Monday, 12 April 2010

ولكن ثدييّ لن أسمح لأحد بأن يعضهما

أميرة هاس، واحدة من أهم الشاعرات الممتثلات للشرق في إسرائيل ولفكرة "النسوية الشرقية". من أصل عراقي، ولدت في بغداد، وهاجرت لإسرائيل عام 1951، كتابها الأول "وقمر يقطر بالجنون"، فاز بجائزة لوريا. نشرت قصائدها في دوريات أدبية، مثل "عيتون 77"، "موزنايم" "هاكيفون مزراح"، وتمت ترجمتها للإنجليزية والألمانية واليونانية والأسبانية والروسية. تسكن اليوم في القدس. القصيدة الأولى المترجمة هنا منشورة في موقع "مآراف"، والثانية منشورة في "هاآرتس". وللتوضيح ليس إلا، فهي ليست الصحفية بهاآرتس والتي تقوم بتغطية أخبار السلطة الفلسطينية، عاميرة هاس. العمل الفني المرفق بالقصيدة الأولى هو للفنان السوري ابن قرية مجدل شمس بالجولان المحتل، فهد حلبي.



أميرة هاس

ترجمة: نائل الطوخي

ولكن ثدييّ لن لأسمح لأحد بأن يعضهما

قلبي من الغرب يصرخ يا شرق يا شرق

أشرقتَ علينا وأظلموك

أشرقت علينا وكبش فداء جعلوك

كس أمك

كس أمي هو رحم رائع

قيل عن بوسيها أنه تافه..

وانا البوسي كات

أنا تهتُ في أنحاء الجحيم

أبحث لي عن حضن يد ممدودة

ولكنهم مدوا سيفا باتجاهي

وأنا بالرماح سأتحدث

وسأفتح فم التنين:



دراكولا يتحدث بالمسمارية الآن

يرسل

نار الجحيم

في أنحاء صحراء الأرواح

الباحثة عن مادة

المتلونة في عيون الأطفال الصغار

والذين استطاعوا أن يصبحوا أطفالا جيدين

ناجحين

يتدفقون كالنهر

ولكن

مثل قرصة الوشم



أجواء شريرة

تخلق لدى الطفل مخاوف بلون الرهبة

هذه ليست رهبة مقدسة

في أرض المسامير المثبتة على شرائح الروح المحترقة.

قل أن أطفالاً يزعقون: يا عرص

أطفال يزعقون يا فريحة[1]

عن أي فريحة سيقولون فريحة، هل عن تلك من قازاخستان

أم تلك التي تبدو مثل وردة مفقودة في الجدار الشرقي للدولة؟



عن أية دولة يتحدثون

عن زوجة أب تقتل السكان

وتثير غباراً في لبنان

وتحول الرياح إلى شراميط تزني من تلقاء نفسها

وأنت لا ترى إلا الكراهية في العيون؟

لأنك تسكن بداخل شعب الأشباح

ولا تفكر

لأن تريد التفكير في أننا تداوينا

أننا ضُمدنا

أننا لِنّا بدون زيت حتى

وأيامنا محروقة بالنار

***

يا ناس هذه ليست قطة في الحقيبة[2]. أرواح تمت عبرنتها لتصبح عمياء في الطريق، انفتحت فجأة لترى:



عينان محترقتان. هنا يبكي يهودي حقير

صغير وبائس



قصة حكتها لي أختي عن عروض الأفلام التي قامت بها أختي الكبيرة أوضحت لي قصة أخت أخرى، ليست من لحمي ودمي. الدبة الكبيرة. وقد قمت بتضفير الواحدة بالأخرى، ورأيت الخطوط المتعرجة التي يحاول الناس ربط نفسهم بها بيننا: بإدخال كائنات مثل ليبرمان بيننا. روسيا لن تكون في مكان أختي. هي ليست من العائلة، وهو لم يرضع من حلمتها اللبن البودرة المتبقي. لقد أخذنا جميع خبز المعبد الخاص بنا. ولكن ثديي لن أسمح لأحد بأن يعضهما. ليحترس الجميع. دير بالك[3].

مَن هذا، الرجل الذي بلا قضيب. من هو القضيب الممحو الذي قفز على قضيب شارون قبل أن يدخل في الغيبوبة. هذا هو شارون الذي كان بلدوزر ذات مرة. وأراه الرب أنه في كل إنسان، ولا يفرق وزنه، ثمة انهياراً داخلياً. عندما راح منه الزب، عندما راح من أولمرت، زبه المستعار، المتخيل، ارتبك، بحث ووجد بيضتين[4] من الحديد. وقام بأخذ ليبرمان، الذي لا نعرف من هو. سوف يأخذ أولمرت قضيبا فعلاً، ولكن على حساب من. ليس كل الناس مستعدون للتراجع.

