Friday, 22 January 2010

عن أختنا طالي فحيمة تغني العصافير

ميئير فيزلتير

ترجمة: نائل الطوخي

ميئير فيزلتير. واحد من كبار الشعراء الإسرائيليين. ولد ميئير فيزلتير عام 1941، بموسكو بالاتحاد السوفييتي. هاجر إلى إسرائيل عام 1949، بدأ دراسته الجامعة في كلية الحقوق بالجامعة العبرية، لكنه سرعان ما غادرها ليدرس الفلسفة والتاريخ العام. بعد انتهاء دراسته، أقام لسنوات عديدة في أوروبا، وهناك شارك في كورسات وورش كثيرة عن تاريخ الأدب. فيزلتير حائز على جائزة بياليك الأدبية عام 1995، وعلى جائزة إسرائيل للأدب والشعر عام 2000. وهو أستاذ بقسم الأدب العبري والمقارن بجامعة حيفا. معروف بقصائده السياسية. على مدار السنوات كتب قصائد احتجاجية كثيرة ضد الاحتلال الإسرائيلي بالضفة الغربية، وضد حرب لبنان وضد المنظومة الثقافية التي أوجدت ثقافة الحرب الإسرائيلية. كما اشتهر بقصائد الحب الحسية التي يكتبها. من دواوينه "قصل 1 فصل 2" (1967)، "خذ" (1973)، "بالداخل بالخارج" (1977)، "مختصر سنوات الستينيات" (1984)، "أنا يوناني" (1985)، "رسائل وقصائد أخرى" (1986)، "قصائد بطيئة" (2000).

_______________________________

البقية تأتي

الحرب هي استمرار للسياسة،

وجنوب لبنان هو استمرار للجليل الأعلى

وبناء عليه، فطبيعي أن تقوم الدولة

بحرب في لبنان.


الصبا هو استمرار للطفولة

وجنوب لبنان هو استمرار الجليل الأعلى:

وبناء علي، فطبيعي من الأطفال والصبيان

أن يطلقوا النار على بعضهم في لبنان.


حفر القبور هو استمرار للكهانة.

وجنوب لبنان هو استمرار الجليل الأعلى:

ولهذا سيحفر متعهدو الجيوش

قبورا طازجة في لبنان.


الصحافة هي استمرار الثرثرة،

وجنوب لبنان هو استمرار الجليل الأعلى:

ولذا تزن الصحف بجدية

مكاسب الحرب في لبنان.


الشعر هو مقلوب القول،

في جنوب لبنان أو في الجليل الأعلى.

لذا فما قيل يشبه ما لم يقال،

وأيضاً سوف نخرج إلى الحرب في لبنان.


بابا وماما ذهبا للسينما


تقلب الصفحات، أعمام عراة

يجرون عاريين ونحيفين للغاية،

وعمات أيضاً تبرز أطيازهن للخارج

ورجال بالبيجامات مثلما في المسرح

ونجمات داود قماشية.

وكلهم قبيحون للغاية ونحيفون

وأعينهم واسعة كأعين الطير.


إنه مختلف بشكل رهيب وكئيب للغاية،

وإيلانا لديها أقلام رصاص حمراء

وزرقاء وخضراء وصفراء ووردية.

عندئذ ذهبت إلى غرفتها

وأحضرت جميع الأقلام الجميلة

ورسمت برغبة شديدة

للجميع نظارات وملامح مضحكة.

وبالتحديد للطفل الأصلع النحيف

رسمت له شاربا عملاقا أحمر هكذا

وفي طرف الشارب تقف عصفورة.

من سلسلة قصائد "لندن 6-1956"، 1984

كل من لا يقرأون الشعر


وبالتقريب فكل الناس،

يقرأون أشياء أخرى. مثلا،

تعليمات استعمال الدواء،

عناوين التليفزيون، القوائم،

رسائل الإس إم إس، الإيميلات والتقارير

الوصفات الطبية، تعليمات تركيب أثاث إيكيا،

المبالغ الشهرية لبطاقات الائتمان،

التفاصيل الشخصية في مواقع التعارف،

الريجيم، طرق الإقلاع عن التدخين،

البطاقات على الزجاجات والعلب الأخرى،

الصحف، وحتى الروايات.

غلاية تضج بالكلمات والأحروف

في القواميس، وحتى دماؤهم

مزدحمة بالكلمات والأحرف ونقاط الوقف،

مثل خصلة طفل مقمل، جاهلة.

الحياة بوصفها مدينة

حتى الآن لازلت أعيش في نفس المدينة.

خمسون عاما ونفس المدينة؟

عشت في مدن أخرى أيضاً.

هنا وهناك، ولكن أقل كثيراً.

هل هي لا تزال نفس المدينة؟

خمسون عاما ونفس المدينة؟

هذا حلم ليس مفيدا أن نحلمه.

المدينة لا تقع في المكان.

ليست مثل القصيدة الباقية في عينه

يواصل الحلم بأن وقتها لم يمر،

بأنها لم تعد شرخا من حجر بارد-

وإنما ديناصور حي ويغني.

وحتى لو جاء قارئ آخر

مذهول ومستنكر

فهو لن يغير حرفا أو علامة ترقيم.

يكفي القصيدة وضوحا أنها مفهومة.

أبيات كتلك تدل على العمر،

بل وستصدم صائغ قافية مبتدئ.

فقط شخص ذقنه بيضاء كالورقة

سوف يخطها بدون أن يهتز جفنه.

حظ جيد أن هناك مطرا

حظ جيد أن المطر يهطل، وليس هناك عدل

في العالم. ولو كان هنا عدل،

فالمطر لن ينقذنا. في المدرسة

يدرسون

القتل كحرفة.

وفي البلاد التي يهطل المطر فيها

تتم تغطية كل الفظائع ببطانية بيضاء.

فقط المعدات الثقيلة، الضخمة، في الأرض المجمدة

هي التي ستكتشف أحيانا

عن جماجم بشرية محطمة ، أو ماموثات.

وفي المناطق التي يدور فيها

الرمل مع السحب الترابية

في جفاف قاحل لا نهائي،

يمكن للرمل أن يغطي مدنا بكاملها

بدون أن يعرف أحد أنها موجودة بأحضانه.

لو كان هناك آلهة، أو إله واحد خفي

يحلق، أو تحلق، على وجه الوجود،

هل كان ليستجيب لرغبتنا في اللعب

بتجلٍ، أم بطاعة، أم بفداء؟

عن هاآرتس

عن طالي فحيمة*

ما الذي تغنيه العصافير في سماء الرملة

ما الذي تغنيه نهارا؟

طالي فحيمه أطلق سراحها،

خفضت ثلث عقوبتها نهارا،

تغني العصافير في سماء الرملة.


صباح الخير أختنا،

تغني العصافير في سماء الرملة:

أنت أيضا طرت على أجنحة الرغبة

في دفع شرارة الحياة ببلد الموت،

تغني العصافير في سماء الرملة.


وأنت أيضا تجاهلت الحدود المعينة

على خرائط لا نقرأها،

تغني العصافير في سماء الرملة.

ومثلنا فلقد تعقبت الحواجز والحراس

المسلحين والسعداء بإطلاق النار.


ومثلنا، فلقد هبطتِ في مدينة خربة،

تغني العصافير في سماء الرملة.

على أمل أن تجدي فيها هي أيضاً الفتات

لتغذية القلب الراغب في الحياة،

تغني العصافير في سماء الرملة.


وبرغم أن الإنسان للإنسان كالذئب،

والإنسان للإنسان كالأصم،

فلقد فردت جناحيك بالحاسة السادسة،

وطرت لتري وتسمعي بدون وساطة،

تغني العصافير في سماء الرملة.


