن معزول، شائك وبائس.

- يبدو لي المحاور ككائن فضولي وتواق للمعرفة.

- كلام فارغ. هذا عمل يبدو كما لو كان عن عمل آخر.

- بالضبط.

- يقوم به أناس عاديون، لأسباب عادية، ليس من أجل الوصول لشيء ما.

- بالضبط.

- لا أعرف إن كان هناك شخص سيقرأ هذا الكلام؟ هل سيفهم؟ هل سيرد؟ لا. ليست لدي فكرة. ومع كل هذا فأنا أواصل محاورتك. مثل أحمق يفكر أن الناس يعملون كي يحققوا إنجازات. الناس يعملون حتى يعيشوا. ويعيشون... ليس بسبب.. ليس من أجل. يعيشون من أجل الحياة، نعم نعم – الحياة! الحياة هي الموضوع ذاته. كم أن هذا مخيف.

- بالضبط، فهمتني. هل يمكنني الذهاب؟