شارب بيريتس، بيضتا الليبرمان ونقود جايدماك، التي سوف ترن في آذان الكل، وسوف يكون هنا بيج بيج سون أوف آ بيتش بلا ساعة. فقط ضجة قوية في المدينة.

مرتاحو البال لا يسمعون الضجة. الشعراء الدجالون يجولون في مشكنوت شأننيم[5]، يقيمون مهرجانات. احتفالات.

يجولون بعيون كاذبة مدنسة، بشفاه مدهونة بالفودكا. يحسنون شكلهم بشد وجوههم، وبالشد بشكل عام، بما فيه الأرواح، لتصبح مثل البسكويت الناشف-

يحلقن بخيالهن، في إحدى صالات الجيم البائسة، يحاولون تقريب أجسادهم وأرواحهم من روح الرب. حاشا لله. حاشا لله. لا إله إلا الله[6]. لتحل عليهم غرامة ممتلكات الأرواح، ليقولوا لهم: السارق عقابه الشنق. لن تقوموا بعد ذلك بشنق الضوء والنيون اللذين يصرخان بأسمائكم في هذه القبور المظلمة الرهيبة.

السارق عقابه أن يشنقوا أحشاءه حتى تتيبس، ويطبخوا أمعاء محشوة بحجارة أساس روحه الصلبة. ليست هنا روح. في مشكنوت شأننيم شعراء متآمرون يصنعون ألحانا على أوتار بقايا الحريق.

ولكنني أنا الشبح الميت لحزقيال النبي، والذي تهاجر روحي حتى هنا، حذرت جميع الفروع العفنة، أن أغصانها هي عش الديك. ديك ينادي على الدجاجة.

لتبكروا في الصباح وفي الظهيرة حيث الشمس تحرق بشدة الهند تركيا. ومن الداخل ليأكلكم أساس روحي حديدي. دمار ألمونيومي وهليوني وليس من غاز نقي يفوح من أبخرة الفودكا.



شخصية غير مبنية لتوائم هذا الواقع

وقفت في المطبخ لكي أطبخ، حيث سقطت زجاجة الكاتشب وتحطمت. صوت التحطم، الشظايا واللون الأحمر الذي اندهنت به أرضية المطبخ أسرى الرعشة وضربات القلب باتجاه أدوات الكتابة، الموجودة في الغرفة القريبة. النتيجة كانت القصيدة الآتية التي أستشهد بها من ذاكرتي، نسيت بدايتها ونهايتها كذلك. تمت كتابة القصيدة في بداية الثمانينيات:

... وفجأة سقطت الزجاجة وتدمرت

وسائل أحمر غطى الأرضية وغطى يدي

أنا خائفة الآن.

نهر دجلة والنيل ينزفان الأحمر

رجاءً، بلا معجزات وعلامات

فقط بلا علامات.

وما هي الأنهار، بينما فقط زجاجة هي ما تحطمت.

لا تقم بإرسال الغضب

وها أنا أقف

كل واحد من كفيّ بجانب الآخر

أنظف الشظايا

انجرحتُ بخفة، بخفة شديدة.

وفجأة بدأت في قول كلمة حيث كنت خائفة

وبدأت في المتابعة والقول:

ضفادع، قمل، برد[7]

قادم الكثير من البرد ليغسلنا

ويصنع أنهارا رائقة

بحيرات شفافة

أناساً يتحركون يتحركون

ويستكينون في أنهار ذهبية

رائحة أتذكرها

وأضواء إحدى الليالي

التي لن تهرب مني في نهر نازف.."

عندما كُتبت هذه القصيدة كنت في مرحلة "وكان كنار محبوسة في عظامي..." اليوم، إذ أصبحت شخصا أكثر وعياً مما كنت، أميل لتفسير "وكان كنار محبوسة في عظامي..." بالنظر إلى الأوضاع النفسية والبدنية والصوفية التي انضفرت سويا لتشكل مادة مشتعلة في مرحلة الإبداع.