وأنت فتحت فمك، وزقزقت بصوت عال،

تغني العصافير في سماء الرملة.

برغم أن صوتك خافت مثلنا،

وليس لديك مضخم للطاقة، ولا تاكسي ليقوم بوظيفة

الإوز، منقذ روما.


أسمعت صوتك من فوق كل الأغصان

التي يمكنك الاستراحة عليها لدقيقة.

وإنقاذ المدينة من أيدي الحراس،

الحراس الذين يطلقون النار على كل ذوي الأجنحة،

تغني العصافير في سماء الرملة.


والصيادون، الذين جرحوا جناحك

وأسقطوك في فخ أحمق،

تغني العصافير في سماء الرملة،

حتى آخر أيامهم سيأكلون القش والبراعم

التي نستخدمها في بناء أعشاشنا.


وكتاكيتهم سوف تخرج من البيضة

يوما ما وينبت لها جناح

وسوف يواصلون الطيران في الطريق الذي حددت معالمه

وسوف يحتقرون أمهاتهم وآبائهم،

تغني العصافير في سماء الرملة.

نشرت في معاريف 1-12-2007

________________________


*طالي فحيمة، ناشطة إسرائيلية راديكالية، التقت عام 2004 بزكريا الزبيدي رئيس "كتائب شهداء الأقصى" في جنين. تم حبسها حبسا إجرائيا على يد الشاباك الإسرائيلي، كما استجوبت وتم التحفظ عليها في الحبس الانفرادي، تحت زعم أنها خططت لعمليات فدائية في إسرائيل. اتهمت بدعم منظمة إرهابية، وحيازة سلاح بدون ترخيص ومساعدة العدو أثناء الحرب. واعترفت هي بترجمة وثيقة سرية من العبرية للعربية، وأدينت في النهاية بجرائم أقل خطورة، مثل تقديم معلومات للعدو والاتصال بعميل أجنبي. تم إطلاق سراحها في يناير 2007. أثار حبسها الرأي العام في إسرائيل وبالتحديد من جانب نشطاء اليسار، وممن كتبوا قصائد عنها أيضا الشاعر أهارون شبتاي.

Friday, 15 January 2010

لا زلت أحب وأحيا، لا زلت حمقاء: محبات ليئا جولدبرج

ليئا جولدبرج

ترجمة: نائل الطوخي


بمناسبة مرور أربعين عاما على رحيل الشاعرة العبرية الكبيرة ليئا جولدبرج، ننشر هنا فقرات من يومياتها.

هذه الفقرات من يومياتها منشورة عام 2005، أي بعد وفتها بخمس وثلاثين عاما، وأثارت لدى نشرها جدلا كبيرا، تمحور حول سؤال إن كان يمكن أن تنشر على العلن تفاصيل حرص صاحبها على إخفائها طيلة حياته، خاصة أن كثيرا من هذه اليوميات يصف علاقات مرت بها ليئا في حياتها، ومشاعر حب كانت تكنها تجاه أشخاص بعينهم.

***



حب ليئا جولدربرج لطبيب الأذن الخاص بها، د. رودي فيرت


31.7.55

بالأمس، عند الفيرتيين (عائلة فيرت) في الحديقة. جيد أنني سأغادر تل أبيب. لدي جميع الفرص لكي أكون مثيرة للسخرية. لم أرغب حتى في كتابة هذا، ولكنني لم أستطع.

لم أنم في الليل.

أسمع برجوازيا صغيرا يقول: "يا للشعراء"! البرجوازي الصغير معه حق. الفعل هو مركز الاهتمام، خارج أي قصيدة. النموذج الأكثر ابتذالا لهذه المرأة التي تحب في سن الرابعة عشر مدرسها وفي سن الرابعة والأربعين تحب طبيبها... ولكن شعور التحجر لا يخص إلاي.

أهذا عزاء؟ أم تبرير؟

لو كنت قد بدأت، فسأكون صادقة مع نفسي إلى النهاية، ربما يكون هو الرجل الوحيد الذي أريد الزواج به. آمل أن تتبخر هذه المشاعر بعد أيام أو أسابيع.

بيننا تعاطف عميق للغاية – هذا هو ما سيتبقى.. مثلما كان الأمر دائما.

بعد الظهيرة

كل هذا مرعب ورهيب. أنا مضطرة لشرح شيء، على الأقل لنفسي. فهذه الأوراق يمكن اقتلاعها من الكراسة. كنت أثق ثقة كاملة في أنني لن أعود لكي أكتب أبدا حماقات كتلك. والآن ها أنا نفس البنت ذات الخمس عشرة عاما.

أعرف جيدا على أية هيئة رآني ر. (د. رودي فيرت) على طاولة التحليل. بدون أسنان. أعرف جيدا كيف تنظر لي الممرضة الجميلة المساعدة. أعرف آلاف الأشياء الأخرى، ولا أوهم نفسي بأشياء. ولكنني مجنونة تماما. أعرف أنه برغم هذا فهو لم يتحدث بالأمس إلا لي، وكل البقية لم يكونوا موجودين بالنسبة لنا، رأيت بأي عينين دافئتين وطيبيتين تطلع لي عندما حدثته عن أمي. رأيت وسمعت كيف ضحك لأي نكتة أقولها. هذه أيضا حقيقة. وأنا لا أبالغ، في هذه الأشياء أنا لا أبالغ أبداً. بالعكس، تعودت على أن أعتقد أنني أتخيل أشياء. ولكنني هذه المرة لم أكن أتخيل.

برغم هذا، إذا فكرنا في الأمر بفكر صاف، فمن الواضح أنه لن تخرج من هذا "قصة حب" سطحية. وهذا جيد. والآن، للمرة الأولى في حياتي، أقول: أدعو الله ألا يكون هذا إلا موضوعا شعريا. أتمنى ألا أعاني، أتمنى أن يكون هذا مجرد جنون عابر، أتمنى أن لا يكون هذا إلا شهادة على وجود شيء مازال شاباً بداخلي (أو – على العكس، هل تحب العجائز هكذا؟) وأنا، مع كل هذا، سوف أقوم بحركة جنونية وأرسل له "الحرب والسلام" اليوم. ليفسر الأمر كما يعجبه.

لماذا لا أرتكب حماقات. لا زلت أعيش. لا زلت أحب. لازلت حمقاء كما كنت دائما.

صوته غير الناضج eine schleppende Stimme – صوت "رخيم" بالألمانية – مضحك، كل شيء، كل شيء يعجبني فيه.

سوف أقطع بعد فترة ما هذه الصفحات. سوف أقرأها ويحمر وجهي وأقطعها.

- نعم -

9.9. 55

لن أقطع هذه الصفحات من الكراسة. لماذا؟ كل ما كتبته هنا أصبح غير مهم بعد يومين. ربما يبهجني قليلا عندما أعود وأقرأه فيما بعد.