كنت في الولايات المتحدة عندما اتصل بي زوجي وحكي لي عن موت داليا رابيكوفيتش. بعد صمت طويل، انخرست فيه الكلمات من فمي، أجبته وأنا أبكي: "لن تفهم بكائي، نحن الشعراء مثل عائلة واحدة. لا أعرف إن كان هناك من يمكنه الفهم" (وفهم هو).

عندما عدت للبلد وقرأت في ملحق "شفعاه ياميم" التقرير الذي حفظه لي زوجي كي أقرأه لدى عودتي، شعرت أن كل كلمة تقريباً قالتها داليا رابيكوفتيش كان يمكن لها أن تخرج من فمي. وضع الانقطاع، عدم الانتماء، الهشاشة، الإحساس بأنه يمكن لك أن تتحطم في أية لحظة. مثل الزجاجة في القصيدة. معنى انكسارها وقتها عبر عن "وضعي الزجاجي"، الخوف من الانكسار، الانشراخ، القابلية للجرح من أي حدث ولو كان أخف الحوادث. عندما يكون الجسد والروح في الوضع الشفاف للماس، فإن الإنسان يرى من خارج الشفاف ومن داخله. الشفاف هو إناء للمرايا التي تجتمع بداخله كل نصف ثانية. أحيانا تخرج في عملية تسامِ على هيئة قصيدة أو إبداع ما، وأحيانا ينشرخ من المرايا ومحتوياتها. ويمكن القول أن الرجل الزجاجي يرى كل شيء في نفس اللحظة، أحيانا من كثرة المرايا يرى الناس كل اللاشيء. وكل اللاشيء هو لا شيء. هذا الرجل الزجاجي هو أيضا الأرضية الزجاجية لنفسه.

في يوم ما بالمدرسة الثانوية درسنا موضوع تعبير. عندما انتهيت من قراءة موضوعي قال المدرس، وهو السيد موشيه هيلمان يرحمه الرب: :"هذه الشابة لا تنتمي لقرننا. في سن الخمسين سوف تجري في الحقول وتقرأ القصائد."

عندئذ لم أكن أعرف أنه فعلا، فإن الناس في حياتي القادمة سوف يتعاملون معي كشاعرة. الحقيقة هي أنني أبداً لم أعرف نفسي. أبدا لم أعرف من أنا. وأيضاً ليس واضحاً بالنسبة لي ما معنى أن يكون المرء شاعراً. بدرجة ما أنا شخص قتالي وأحب الشجار مع نفسي، وضد نفسي، وخارج نفسي. أنا ببساطة في الخارج.

في طفولتي كتبت قصائد وفي واحدة من أوقات الغسق، وهو وقت هش مليء بالحنين والشوق لأي شيء "لا تصله اليد"، كتبت قصة أسميتها "شجرة الوحدة".

ومثل هذا، فقد قدمت لمدرسي في المدرسة الثانوية أنواعاً من المحاضرات التي طولبت بإلقائها في مواضيع معينة. تحولت هذه المحاضرات لموضوع مختلف تماما، نبع من داخل أعماق قلب "الرجل الزجاجي". ملاحظات مثل ":حسناً، لقد كتبتِ أشياء مثيرة للاهتمام، ولكنها لا ترتبط بالموضوع"، أطلقها المدرس الذي نظر إليّ نظرته إلى كائن غريب.

لكي أختصر في موضوع العمل الأول ومعناه وقتها واليوم، يمكنني القول: "لقد نبع من حتمية شخصيتي أو كياني الشاذ. شخصية غير مبنية لتوائم هذا الواقع. وهذه الصعوبة ربما تُنتج ما لا أعرفه بوضوح أحياناً. أنا شخص لا يعرف. أحاول ضبط التفاهمات أو إساءة التفاهمات، داخل التعقيد الذي يبدو أحياناً بسيطاً للغاية، إلى درجة مخيفة."



[1] الفريحة لفظ عبري حديث مأخوذ من لكنة يهود المغرب، لفظ عنصري يشير للمرأة المبهرجة ذات الصوت العالي، ويستخدم حصرا لوصف المرأة اليهودية ذات الأصول الشرقية.

[2] اسم برنامج إذاعي للأطفال تم بثه ما بين 1970-1986.

[3] تكتب الكلمة العربية بحروف عبرية. "دير بالك" هي واحدة من التعبيرات الفلسطينية الدارجة في العبرية الحديثة.

[4] مثلما في بعض العاميات العربية، فالمقصود الخصيتان.

[5] واحدة من مشاريع الاستيطان (مشاريع التطوير بحسب الوصف الإسرائيلي) الأولى في مدينة القدس الجديدة وهي الحي اليهودي الأول في فلسطين خارج حدود مدينة القدس القديمة. تلعب الشاعرة على التشابه اللفظي بين كلمة "مرتاحو البال" وهي بالعبرية "شأننيم" وبين "مشكنوت شأننيم".

[6] بالعربية بحروف عبرية.

[7] استرجاع للضربات العشر التي عاقب بها الرب المصريين في العهد القديم.



Friday, 9 April 2010

سار في الحقول

نشرت رواية "سار في الحقول" لموشيه شامير، لأول مرة عام 1947، وتحولت إلى واحدة من الأعمدة الرئيسية للأدب العبري في القرن العشرين. تصدر منها هذه الأيام طبعا جديدة في سلسلة "شعب الكتاب – النثر الإسرائيلي" التي تنشرها دار "يديعوت سفاريم." هذا الفصل من الرواية تمت ترجمته نقلا عن صحيفة "يديعوت أحرونوت"

تدور أحداث القصة في إطار صهيوني عام 1944، حول قصة حب أوري وميكا. في خلفية الأحداث يتصارع المستوطنون اليهود في فلسطين مع الفلسطينيين من أهل المكان ومع البريطانيين من الناحية الثانية، قبل إعلان قيام دولة إسرائيل. تصف القصة حياة أوري، الجندي بالبالماح، وحبه لميكا، وهي فتاة مهاجرة حديثا لإسرائيل، انتهاء بموته التراجيدي في ساحة المعركة. أوري هو صبار (يهودي مولود في فلسطين)، ينتمي للكيبوتس ويبلغ 19 عاما. واثق من نفسه ويشعر بالتزام عميق تجاه "أرضه" وعائلته وأصدقائه والمهام العسكرية الملقاة على عاتقه. على النقيض من ميكا، وهي القادمة حديثا من بولندا، لاجئة لا تملك شيئا، تأتي من "هناك" (الهولوكست لا يتم ذكره صراحة في الكتاب). ميكا وأوري يرمزان للتقسيم التنميطي الذي صنعته الصهيونية بين اليهودي الصبار المولود في فلسطين، وبين اليهودي الذي يعيش في "المنفى"، حيث الأخير خانع دائما، يميل للعزلة، متردد، على عكس الأول الواثق من نفسه والذي يؤمن بأنه يحقق حلما قومياً. الحوار بين ميكا وأوري يبدو كحوار بين أصمين. هي تتحدث عن رغبتها في الخصوصية، في غرفة أو على الأقل في زاوية تخصها، وهو يتحدث عن الجرار الذي يتمناه، عن حيرته بين التوقف عن العمل في القطاف أو الانتقال إلى عمل آخر. أوري صهيوني يؤمن بالجيش بينما ميكا تعارض ذهابه للبالماح. هكذا خلق شامير النمط الذي ظل سائداً لعقود، ولا زال، في إسرائيل، بين الصورة السلبية لليهودي الذي يرفض الهجرة لفلسطين، أو يهاجر متأخرا، وبين الصورة المشرقة والإيجابية لليهودي المولود في فلسطين. وبالإضافة لهذا، تقوم الرواية، التي يمكن اعتبارها رواية "صهيونية" بسهولة تامة، بالتمجيد من شخصية الجندي الإسرائيلي، وإظهاره كضحية طول الوقت.


موشيه شامير

ترجمة: نائل الطوخي


افتتاح في القنطرة


في القنطرة كان الجو مساء، ولكن العريف العجوز، رمادي الشعر، كهانا، لا يزال يفرك في يده عدد الصباح من الجريدة العبرية. في الخارج كانت المحطة الحدودية صاخبة. القاطرة تنفخ في مكان ما للداخل، كأنها تسعى لطي العالم كله. صبايا سلاح المعونات يقدمن مشروبات وسندوتشات في منطقة الكبائن بالمحطة. أما العربات فكانت خاوية تماما. اندهش من عدم تبقي حراسة على الأغراض.

ولكن العريف العجوز كان مغروزا في مكانه، يمد ساقيه أمامه إلى ما تحت الأريكة على الطرف المقابل ويعجن الجريدة في يده. فجأة علا صوت خطوات إيقاعية وسريعة. الشرطة العسكرية تدخل في عملية الفحص. على الفور ستتردد صافرة القاطرة وسينحشر الجميع داخل العربات، يمضغون، يضحكون ويزعقون. كاهانا العجوز قرب العدد من نور المصباح الأزرق. في طرفه كان هناك المربع الأسود.