ليئا لجولدبرج ليوسف أوفين (غير مؤرخ)


العزيز يوسف

اليوم استلمت خطابك الذي جاء من خلف كل هذه المسافة البعيدة، ليست المسافة الجغرافية لـلـ"حولاه" فحسب، وإنما، على ما يبدو، الأمر أكبر من هذا. عرفت أنه لا يمكن أن يكون الأمر على غير ما هو عليه الآن، ومع كل هذا فأنا حزينة. وحتى الكلمات الأخيرة عن قصائد "شخص قريب" تبعدني مسافة أدبية ما. عرفت، أنه لهذا لم ترد على خطابي الأخير. كان أحمق للغاية هذا الخطاب. كيف حدث لي هذا الأمر؟ أنا، التي دائما ما كنت أفسر علاقة الآخرين بي على المحمل السلبي، أخطأ خطأ كهذا وأبالغ وأحلل الأمر على النقيض! هذا السور من العزلة المضروب حولي، الذي عشت فيه سنوات طويلة للغاية – لماذا هيأ لي الآن أن فجأة أن شخصا ما قد اخترقه؟

هذا الإحساس "بأنني أملك شخصا ما" تسلل لي خوفا من عدم الفهم، خوفا من عدم الفهم أثناء قراءة خطابك، والذي كان غامضا جدا ومفاجئا جدا. لفترة بسيطة قلت أن هذا هو الأمر. عندئذ جاء صمتك الطويل ردا، وفي النهاية خطابك الأخير هذا. لأجل خاطر الله، يا يوسف، عندما ترد على خطابي هذا، لا تكتب لي توصيات بأن "أكون شجاعة"، ليس هناك ما أهو أفظع من هذا. أنا، ببساطة، بعد تردد طويل جدا، قررت الحديث بشكل صريح في المرة الأخيرة، وليست لدي أية ادعاءات أو أية طلبات، فقط طلب واحد: اكتب لي، بدون أي بلاغة، أنت تريد علاقة صداقة بيننا، علاقة صداقة فحسب. وأنا سوف أعود لأكون صديقتك كما كنت، وسوف أتغلب (أنا أعرف كيف أتغلب) على كل الأشياء التي كانت بيننا. فمن الواضح بالنسبة لي (لولا أنك كتبت بعدم حذر جملة "ماذا كان بيننا؟" في خطابك الأخير)، واضح لي أن كل شيء كان من جانبي وأنه يكفي. وسوف أتمكن من عدم الإشارة إلى أي شيء لك للأبد. ألم أستطع من قبل التصرف هكذا، ففي الليلة التي "أنقذنا" فيها تلك الشابة، كنتُ مرة ثانية، كما تريد، مجرد صديقة، كما كنتُ قبل تسع سنوات. والآن يمكن لكل شيء أن يستمر، لولا أنك كتبت هذا الخطاب الذي لم أستطع قراءته.

أعرف، يا يوسف، أن هذا الخطاب مؤلم بالنسبة لك وأتمنى لو كنت قد امتنعت عن أن أتسبب لك في عدم ارتياح. لديك، كما يبدو، ما يكفي بدوني. ولكن الأشهر الأخيرة كانت قاسية جدا عليّ، أكثر مما يمكنك أن تخيل، واليوم انفجر كل الأرق، وتحول إلى خطاب. متيا حكا لي أنك انتقلت للعمل في بستان، وأنكما كنما سويا في صفد، وأنك سعيد بالعمل الجديد، وتنوي الاستمرار فيه طويلا. لم يكن سهلا جدا عليّ أن أسمع كل هذا من الطرف الآخر وأتظاهر أن كل شيء جيد وسلس. ولكن يبدو لي أنه حتى ناقدة مسرحية حادة ووقحة مثلي لم تكن لتجد عيبا في لعبة لامبالاة الأصدقاء. أصلا، كل هذا ينتمي للماضي. أنا قلت كثيرا جدا، أكثر بكثير من الحاجة. هل الأمر فعلا رهيب لهذه الدرجة.

واضح أن هذه القصائد كتبها شخص أقرب بكثير مما اعتقدتَ، وماذا فيها؟ أرجوك ألا تكون هذه الأمور حاجزا بيننا يا يوسف. لا تعتقد أنك خسرت شخصا جديد: ليس لدي أي سبب للغضب، أو لشيء ما مشابه. دائما سأسعد بأن أكون بقربك، فقط قم من أجلي بهذا المعروف، اكتب لي بمنتهى البساطة ما تريده، لا اعترافات. لا. (ما الذي يمكن أن يغيره الاعتراف؟ وحتى لو كان شيء ما يضايقك، وحتى لو كان الضيق كبيرا، هل يمكن لأي شيء أن يغير علاقتي بك؟ ها أنت قلت أخيرا الحقيقة، بالنسبة لي فكل شيء جاهز ومستعد لأن أكون بقربك كما كان الأمر). لا، اكتب، ارم الكلمات القليلة: لم يكن هناك شيء وينبغي أن يكون كل شيء كما كان قبل "عدم الفهم" هذا. أليس هذا واضحا؟ أم أن خطابي هذا يثقل عليك، ثم ستقول لي كلمات أكثر صراحة من اللزوم عن رغبتك بإيقاف الصداقة؟ ومع هذا، اكتب لي أيضا هذا الأمر، لأنه يمكنني احتمال كل شيء بهدوء، فقط لن أحتمل صمتك لنصف عام آخر.

طيب، ها قد كتبت الآن خطابا تكتبه طالبة صغيرة. من كان يصدق أنني أكتب خطابات كتلك؟

لتكن بسلام، ولا تغضب، كل الخير لك، الكثير الكثير من الخير يا يوسف. هذه هي المرة الأخيرة التي أكتب لك فيها.


المخلصة، ليئا.

***


ولدت ليئا جولدبرج عام 1911 في بروسيا الشرقية، ألمانيا (روسيا اليوم)، وتوفت عام 1970 في إسرائيل. في الحرب العالمية الأولى هربت عائلتها إلى منطقة سرتوف في عمق الأراضي الروسية. وعادوا إلى لتوانيا حيث قام جنود لتوانيون بتعذيب أبيها المتهم بالشيوعية في ذاك الوقت، على مدار عشرة أيام.

درست ليئا الفلسفة واللغات السامية في جامعات كوبانا، برلين وبون. وأعدت رسالة الدكتوراه عن اللهجة السامرية في جامعة بون، بإشراف المستشرق الشهير بول كاهله، ولدى انتهاء إعدادها للرسالة عادت إلى لتوانيا، حيث عملت في تدريس الأدب بالمدرسة العبرية.

هاجرت لفلسطين عام 1935 بمساعدة الشاعر أفراهام شلونسكي وانضمت لجماعة "سويا" التي كان يرأسها شلونسكي مع الشاعر الكبير ناتان ألترمان. وفي هذا العام صدر ديوانها الأول "خواتم من دخان"، بعدها بعام هاجرت أمها إلى فلسطين، وانتقلت الاثنتان للسكنى في تل أبيب.

في عام 1950، وعندما عرض عليها العمل في الجامعة العبرية بالقدس، انتقلت للسكنى هناك مع أمها، وفي الجامعة العبرية تم تعيينها كأستاذة، وقامت بتأسيس قسم الأدب المقارن هناك.

في بداية عام 1970، توفت ليئا جولدبرج بالسرطانن وهي تبلغ 59 عاما. دفنت في القدس. وحصلت على جائزة إسرائيل بعد وفاتها، واستلمت الجائزة أمها تسيلا، والتي واصلت الحياة بعدها بـ13 عاما. وقد أوصت تسيلا بأن تنقش على قبرها أربعة كلمات بالعبرية، تعني: "أم ليئا جولدبرج."

ووفق بحث أجراه د. يفعات فايس من جامعة حيفا فلقد توفى أبو ليئا جولدبرج في الهولوكست.

من دواوينها: "قصيدة في القرى"، "من بيتي القديم"، 1944، "حب شمشون"، 1952، "برق في الصباح"، 1955، "مع هذه الليلة"، 1964، "بقية الحياة"، نشر بعد موتها، 1971.

بالإضافة إلى رواية سيرية بعنوان "هو النور"، المنشورة عام 1946، وأعيد طبعها عام 2005.