أغلق عينيه. المربع الأسود كان على خلفية صفراء فاقعة. بدا وكأنه يهمهم بالخبر بعينين مغلقتين: "أوري – مات متأثرا بجراحه – الخبر تأخر – مات وهو يبلغ عشرين عاماً – من أبناء المكان – أبوه – من مكان ما."

كان يعرف أنه على الناحية الأخرى للجريدة يزدحم عمود من الأخبار المغطاة بالأسود. لم تحتمل أمعاء يوسل برومبرج، ولذلك جاء خبره صغيراَ ومضغوطاَ. مكتوب فيه: "نحن معك في حدادك يا كاهانا على أورينا. يوسل." خبر "التجمع الزراعي للإمداد" كان أكبر. يتذكرونه منذ كان يشتري الجرارات من عندهم من أجل مزارع البلد كلها... عمود طويل، هزيل ورفيع، من الأخبار السوداء وفي جميعها يبرز المربع: أوري، أوري – أوري.

ماذا حدث، ماذا الذي كان يدور من تحت ابتسامات أوري، ونظرات ميكا؟ ربما سمعت، يا كاهانا، أحاديثهما الليلية، ربما تنزهت معهما في الغابة، أو ذهبت معهما لعرض يومي في المدينة؟ كيف كان ابنك – هل كان حاداً، رجولياً، عارفاً، أم ساذجاً وأحمق كطفل رضيع؟ من هي ميكا؟ امرأة؟ طفلة؟ هل كانت ترغب بكل هذا؟ هل رأيتها عارية مرة؟ كيف هي كامرأة، كيف هي كامرأة رجل – لا تعرف، صح؟

وكيف كان أورِيكَ كرجل؟ لا تعرف لماذا مات أوري. لا تعرف لماذا أحب ميكا، وهي غير جميلة إطلاقاً، ولا تحتملها أي من عاملات المطبخ، وينمّ عليها الجميع دائماً، وأنت لا تعرف لماذا أحبها. وربما لم يحبها، وأنه في الحقيقة لم يكن يحبها.

وابنك- انظر هنا: طفل مدلل كأوري، واحد من الشباب يعني، وفجأة تأتي امرأة (طفلة تبلغ عشرين عاماً!) تقدم له حياتها. ولكنها تقدمها! هذا القليل هو من أجل شخص ما – العالم ملآن. وهو يموت فجأة. ويموت هكذا بحيث أن شيئاً ما يحيطك إلى أن تختنق وتعترف: أنك لم تكن تعرف.

متأخر جداً، يا عريف كاهانا. القطار يصفر ويخرج إلى داخل الليل المظلم [2] الثقيل والأسود. الجميع يتحركون في القطارات ويعودون من الأجازة. يعود شخص ما للمعسكر بكارثة جديدة في قلبه. وأنت لا تعرف شيئاً. أي دفء يتسلل لقلبك عندما تفكر في الكامب، في قرية الكامبات الواسعة في الصحراء.

ماذا تبقى في البيت؟ ما أهمية هؤلاء الذين تبقوا؟ يا رب العالمين – العجوز – أية مشاعر مدنية لعينة! أخلى العريف كاهانا مكانا للزنوج ليجلسوا معه. سحبوا سندوتشات من جيوبهم المنتفخة ومضغوها بأفواه كبيرة. نظر العريف من النافذة إلى قلب الليل. ركض القطار، مظلماً ومعتماً.

فقط في الداخل، بعيداً، انفجرت سحب وبرق من بلعوم ما خفي. ضربت النسمات الصحراوية العربات، وانطحن رمل دقيق بين الأسنان، مضغ العريف الرمل وأنصت بعينين مفتوحتين لصوت انجراشه بين فكيه. مد كاهانا يديه إلى خارج النافذة، كمن يريد استقبال هدية تلقيها السماء من أجله. لم يهبط أي شيء باتجاهه. بالعكس. انزلقت الجريدة من يديه، وطارت على طول النوافذ المظلمة، والآن هي لا تزال مبيضة.

__________________________________________________

ولد موشيه شامير عام 1921، ومات عام 2004. أديب ومسرحي وسياسي وكاتب مقالات، وواحد من أهم الأدباء الإسرائيليين في العصر الحديث، وعضو في الدورة التاسعة للكنيست عن حزب الليكود. ولد شامير في صفد، وفي عام 1924 انتقلت عائلته للسكنى في تل أبيب حيث نشأ هناك. في عام 1934 انضم إلى حزب هاشومير هاتساعير، وبعدها بخمس سنوات انضم للقيادة الرئيسية للحزب. حيث حرر الصحيفة الناطقة بلسان حاله "عال هاحوماه".

خدم في البالماح "كتائب الصاعقة بالجيش الإسرائيلي قبل 48"، ونشرفي هذه السنوات إبداعه الأدبي في صحيفة "ماشمير"، كما نشر إبداعات أخرى في كتيب "يلكوت هاريعيم"، وفي عام 1948 أسس المجلة الناطقة بلسان الجيش الإسرائيلي "بامحانيه"، وحررها حتى عام 1949". تم عزله من الجيش بطلب من بن جوريون بسبب تقرير نشره عن احتجاجات ضد تفكيك "البالماح"، وفي الخمسينيات أصبح عضو هيئة تحرير "معاريف" وحرر القسم الثقافي فيها.

أصبح واحدا من رؤساء حزب "لاعام" في "الليكود"، وتم انتخابه ممثلا عنه في الدورة التاسعة للكنيست عام 1977، حيث عارض اتفاقات كامب ديفيد، وعلى خلفية هذا قدم استقالته من الليكود في نهاية 1979.

ومن كتبه: "سار في الحقول"، 1947، "تحت الشمس"، رواية سيرية، 1950، "واحد صفر لصالحنا"، 1951، "ملك من لحم ودم"، رواية تاريخية، "الحدود"، "الوريث"، "المكان الأخضر"، و"قصص بثلاثة أصوات".


[1] التعبير الأصلي ليس "الليل المظلم"، وإنما "الليل المصري". وهو تعبير توراتي أتي في سياق الضربات العشر التي أوقعها الرب بالمصريين، ينسب الظلام إلى مصر: "ظلمة مصرية".

Saturday, 3 April 2010

السيد عالَم

تنفجر مركبة رجل الفضاء الإسرائيلي، بابا رامون، في الفضاء. ينجو من الحادثة ويكتشف لديه قوى خارقة تمكنه من تحقيق أفكاره ورغباته. هذه هي الحبكة الأساسية لمسرحية "السيد عالَم" والتي كتبها ليئور ووترمان ويوناتان ليفي، وتتوالى الأحداث في إطارها: يخلق بابا رامون محطة فضائية تسكن فيها ابنتاه، فسوطة ومصمص، بالإضافة إلى طبيب المحطة توفيق. تختطف الكائنات الفضائية مردخاي إلى المحطة. يجد نفسه بعيدا عن كوكب الأرض. لا يعرف أين هو ولماذا. يبدأ في الدراسة من جديد ويطالب بوسائل عنيفة بأن ينسى هويته القديمة وينتقل لمرحلة جديدة، فيما يشبه محاكاة ساخرة للمشروع الصهيوني الذي يطالب اليهود القدامي بنسيان هويتهم القديمة كيهود من بلدان مختلفة والانخراط في مشروع إسرائيلي جديد. يبدأ مردخاي في ممارسة علاقات مركبة مع ابنتي رامون. يحكي ليئور عن المسرحية في موقع "عخبار هاعير" قائلا: "هذا عمل ينتمي للخيال العلمي بشكل ما. ولكن التأكيد هنا ليس على العلم والتكنولوجيا ولا المجتمع اليوتوبي القائم على التكنولوجيا وإنما عن اختلاقية الذهن." ويضيف: "في القصة الإطار للمسرحية فإن رجل الفضاء بابا رامون يهرب إلى اللا نهاية بعد انفجار المعبرة كولومبيا. في ظروف معينة ينجح في إجراء تحول يمكنه من تطوير قدرة على الخلق. أفكاره ورغباته يمكن أن تتحقق في الواقع. في المحطة الفضائية يخلق ابنتيه، فسوطة ومصمص، وهما اسمان لقريتين عربيتين."

المشهد المترجم هنا من المسرحية، منشور في العدد الرابع من مجلة "معيان" المستقلة. والصور لمشاهد من العرض قام بالتقاطها آيال لاندسمان.


ليئور ووترمان ويوناتان ليفي

ترجمة: نائل الطوخي

مشهد 5: مُصمُصيا

رامون: هنا بجوار مذبح الطيور، أبني مدخنة باردة، للحم. ما رأيك؟

مردخاي: بابا؟

رامون: جذع واحد من جوز البقان الصيني يجعلني أسعد إنسان في العالم.