Friday, 8 January 2010

عايدة

سامي ميخائيل

ترجمة: نائل الطوخي


واحد من أهم الأدباء اليهود من أصل عراقي في إسرائيل. ولد سامي ميخائيل عام 1926 في بغداد باسم صلاح منسى. وأصبح عضوا في الحركة اليسارية العراقية لحقوق الإنسان (الحزب الشيوعي اليهودي العربي) وهو مازال يدرس في الثانوية. عام 1948، وهو يحمل الاسم الذي ولد به، صدر أمر باعتقاله واضطر لتغيير اسمه والهروب إلى إيران وبعد فترة قصيرة، في 1949، هاجر لإسرائيل، في البداية أقام بيافا ثم انتقل للإقامة في حيفا. نشر في البداية مقالات في الصحافة العربية بإسرائيل، وفي عام 1974 نشر رواية الأولى "متساوون ومتساوون أكثر".

لاقي ميخائيل صعوبات في العثور على عمل بإسرائيل لسنوات، بسبب كونه شيوعيا. ولكن برغم هذه المصاعب فلقد تم استعابه في العمل بالخدمة الهيدرولوجية بوزارة الزراعة، حيث عمل هناك لعشرات السنوات. هذه المصاعب موجودة في كتابه شبه الأوتوبيوجرافي "مياه تقبل المياه"، والمنشور عام 2001.

ميخائيل هو أخو نادية، وهي أرملة الجاسوس الإسرائيلي الشهير إيلي كوهين والذي تم شنقه في دمشق عام 1965.

من كتب سامي ميخائيل: "متساوون ومتساوون أكثر" (1974)، "حماية" (1977)، "هذه قبائل إسرائيل" (1984)، "فيكتوريا" (1993)، "الجناح الثالث" (2000)، "حمام في ترافلجر" (2005)، "عايدة" (2008). الفصل المنشور هنا من روايته الأخيرة "عايدة" تم نشر أصله العبري في صحيفة هاآرتس. الرواية تتخذ من حياة اليهود في العراق خلفية لأحداثها.

عايدة


فتح زكي دالي عينيه وقلبه صاف، تقريبا يبتسم لنفسه. مرت به أيام مثل هذه. لو أشار له شخص ما أنه لم يتجاوز السبعين بعد، كان ليرد بصمت متسامح. أبحر في اليقظة كأنما حدث هذا بعد ملاحة هادئة في مياه ساكنة. تسللت ضوضاء البيت لأذنه. وهو مازال في السرير، في غرفة النوم الحارة، شعر ببرودة جاثمة في الخارج لم تذب بعد لسعتها مع شروق الشمس. من خلف الباب المغلق تسللت الأنغام المرحة لدون جوفاني. قبل أن يصعد إلى سريره كان قد أصلح جهاز الستيريو، ولكن عفيفة لم تجرؤ لدى مجيئها نهارا على الضغط على الزر. دوما ما ارتسمت دوامات أصوات النساء والرجال في خيالها كلحم عار على شاطئ البحر، مثل هذا الذي يظهر في الأفلام الفاسقة. دربت عفيفة إذن الإصبع الأسمر والدقيق لابنتها رنين، منذ طفولتها على الضغط على الزر الذي يتيح طوفان الأنغام. جسد الطفلة كان يميل للاستجابة للجلبة، وهو الأمر الذي أخاف عفيفة أكثر. الآن رنين طالبة ولازالت تحن لأصوات النساء والرجال المنضفرة ببعضها البعض، تمنح أحساسيهم تحرراً بقوة كتلك.

إحساس بالرضا سيطر على قلب زكي عندما تذكر التقرير التليفزيوني الأسبوعي الذي أعده بالأمس لبرنامج "مواقع ومناظر"، والذي حظى بشعبية بين المشاهدين الذين يستنجدون بالنوستالجيا، حتى لو كانت كاذبة. من ردود أفعال الطاقم الفني فهم أن عمله قد نجح هذا الأسبوع. الموضوع كان البحث عن فطر الغراب في السهول الممتدة غرب الرمادي. ولكن ليس التقرير، ولا أنغام الأوبرا ولا حتى النوم الهادئ، كان هو ما حفر بعمق في لحم زكي هذا الصباح. اليوم هو الجمعة الأولى في الشهر، كعادته منذ سنوات سيزوره الليلة نزار السيد مع ثلاثة بنات. دوما كن ثلاثة بنات من أجل رجلين. بفضل الفقر والعوز في فترة الحصار الاقتصادي وبرنامج "الطعام والدواء مقابل النفط"، حاز نزارالسيد على أجمل ما في الصبا – العقل والجمال. لم يخطر على بال زكي أن يدافع عن نفسه أمام نفسه. لأنه رجل كريم، فلقد كان يعتقد أنه أيضا شخص جيد. الشخص الأخلاقي، كما يقول لنفسه، لن يرفض باقة زهور ندية فقط لأنها قطفت في ريعها. بين هذا وذاك، ربما كانت تجد طريقها للمزبلة. العالم الذي يعيش به ملآن بالمزابل والقبور. وهو، زكي، معدود من بين المحظوظين القلائل. هذه في الواقع هي خلاصة الشفرة الأخلاقية في البلد التي تقوم بتمزيق لحمها من عليها، بل وتساعد الغرباء على فعل هذا.

هبط من على سريره، فتح باب غرفة الحمام على اتساعه وغمره ضوء غريب. خطر على باله الآن أخواه المقيمان في الولايات المتحدة وأخته ليلى، المعمارية في أكسفورد. لقد سلما بهاجسه في أن يكون اليهودي الأخير ببغداد. تذكرا جرحه الرومانسي واحترماه، مثلما احترما العرج الذي ولدت به ليلى. اعتقدوا أنه حكم على نفسه بالرهبنة في العراق القاسية وتوسلا إليه على قدر ما استطاعا. وابتهجوا بإعادة تشكيل البيت الذي كبروا فيه. في قلب عملية التجسيد والتشبيه الهندسي قاموا بإعادة إحياء البيت الذي تحول الآن إلى خلطة من الفساد العثماني، الجاذبية البريطانية والسحر الياباني المنعش. الناتج النهائي ذكرهم ببيت دعارة أمريكي مبهرج. ضحك زكي بارتباك لدى انتهاء عملية الترميم الثوري. وبرغم هذا فلقد أحب كل زاوية في القصر، والذي لا تزال تتردد بين جدرانه أصوات أبناء العائلة اليهودية القائمة منذ حوالي خمسين سنة.

توجه إلى الجاكوزي الذي تفور فيه الفقاقيع، وبقلب منهك فكر في الصبيتين الذكيتين النضرتين اللتين ستأتيان الليلة إلى بيته. أنت شخص سليم وشبعان في أرض جائعة ومندوبة، فكر في نفسه. في هذه اللحظة تحرص رنين، ابنة السائق، على إعداد الإفطار – عسل البلح، قيمر، خبز أسود، بيضة نصف مستوية وشاي لاذع وحلو. من خلف خشخشة الأمواج المبثوثة التي تقطرمن الميكروفونات المزروعة في جدار الحمام، دهمته روائح الحياة الندية. نزل إلى الطابق الأسفل، مغتسلا ومحلوق الذقن ومرتدياً قميص جولف. بأسفل السلم كانت تنتظره رنين وابتسامتها تنير وجهها الشاب. الشريطة الزرقاء التي تربط بها شعرها كانت ممتدة الآن على جبينها بتأنق مقصود. أحبت نظرة الانفعال التي بدت في عينيه. أبرزت انتفاخ ثدييها المنتصبين. لأكثر من ساعتين تعمل مع أمها في ترتيب البيت والطبخ استعدادا للوليمة المسائية. تصلب زكي أمامها. كانت يداها معقودتين خلف ظهرها كمضيفة مثالية. وبابتسامة أشارت بذقنها باتجاه غرفة الطعام "صباح الخير يا عمي. الإفطار جاهز. عصرت برتقالا طازجا."