مردخاي: يقال فعلاً أن جوز البقان الصيني هو الأفضل في التدخين.

رامون: جذع بلوط أحمر. ولكن بينما اللحم حلو بشكل طبيعي، فحتى البقان الصيني يعطي انطباعا جيداً.

ولكننا في الفضاء يا مردخاي. لا جذع بلوط أحمر ولا بقان صيني.

مردخاي: هذا للانشون؟

رامون: فتحت الباب لك يا مردخاي وبنية صافية جعلتك تسحر الجو في هذا المكان. لم أولد بالأمس يا مردخاي، كنت أعرف بالضبط ثمن هذا. بكلمات أخرى، يا مردخاي، أنا أعرف أنك تنام مع ابنتي.

مردخاي: هذا غير صحيح، بخصوص ماذا تتحدث؟

رامون: أراك يا مردخاي.

مردخاي: لم أنم معها.

رامون: مع من؟

مردخاي: مع ابنتك.

رامون: مع من.

مردخاي: مع مُص...

رامون: مع مصمصصصصصصصصص. طيب، كيف تنيك مصمص، ابنة رامون؟

مردخاي: لم... أنك.

رامون: من ناحيتها فكل هذا قد حدث، يا مردخاي، هذا حدث فعلاً. ماذا قلت لها؟

كيف اقتربت منها؟ هه تكلم!

مردخاي: أنت مخطئ...

رامون: تحدث معي مثلما تحدثت معها يا مردخاي. ابدأ معي مثلما تبدأ معها. أنا الشابة، أنا مصمصصصص. إغوني.

مردخاي: أبدا معك؟

رامون: (يصمت).

مردخاي: هيي.. هيي (يبتسم) أنا... أشعر بأشياء غريبة تجاهك...

رامون: ممل. بطيء جدا. فاتر. لا تكذب. خذني من هنا يا مردخاي، اربكني، اجعلني أنسى كل شيء.

مردخاي: مصمص (ينظر إلى عيني رامون) أنت جميلة.

(رامون يهز رأسه. تدخل مصمص وتجلس على ركبتيه).كما قلتها لي قلها لها.

مردخاي: أنت تجعلينني أتذكر أشياء، أشعر بالحنين.

مصمص: لمن تحن يا مردخاي؟

مردخاي: لنفسي. للعالم. كان هناك عالم.

مصمص: أنت تربكني.

مردخاي: أنت تعجبينني.

مصمص: هذا لا ينفع، أنت ببساطة لا تعرف حتى من أنا في الحقيقة.

مردخاي: أعتقد أنني أحبك.

مصمص: هل قلت هذا لأختي أيضاً؟

مردخاي: انظري. فسوطة مذهلة. أنا فعلا أقدر أختك، ولكن عندما نحب مصمص فهذا قد يكون قاسيا ضد من بخارج الصورة

رامون: ممتاز.

مصمص: مردخاي أنت تربكني.

مردخاي: أنت تعجبينني.

مصمص: هذا لا ينفع، أنت ببساطة لا تعرف حتى من أنا في الحقيقة.

مردخاي: أعتقد أنني أحبك.

مصمص: ماذا كنت ستفعل معي؟ الآن؟

مردخاي: كنت سأقرب عيني من عينيك، أتطلع إليك من قريب... كنت ملتصقا بك...

مصمص: "كنت كنت" افعلها معي، المسني!

مردخاي: أنا ألصق جسمك بجسمي وأقبلك.

مصمص: أين؟

مردخاي: هنا.

مصمص: وهنا؟

مردخاي: وهنا أيضاً.

مصمص: وأنا يا مردخاي... وأنا؟

مردخاي: تسري بداخلك موجة ساخنة كأنها الكهرباء. تبدأ في التلوي والسخونة، مثل الأفعععى-

مصمص: لا أفهم ما يحدث لي يا مردخاي، بابا، ماذا يفعل لي؟ ماذا يحدث في جسمي؟ أريد أن نذهب، أن تأخذني من هنا.

مردخاي: إلى أين؟

مصمص: لا أعرف، لبيت جدك، هل يوجد هناك دش؟

مردخاي: لقد مات في هذا البيت، لا أستطيع الدخول هناك.

مصمص: توقف، لا يمكنك أن تتركني هكذا، لا أعرف أنك تؤمن بهذه الحماقات.