Friday, 1 January 2010

القدس - تل أبيب: بلا عرب






كيف تعامل الأدباء العبريون مع مدينة القدس؟ في هذا المقال، الذي كتبه الناقد دان لاؤور بصحيفة هاآرتس، نكشف شيئا عن العلاقة الإشكالية لليهود بمدينة القدس، عن مكانة المدينة في الديانة اليهودية وفي الأدب العبري، ولكن أيضا نكشف عما يتجاوز هذا: عن مكانتها في الفكر الصهيوني، كيف تحولت المحبة التي يكنها الإسرائيليون اليهود للقدس (أورشليم) إلى مبرر لطرد العرب، ولاحتقارهم ولاتخاذ مواقف شديدة اليمينية، خاصة بعد احتلال القدس الشرقية عام 1967، وذلك عن طريق أربعة من رموز الأدب العبري الحديث، الشاعران القوميان ناتان ألترمان وأوري تسيفي جرينبرج، والروائي الحائز على نوبل شموئيل يوسف عجنون، والشاعر الذي ينتمي لتيار ما بعد الصهيونية "ميئير فيزلتير". هؤلاء الأدباء يشيرون في أعمالهم إلى القدس، وبالتحديد المدينة القديمة فيها، وإلى التنافس بينها وبين تل أبيب، المدينة التي يتم تصويرها باعتبارها أكثر علمانية وانفتاحا وتحررا.

دان لاؤور

ترجمة: نائل الطوخي

ناتان ألترمان: القدس ليست عربية!


دعونا نتخيل المشهد الختامي للكوميديا الموسيقية "مستر كيبوتس"، والتي كتبها المسرحي مارتن روست، كما عرضت على مسرح "هامتاتيه" في صيف 1943. بعد أن تبقت مشاكل مختلفة في حبكة المسرحية، تجتاح المنصة مجموعة من أعضاء الكيبوتس في طريقها للعمل. المسيرة مصحوبة بتردد "أغنية العمل" التي كتبها ناتان ألترمان – مؤلف أغاني العرض – ولحنها ناحوم نيردي. الأبيات الافتتاحية للأغنية هي كالتالي:

أزرق بحر المياه

رائعة القدس

أضواء السماء

على النقب والجليل

ثم:

يا شمس، أضيئي لنا، أضيئي

مر باتجاهي أيها المحراث

احرث مستوطنة تيليم وعُد

حتى يظلم الليل

وتنتهي الأغنية بالكلمات التالية:

يا أغنية، يا أغنية

اصعدي!

بالمطارق غني

بالمحراث رنمي

الأغنية لم تنته. لقد بدأت لتوها!

كم يبدو الأمر غريباً، هذه واحدة من الحالات الفردية –تقريبا الحالة الوحيدة المحفورة في الذاكرة – والتي يشير فيها ألترمان، وقد عده موشيه شامير طويلا "شاعرا قوميا"، إلى مدينة القدس. هناك إشارات أخرى، ولكنها تقع على هامش شعره: في ملحق "رجاعيم"، والذي صدر في الثلاثينيات بصحيفة "هاآرتس"، يتم إدراج ثلاثة قصائد، إحداها "عن موضوع مقدسي"، (هذا هو العنوان) هي قصيدة احتجاجية على ارتفاع أسعار الشقق في المدينة، أما الأخريان فهما محاكاة ساخرة لقصائد المديح الصهيونية للقدس، وهذه القصائد الثلاث كتبها ألترمان، بالمناسبة، بعد زياراته القليلة للمدينة.

في واحدة منها "بزقاق مقدسي"، -والمنشورة في 12 مارس 1935 – مكتوب:

على أبواب يافا صمت له رائحة، سور طويل، عناكب نابتة فيه

نجمة داود مسنودة على الرمح

كما علمنا أوري تسيفي جرينبرج

وكذلك:

القدس – غريبة وجميلة، متى سوف نعوّد عليها جِراء نظراتنا؟

ثمة رغبة في الانفجار فجأة في النواح

أو السكوت الأبدي على القهوة والنرجيلة

في هذه القصيدة والقصيدة الثانية، المسماة "القدس"، تبدو القدس كمدينة غريبة، تثير بالكاتب إحساسا بالبعد والاغتراب، سواء بفضل الثقل التاريخي الكامن فيها، أو بسبب طابعها الشرقي –المتوسطي، أو بسبب الشعرية المصاحبة لها، التي لا تسمح باللمس المباشر وغير الوسيط مع الأشياء.

يكثر الشاعر حاييم جوري من الحديث عن جولة قام بها وقتها مع ألترمان في أطراف شارع يافا، بجوار السور الذي كان يفصل عندئذ بين قسمي القدس. كان الوقت مساء، نظر ألترمان إلى الأسوار الأسمنتية بعدم ارتياح، ولدى إشارته باتجاه القدس الشرقية، ومن هناك باتجاه مملكة الأردن، صدر شيء ما مثل: "من هنا وحتى شنجهاي- آسيا. ومن وادي العربة حتى نهر اليرقون – إسرائيل!"

فعلا، فلقد كان ألترمان شاعر تل أبيب، الشاعر بألف لام التعريف لتل أبيب. هاجر إلى إسرائيل مع والديه في 1925، وبالتحديد عندما تحولت تل أبيب إلى مدينة حقيقية، ومن هنا فصاعداً قام بالتعبير بشكل فني عن المكان في الأعمدة والأغاني والقصائد نفسها، في إشارة صريحة أحيانا لاسم المدينة، وبشكل مجرد في أحيان أخرى، لدى حديثه عن "المدينة" أو "الشارع."

في عام 1999، بعد موت الشاعر بعقدين، أصدرت دار هاكيبوتس هامئوحاد ديواناً شعرياً وصوراً في حوالي 140 صفحة بعنوان "سيراندا تل أبيبية": "وفيه تختلط قصائد ألترمان عن تل أبيب، مع صور ألكس ليبك. والأمثلة التي يمكن استخراجها من هذا الكتاب كثيرة، على سبيل المثال بيتان شهيران جدا من قصيدة "ضيف"، والتي تم ضمها في سلسلة "سكتشات تل أبيبية" والمنشورة في الملحق المسائي لصحيفة "دافار" عام 1934:

مدينتي تل أبيب، فقط أنت تعرفين

إلى أي درجة مرحة وجميلة وجيدة أنت!"

هذا التطور في كتابة ألترمان وصل لذروته في سلسلة "قصائد مدينة الحمامة"، والمنشورة في 1957. كانت هذه هي التجربة الوحيدة لشاعر عبري يقوم بتأليف ملحمة عن قيام دولة إسرائيل. هي ملحمة شهيرة، لأنه على طول العمل لا يشار إلى اسم القدس أبداً، ولا حتى في القصيدة المكتوبة عن معارك لطرون. في مقابل هذا فتل أبيب –العلمانية، الحديثة، غير الأسطورية فعليا – هي الحيز الطبيعي والرمزي الأكثر تماهيا مع أرض إسرائيل الجديدة ومع مشروع الإحياء الصهيوني. عندما يتحدث ألترمان في "القصيدة الافتتاحية" عن "الزمن عندما يبني مدينة، ويخلق البلد ولغتها"، فالإشارة بشكل صريح هي للمدينة العبرية الأولى. في مرحلة أكثر تأخرا يكرس ألترمان لتل أبيب فصلا كاملا، يدعوه "مدينة اليهود"، وفيه يوسع النطاق.

يكتب من بين ما يكتب:

مدينة بلا مخبأ ولا ذاكرة، مضروبة بجفاف حبات الرمل

التي تحملها الريح كالسهام. مدينة البائع الجوال والبرجوازي

فقط ليل نيسان يغرقها برائحة الإزهار الثقيلة والرخيصة

وهي أمامها مكشوفة وعلمانية

كهرباءها حادة مثل الشوك والورد البري".

وكذلك:

لم يكبر فيها أدباء جيل الإحياء، قالوا أن الصمت جميل

ولكنهم لا يزالون على بابها يقفون كالفقراء

ومنهم من يديرون لها ظهرها

وهي ألقت ضوضاءها فجأة على شباك لغتهم القديمة

وتحولت إلى نظرة ساحرة على لغة الشارع ولغة الصحافة

أي، بالتحديد الطابع الخفيف، المتحرر، لتل أبيب، كلامها العبري، كونها متحررة من الذاكرة التاريخية وقدرتها على إقامة حياة يومية للعادات اليهودية، بدون ادعاء أو موقف تاريخي، هو ما يعطيها في عينيه الأولوية في حلقات قصة النهضة الصهيونية.

كل هذا تغير تماما بعد حرب الأيام الستة: اكتشف ألترمان عندئذ أرض إسرائيل الكاملة، ومنذ أن اكتشفها اكتشف أيضا جبل الجريزيم وجبل عيبال، والخليل وعناتوت، والأماكن المقدسة، ومغارة المكفيلاه، وقبل كل شيء: القدس والحائط الغربي. في مقالاته التي كانت تنشر أسبوعيا تقريبا بصحيفة "معاريف"، والتي جمعت في كتاب "الخيط المثلث"، جعل ألترمان القدس تقف على رأس أولوياته، وأصبحت الإشارة تتم عرضا فقط إلى تل أبيب من الآن فصاعدا. يتحدث ألترمان بصورة انفعالية تقريبا عن "تجديد الارتباط اليهودي بأزقة القدس العتيقة". ويرفض بعنف أية مطالبة عربية بملكية القدس، ويطالب بالإشارة العلنية والبارزة لـ"يوم تحرير القدس الكاملة وخلاص جبل البيت والحائط الغربي." في نفس المناسبة يشير إلى أن: "قوة موقفنا في موضوع القدس هو أن عليه ألا يكون منفذاً، وإنما واجب إضافي بخصوص ما بخارجها، عليه ألا يكون المبدأ المكتفي بذاته، وإنما أن يكون الفرضية الأساسية وراء التصديق على ضرورة وجودنا وحقنا في الوجود بأرض إسرائيل." على الحائط الغربي، الذي لم يشار إليه أبدا ولو حتى في كتاباته التي سبقت 1948، يكتب ألترمان أن هذا هو "بقية مكان التعبد، بقية كل ما هو سام في الرموز الخصوصية والعقيدة القوية." بل ويطالب الجمهور العلماني بالاعتراف بأن "المضمون الديني هو الذي يقف اليوم أيضا خلف حائطنا، متلصصاً من بين الشقوق." (وفق نشيد الأنشاد، الإصحاح الثاني والتاسع).

أوري تسيفي جرينبرج: القدس عاصمة إسرائيل


حالة أوري تسيفي جرينبرج هي حالة مختلفة تماماً، هو الذي سخر منه ألترمان في القصيدة المذكورة. أكثر من مرة كان جرينبرج يتساءل – مشيراً إلى نفسه – كيف يمكن أن يكون "هذا الجسد المقدسي مولودا في بولندا؟".

منذ هجرته للبلد عام 1923 وحتى يومه الأخير كانت القدس محورا أساسيا – شخصيا وسياسيا وأسطورية وربما ميتافيزيقياً أيضا – في شعر وفكر أوري تسيفي جرينبرج. إحدى كتاباته الأولى في البلد كانت قصيدة "قدس الأسفل"، والتي كان فصل أساسي منها هو "القدس الخاضعة للتحليل"، وكان بمثابة نواح على خراب القدس، ينبع من عمق علاقة الشاعر بالمدينة:

القدس المدينة المقدسة، لملكوت الروح، أو لطين اللحم، أو لصلاة الوحيدين

وأيضا:

لي القدس جثة أمي الخاضعة للتحليل: صخرة صخرة عضو تم بتره أو قطعه

موضوع القدس تم طرحه في سياقات مختلفة في "كتاب التوبيخ والعقيدة"، وهو الديوان الأكثر تسيسا لأوري تسيفي جرينبرج. قيلت في المقدمة المنهجية للكتاب أشياء صريحة تتصل بمكانة مدينة القدس، وتم فيها التطرق للصراع اليهودي العربي الذي أخذ مكانا على جدول اليوم منذ أحداث 1929:

بإحدى يديّ، قيود العرب والطربوش المنتصرين

وباليد الثانية: نجمة داود ودرعه

وتحتها جبل البيت. جيوش إسرائيل المهللة

من هنا وهناك مدن محصنة، غابات، حقول خصبة

طبريا هي الأم

وابنها الذي يتطلع لها

هو الجولان مع بنتيه

والقدس التي تتجدد فيها أغنية النبوءة

حكمنا هو: إما القوة، الشدة، مثل مملكة بيت داود، أو جحيم الذل: المملكة العربية

أي أن القدس، المدينة التي يقع في قلبها جبل البيت والتي تحمل معها ذاكرة بيت داود، يكشف عنها جرينبرج باعتبارها مركز الصراع القومي على أرض إسرائيل، وقصة النهضة الفعلية والرمزية للمدينة هي جزء جوهري ولا ينفصل عن قصة النهضة الصهيونية (بالمناسبة، هذه الأبيات كتبت في نهاية 1936). النبوءة المقدسية لجرينبرج يتم التعبير عنها بشكل قوي في الأبيات الختامية للكتاب، والتي يعلن فيها الشاعر عن هزيمة بريطانيا الكبرى وعن خلاص المدينة والأرض:

وأنا أرى فصيل الشحن الجوي

على وجه جبل البيت يدور في يوم العيد

أرى جبل البيت كسيناء مشتعلة

وفي الأبواق ينفخ

وعلم داود – في برج داود

بين هذا وذاك تظهر في الكتاب قصيدة "حقيقة واحدة وليس إثنان"، والتي أصبحت هي النشيد الخاص بأتباع جرينبرج، وبرغم أن القدس لم تكن "موضوعا" في القصيدة، فالوزن الذي ينسبه لها الشاعر كامن في البيتين اللذين يشكلان قلبها. مقابل حقيقة الصهيونية الاشتراكية يقترح جرينبرج حقيقته الخاصة ("وأنا أقول")، والتي هي، في رأيه، الحقيقة المطلقة وليس هناك غيرها. ولأجل دعمها يقول:

وأنا أقول: حقيقة واحدة وليس اثنتان

كالشمس الواحدة ومثلما أنه ليس هناك قدسان

أي أن القدس هي خبرة تاريخية خاصة، واحدة وليس هناك غيرها، وبهذا المعنى فليس هناك ما يشبهها ولا ما قد يكون بديلا عنها.