مردخاي: عن أي شيء تتحدثين؟

مصمص: عن الأرواح وهذه الأشياء –

مردخاي: أنا لا أؤمن بأي شيء... هو ببساطة إحساس غير مريح أن أذهب بالتحديد للسرير الذي مات فيه جدي.

مصمص: أي سرير؟ أنا فعلا أريد أن أعمل بيبّي يا مردخاي، تعالى نخرج. أريد الذهاب للحمام. واو، توجد نقود هنا، لحظة، يوجد هنا حوالي 400 شيكل.

مردخاي: يبدو أنها تبقت منه.

مصمص: ماذا نفعل بها؟ (صمت) أين أنت يا مردخاي؟

مردخاي: أنتظرك بالأسفل.

مصمص: لا أريد أن ننام.

مردخاي: أنا أعريكِ.

مصمص: أنت تمسك شعري.. اتركني.. شيت!

مردخاي: ماذا؟

مصمص: هذا أبي.

مردخاي: لا تردي.

مصمص: علي أن أرد. بابا؟

مردخاي: (يهمس ساخرا) "بابا".

رامون: أين أنت؟

مصمص: خرجت.

رامون: مع من؟

مصمص: خرجت وخلاص، مع توفيق.

رامون: آه. أعطيني إياه لحظة.

مصمص: لقد ذهب للحظة.

رامون: أين ذهب؟

مصمص: ذهب لإحضار كيلوتات لي.

رامون: كيلوتات في منتصف الليل؟

مصمص: هذا موضوع بناتي لا تفهم فيه شيئاً.

رامون: طيب، ليعيدك بسرعة. حافظي على نفسك.

مردخاي: ماذا، غريب ما يحدث هنا.

مصمص: ما الغريب؟

مردخاي: جسمك.

مصمص: لا تحب جسمي؟

مردخاي: كلكم هكذا؟

مصمص: من كلنا؟

مردخاي: أختك، مثلاً؟

مصمص: عم تتحدث؟

مردخاي: مؤخرتك من الأمام.

مصمص: أه. خوفتني. أعرف أن عندكم الأمر معكوس. عند توفيق وعند بابا الطيز من الخلف. ماذا، يضايقك هذا؟

مردخاي: لا أعرف، غريب بالنسبة لي بعض الشيء. ماذا نفعل؟

مصمص: لا أعرف، هذه هي المرة الأولى بالنسبة لي.

مردخاي: إذن ستديري لي مقدمتك?

مصمص: لا...

مردخاي: آه... إذن فالـ - كس - من الخلف؟

مصمص: آه نعم.

مردخاي: وحتى عند أمك؟

مصمص: ليس لدي أم. عقل بابا هو ما خلقنا.

مردخاي: لماذا إذن خلق البنات هكذا؟

مصمص: لا أعرف، اسأله.

مردخاي: ماذا؟ هل بإمكانه خلق كل شيء يريده؟

مصمص: لا، فقط ما يريده فعلا.

مردخاي: إذن ماذا يريد مني.



أغنية: سمكة فضائية


سمكة فضائية، سمكة فضائية

اصطادها صياد فضائي

بشص صنارة فضائية ألقيت إلى الأعلى


ماذا اصطدت يا رجل يا صياد؟

ماذا على طاولتك؟

ليس سمكة وإنما حطام حوت محشى في طبقك


سمكة فضائية، سمكة فضائية

اصطادها صياد فضائي

خيط من الضياء في السماء السوداء حمل شرارة حياته


ماذا اصطدت يا رجل يا صياد؟

ماذا على طاولتك؟

ليس إلا صينية رمادية وخاوية تطير للفضاء


سمكة فضائية، سمكة فضائية

اصطادها صياد فضائي

بشص صنارة فضائية ألقيت إلى الأعلى

_________________________________________

ليئور ووترمان، 32 عاما، أنهى دراسة الفن في بتسلئيل عام 2003. يعمل في الفيديو والنحت والمسرح. شارك مع يوناتان ليفي عام 2004 في عرض "مانو ملك أطلنطس." عضو في جماعة "قرطبة التي عرضت في سبتمبر 2006 عرض "جرنيكا" بمركز الفن المعاصر. يوناتان ليفي، صحفي، 32 عاماً، معد قناة النيو إيج في موقع معاريف. أخرج وكتب ومثل في عرض "مانو ملك أطلنطس" والذي حظى بجائزة المبدع الواعد في مهرجان عكا 2004. عضو في جماعة قرطبة أيضا.