يهوشواع هاشل ييفين، وقد كان الحليف السياسي لجرينبرج في "حلف البريين"، وأصبح المحلل شبه الرسمي لكتاباته، نشر في 1938 كتاب "أوري تسيفي جرينبرج الشاعر المشرع." والذي حاول فيه ترجمة "كتاب التوبيخ والعقيدة"، إلى مذهب سياسي منتظم. في الفصل الذي قام فيه بتحليل "المبادئ الإثني عشر لقانون التحرر" كرس ييفين مادة صريحة لموضوع القدس. وكتب أيضاً في المادة الثامنة: "إقامة مملكة إسرائيل معناها – إقامة المملكة بالقدس وكل مقدسات الأمة التاريخية. أي تجاهل للقدس، أي تنازل عن مقدسات الأمة هو خيانة قومية. خيانة الحائط الغربي (بعد أحداث 1936) كانت، وفق الشاعر، أُماً لكل خياناتنا – وسابقة لمصادرة القدس من حيز سلطتنا لزمن كبير.

جرينبرج كرر موضوع القدس في أعقاب حرب الاستقلال [حرب 1948] والتي انتقل فيها القسم الشرقي من القدس والمدينة القديمة كلها إلى مجال المملكة الأردنية، ولفترة ما كانت تل أبيب هي العاصمة الفعلية للدولة الشابة ومركز نشاط مؤسسات السلطة. فقدان القدس القديمة، ونقل مركز الثقل القومي من القدس لتل أبيب، أثارا انتقادات حادة من جانب الشاعر، كان ممزوجاً، بالطبع، بالإنكار المبدئي لفكرة تقسيم البلد. "هذا المركز الحساس يقع دائما في القدس، وحولها نسج جرينبرج حزمة ضخمة من القصائد المليئة بالغضب واللين." كما كتب دان ميرون عن قصائد جرينبرج المنشورة في السنوات من 1948-1951، بصحيفة "حيروت" ومجلة "سولام". وأضاف: "قصائد القدس التي كتبها جرينبرج في هذه الفترة هي قصائد الانشطار النفسي القومي، هي قصائد عن احتياج النفس القومية المنشطرة لأن تعيد توليف قسميها."

في قصيدة "عن فقدان القدس" عبر جرينبرج عن مشاعر الإحباط والعجز بسبب فقدان المدينة القديمة وأعلن: "لقد خنّا القدس وأخطأنا بحقها". بل وأكثر من هذا، فإن الاعتراف بإقامة دولة يهودية مركزها السياسي والروحي ليس القدس وجبل البيت، وإنما تل أبيب وشاطئها، يحدد في رأي جرينبرج واقعا لا يتحمله العقل – كما يكتب في "قصيدة عن القدس":

للقدس لحمي ودمي

أبدلا من القدس تل أبيب؟ (كقول يعقوب لراحيل: "أبدلا من الرب أنا؟"، التكوين، 30، 2).

أي أن استبدال القدس بتل أبيب هو في الواقع خيانة لحلم الخلاص، انفصال خطر عن التسلسل القديم للتاريخ اليهودي المتماهي مع القدس. بل وطالب جرينبرج (في قصيدة "القدس المنتقمة") باحتلال المدينة القديمة ووضعها تحت السيادة الإسرائيلية –

أسرعوا اذهبوا للحرب دفاعا عن أمنا المحاطة بالسور

عالم التشبيهات الموجود في هذه القصائد يتفاقم في الخطاب الأول الذي ألقاه أوري تسيفي جرينبرج (عضوا للكنيست) قبل جلسة الكنيست بتل أبيب في 9 مارس 1949. اتهم جرينبرج القيادة الوطنية بأنها السبب في فقدان القدس القديمة، والتي هي، في رأيه، "القدس الحقيقية"، حيث أن: "قدس الأمة – هي داخل السور، وفيها جبل البيت، والذي يتجاوز الأسوار، هذا هو تلقيح القدس." ولهذا طالب بتغيير الوضع من أساسه: "أعرف فعلا أن ثمة تنازلاً. وليس من الضروري أن أشرح للكنيست، لماذا يكون علينا التنازل عن عاصمتنا الحقيقية؟ ماهي الضرورة، ماهي القوة التي لا يمكن مقاومتها، التي تضطرنا لتسليم القدس"؟ وقال أيضا: "الهدف النهائي هو الدولة اليهودية، محاربة المستعبد البريطاني، وأيضا الحرب الدموية دفاعا عن القدس."

في هذه المناسبة شرح جرينبرج لأعضاء الكنيست نظرته الجغرافية، والتي يحتفظ وفقها للقدس بدور أساسي: "من يتحكم في باريس، يتحكم في بوردو بالتالي، ومن يتحكم في القدس، يتحكم في تل أبيب." بل وحذر أن التنازل عن القدس سوف يؤدي لتأسيس ما أسماه بـ:"فلسطين العربية"، والتي سوف يجد اليهود فيها أنفسهم يعيشون كأنهم بداخل الجيتو. وإذا كان ذلك كذلك – كما تساءل جرينبرج – فلماذا نملك دولة بدون القدس؟"

شموئيل يوسف عجنون: ضد تل أبيب!


حتى شموئيل يوسف عجنون، بطريقته، يلعب في نفس الساحة. في كل ما يتصل التشبيهات العامة والأدبية يتماهي عجنون بشكل قاطع مع القدس، ولكن هذا التماهي هو ابن رحلة شخصية وروحانية استمرت لسنوات. بعد هجرته الأولى إلى البلد في عام 1908، أقام عجنون بحي نفيه تسيديك بيافا، و التحم بالنخبة الثقافية والسياسية للاستيطان المتركزة في هذه المدينة. كان شاهداً أيضاً على تأسيس مدينة تل أبيب، بل وتطرق لهذا الوضع في عدة سياقات. من حين لآخر كان عجنون يقوم بزيارات للقدس وسحرته المدينة بالتأكيد، وفي مرحلة ما اختار السكنى بها لشهور متواصلة. ولكن فقط بعد هجرته الثانية للبلد عام 1924، بعد احتراق بيته بباد هومبورج وأثناء مسيرة "التوبة" التي مر بها بعد الحريق، اتخذ عجنون قرارا واعيا بعدم العودة ليافا (أو، لمزيد من الدقة، لتل أبيب) – والتي كانت عندئذ المسكن الطبيعي لأغلب الأدباء، واختار أن يقيم بيته في القدس بالتحديد.

يكفي أن نتأمل عددا من الرسائل التي أرسلها لزوجته إستر في الأسابيع الأولى خلال إقامته المستأنفة بالبلد، حتى نفهم ما مر به بهذه الأيام. في رسالة بتاريخ 3 ديسمبر 1924 كتب: "وصلت أمس تل أبيب، ضوضاء شديدة ورهيبة. البيوت تلوح بالمئات. أمريكا! كم أحن إلى القدس." في 12 نوفمبر كتب: "قالوا لي بالأمس أن بياليك يتعجب لأنني لم أزره. دوافع زيارتي القدس وليس تل أبيب تشير إلى أفكاري." أو على سبيل المثال، في خطاب بتاريخ 25 نوفمبر: "خلال هذا جاء بياليك، والسيدة بياليك.. وأغرياني بالذهاب معهما لتل أبيب واستأجر بياليك سيارة ومكانا خاليا من أجلي، ولم أستجب لهما. سحبني بياليك بالقوة إلى السيارة وقلت أنا في نفس الوقت: لا! وظللت في القدس، لأنني أحب القدس أكثر من أي مكان بأرض إسرائيل."

يفسر هذا في خطاب بتاريخ 10 ديسمبر: "كما هو معروف فأنا أريد العودة للقدس، برغم أنه ليس لي أي دليل للشقق، وبرغم أن الحياة هناك أكثر صعوبة.. في تل أبيب كان يمكنني العثور على حجرة مع كل التسهيلات. ولكن قلبي كان أكثر انجذابا للقدس. ولكنني سوف أشرح لك الحقيقة، في القدس أنا أكثر من البكاء والذهاب للأماكن المقدسة، ولا أعثر على هذا الإحساس الجميل والقدسي الطاهر الذي يدب بقلبي في أي مكان آخر." وفي نفس الخطاب يكتب: "بالأساس أريد أنا حجرة بالمدينة القديمة، لأن أشواقي للأماكن المقدسة لا تحصى."

بعد هذا بعشرين عاما، في 1945، نشر عجنون رواية "أمس الأول"، والتي تعد هي حساب النفس الأدبي الأكثر شمولا وعمقاً المكتوب عن العصر الصهيوني. يواجه عجنون في هذه الرواية القدس بيافا، ويعرضهما كحيزين جغرافيين وثقافيين مختلفين، وفعليا فهو يعرضهما كنموذجيين لطريقتي حياة مختلفتين للوجود اليهودي الصهيوني بأرض إسرائيل (بين قوسين نشير إلى أن الرواية، والتي تصف واقعا تاريخيا قبل الحرب العالمية الأولى، تنشغل في حقيقتها بيافا، ولكن المدينة التي كمنت في وعي عجنون أثناء كتابة الرواية كانت تل أبيب). كانت هذه إذن قصة المدينتين، الأولى عاصمة الاستيطان الجديد، المدينة المتوسطية الساحرة والجذابة، في مقابل القدس، وهي "مدينة الحالة التي تفوق جميع المدن، والتي لا تغيب السكينة عنها أبداً."

العودة ليافا – تل أبيب تتصل بقصة تفكك وهجر التقاليد التي تؤدي لتشكل حياة بلا مضمون، أما الانتقال للقدس فيتصل برحلة التوبة والارتباط المتجدد بالتسلسل اليهودي التاريخي، وهو بالضبط ما حدث لعجنون نفسه. يرسم عجنون إذن المكانين – المدينة الصخرية الجبلية، في مقابل مدينة الرمال والشواطئ – لأجل ترميز الصراع بين الطابع العلماني والحديث وبين العالم المشبع كله بالتاريخ والتقاليد وذكريات الماضي، بين المكاني والحالي وبين ما بدا وكأنه يتجاوز الزمان، بل وخالد. صحيح أن القدس هي المكان الذي عادت إليه اليهودية الحريدية، والتي لا يتسامح معها المؤلف في الرواية، ولكنها أيضا حيز يحمل شحنة ثقافية وتاريخية تكسبها بعداً من القداسة.

ساء حظ بطل "أمس الأول"، يتسحاك كومار، وهو رجل عادي، وجد نفسه في قلب صراع يهدده بالدمار، وبهذا يكشف المؤلف عن البعد المأساوي لمسيرة الخلاص الصهيونية، وهو البعد الذي يعتبره الحقيقة التاريخية للعصر. بل أن عجنون، مثل جرينبرج، يبدو هو أيضا بوصفه "جسداً مقدسياً" ولد في بولندا، ولهذا فهو يرجّح كفة أغلب قصصه لصالح القدس، فهو، من بين جميع أدباء جيله، أفضل من وصف التنافس بين المدينتين واستخلص بحدة ودقة شديدة المعنى الأيديولوجي والأخلاقي الكامن في هذا الاستقطاب.

ميئير فيزلتير: حيفا تدخل اللعبة


على خلفية هذه الكلمات من المهم أن نقرأ قصيدة ميئير فيزلتير "قصيدة عن القدس" والموجودة في كتابه "مختصر الستينيات"، 1984:

إذا لم تكن القدس، فما الذي سيفعلونه بقصيدة عن القدس؟

إذا لم تكن القدس، فليغنوا الآن في مكان آخر.

إذا لم تكن تل أبيب، فما الذي سيفعلونه بقصيدة عن تل أبيب؟

إذا لم تكن تل أبيب، فليغنوا الآن في حيفا.

وبعد هذا ستعود تل أبيب من جديد، وستزهر القدس من الصخرة

بل وستمتد حيفا على الكرمل كالمعمار عربي.

وسوف تقوم الشمس الكبيرة بتقبيل كل هذه الأماكن، كأنهم أطفال ضلوا ثم عادوا للخير.

وسوف يكون الجو دافئا وهادئا في أماكننا

ظاهرياً، تبدو القصيدة كأنها مقولة ضد - قومية تنفي المكانة الخاصة للقدس في الوعي القومي والصهيوني، والتي حظت بالتمثيل والتعبير من منظورات مختلفة، على سبيل المثال في كتابة أوري تسيفي جرينبرج أو حتى في كتابة عجنون. حيث أن عنوان القصيدة ليس إلا "قصيدة عن القدس"، وهو ما يثير الترقب الذي يؤدي لهذا التفسير. وربما ارتبط بها هذا المعنى بسبب مقال تحريضي عن القدس نشره دان ميرون وجاء الكتاب في أعقابه، وفي كليهما قام باستخدام عنوان قصيدة فيزلتير "إذا لم تكن القدس" 1985.

ولكن بالنسبة للقصيدة محل البحث فهناك تكملة تتوجه إلى تل أبيب: "إذا لم تكن تل أبيب، فما الذي سيفعلونه بقصيدة عن تل أبيب؟" واضح أن فيزلتير لا يقوم فقط بالتقليل من شأن أسطورة القدس، ولكنه أيضاً، وبشكل لا يقل عن هذا، يقوم بالتقليل من شأن أسطورة تل أبيب كرمز للإحياء الصهيوني، كما هو الحال مثلاً في قصيدة ناتان ألترمان. يرسم فيزلتير إذن وضعاً افتراضياً، وضعا تتوقف فيه هاتان المدينتان، ظاهريا، عن التواجد في المعنى والمضمون اللذين أعطتهما لهما الشعرية الصهيونية، والتي تعكس – من وجهة نظره – وعيا كاذباً. أو "وبعد هذا ستعود تل أبيب من جديد، وستزهر القدس من الصخرة"، وحتى حيفا – التي تحظى فجأة بمكانة مشابهة "ستمتد كالمعمار عربي" (وتنبغي الإشارة هنا إلى أن حيفا هي مدينة عربية أصلاً.)

إذا كان هذا هو ما سيحدث فعلا، فلسوف تتجسد نبوءة آخرة الأيام لدى الشاعر: حلم الأرض الهادئة والجيدة، أرض السلام الأبدي، التي ستزهر فيها هذه الأماكن كمواقع طبيعية، بريئة من السياسة ومن تهديد الذاكرة الجمعية: "وسوف تقوم الشمس الكبيرة بتقبيل كل هذه الأماكن.../ وسوف يكون الجو دافئا وهادئا في أماكننا."

هذه الرؤية، التي تعبر بشكل واضح عن مزاج "بعد صهيوني"، تفكك في الواقع الانقسام بين القدس وتل أبيب، إذ تنكر بشكل مسبق المعنى الذي تم إلصاقه لهاتين المدينتين في الفكر الصهيوني وفي قطاعات واسعة من الأدب العبري الحديث. في هذه الحالة يصبح السؤال الاستفزازي والمتحدي لأوري تسيفي جرينبرج "أبدلاً من القدس تل أبيب؟" – والمعبر عن التوترات الروحانية والأخلاقية العميقة التي تقع في قلب الثقافة الصهيونية – سؤالاً لا يتصل بالواقع. هكذا يقترح فيزلتير، في فعل محكم وماكر من تفجير الأبقار المقدسة، بديلا له.

__________________________________________

المقال المترجم تم نشره في مجلة الثقافة الجديدة، عدد شهر يناير، 2010.