Friday, 1 January 2010

القدس - تل أبيب: بلا عرب






كيف تعامل الأدباء العبريون مع مدينة القدس؟ في هذا المقال، الذي كتبه الناقد دان لاؤور بصحيفة هاآرتس، نكشف شيئا عن العلاقة الإشكالية لليهود بمدينة القدس، عن مكانة المدينة في الديانة اليهودية وفي الأدب العبري، ولكن أيضا نكشف عما يتجاوز هذا: عن مكانتها في الفكر الصهيوني، كيف تحولت المحبة التي يكنها الإسرائيليون اليهود للقدس (أورشليم) إلى مبرر لطرد العرب، ولاحتقارهم ولاتخاذ مواقف شديدة اليمينية، خاصة بعد احتلال القدس الشرقية عام 1967، وذلك عن طريق أربعة من رموز الأدب العبري الحديث، الشاعران القوميان ناتان ألترمان وأوري تسيفي جرينبرج، والروائي الحائز على نوبل شموئيل يوسف عجنون، والشاعر الذي ينتمي لتيار ما بعد الصهيونية "ميئير فيزلتير". هؤلاء الأدباء يشيرون في أعمالهم إلى القدس، وبالتحديد المدينة القديمة فيها، وإلى التنافس بينها وبين تل أبيب، المدينة التي يتم تصويرها باعتبارها أكثر علمانية وانفتاحا وتحررا.

دان لاؤور

ترجمة: نائل الطوخي

ناتان ألترمان: القدس ليست عربية!


دعونا نتخيل المشهد الختامي للكوميديا الموسيقية "مستر كيبوتس"، والتي كتبها المسرحي مارتن روست، كما عرضت على مسرح "هامتاتيه" في صيف 1943. بعد أن تبقت مشاكل مختلفة في حبكة المسرحية، تجتاح المنصة مجموعة من أعضاء الكيبوتس في طريقها للعمل. المسيرة مصحوبة بتردد "أغنية العمل" التي كتبها ناتان ألترمان – مؤلف أغاني العرض – ولحنها ناحوم نيردي. الأبيات الافتتاحية للأغنية هي كالتالي:

أزرق بحر المياه

رائعة القدس

أضواء السماء

على النقب والجليل

ثم:

يا شمس، أضيئي لنا، أضيئي

مر باتجاهي أيها المحراث

احرث مستوطنة تيليم وعُد

حتى يظلم الليل

وتنتهي الأغنية بالكلمات التالية:

يا أغنية، يا أغنية

اصعدي!

بالمطارق غني

بالمحراث رنمي

الأغنية لم تنته. لقد بدأت لتوها!

كم يبدو الأمر غريباً، هذه واحدة من الحالات الفردية –تقريبا الحالة الوحيدة المحفورة في الذاكرة – والتي يشير فيها ألترمان، وقد عده موشيه شامير طويلا "شاعرا قوميا"، إلى مدينة القدس. هناك إشارات أخرى، ولكنها تقع على هامش شعره: في ملحق "رجاعيم"، والذي صدر في الثلاثينيات بصحيفة "هاآرتس"، يتم إدراج ثلاثة قصائد، إحداها "عن موضوع مقدسي"، (هذا هو العنوان) هي قصيدة احتجاجية على ارتفاع أسعار الشقق في المدينة، أما الأخريان فهما محاكاة ساخرة لقصائد المديح الصهيونية للقدس، وهذه القصائد الثلاث كتبها ألترمان، بالمناسبة، بعد زياراته القليلة للمدينة.

في واحدة منها "بزقاق مقدسي"، -والمنشورة في 12 مارس 1935 – مكتوب:

على أبواب يافا صمت له رائحة، سور طويل، عناكب نابتة فيه

نجمة داود مسنودة على الرمح

كما علمنا أوري تسيفي جرينبرج

وكذلك:

القدس – غريبة وجميلة، متى سوف نعوّد عليها جِراء نظراتنا؟

ثمة رغبة في الانفجار فجأة في النواح

أو السكوت الأبدي على القهوة والنرجيلة

في هذه القصيدة والقصيدة الثانية، المسماة "القدس"، تبدو القدس كمدينة غريبة، تثير بالكاتب إحساسا بالبعد والاغتراب، سواء بفضل الثقل التاريخي الكامن فيها، أو بسبب طابعها الشرقي –المتوسطي، أو بسبب الشعرية المصاحبة لها، التي لا تسمح باللمس المباشر وغير الوسيط مع الأشياء.

يكثر الشاعر حاييم جوري من الحديث عن جولة قام بها وقتها مع ألترمان في أطراف شارع يافا، بجوار السور الذي كان يفصل عندئذ بين قسمي القدس. كان الوقت مساء، نظر ألترمان إلى الأسوار الأسمنتية بعدم ارتياح، ولدى إشارته باتجاه القدس الشرقية، ومن هناك باتجاه مملكة الأردن، صدر شيء ما مثل: "من هنا وحتى شنجهاي- آسيا. ومن وادي العربة حتى نهر اليرقون – إسرائيل!"

فعلا، فلقد كان ألترمان شاعر تل أبيب، الشاعر بألف لام التعريف لتل أبيب. هاجر إلى إسرائيل مع والديه في 1925، وبالتحديد عندما تحولت تل أبيب إلى مدينة حقيقية، ومن هنا فصاعداً قام بالتعبير بشكل فني عن المكان في الأعمدة والأغاني والقصائد نفسها، في إشارة صريحة أحيانا لاسم المدينة، وبشكل مجرد في أحيان أخرى، لدى حديثه عن "المدينة" أو "الشارع."

في عام 1999، بعد موت الشاعر بعقدين، أصدرت دار هاكيبوتس هامئوحاد ديواناً شعرياً وصوراً في حوالي 140 صفحة بعنوان "سيراندا تل أبيبية": "وفيه تختلط قصائد ألترمان عن تل أبيب، مع صور ألكس ليبك. والأمثلة التي يمكن استخراجها من هذا الكتاب كثيرة، على سبيل المثال بيتان شهيران جدا من قصيدة "ضيف"، والتي تم ضمها في سلسلة "سكتشات تل أبيبية" والمنشورة في الملحق المسائي لصحيفة "دافار" عام 1934:

مدينتي تل أبيب، فقط أنت تعرفين

إلى أي درجة مرحة وجميلة وجيدة أنت!"

هذا التطور في كتابة ألترمان وصل لذروته في سلسلة "قصائد مدينة الحمامة"، والمنشورة في 1957. كانت هذه هي التجربة الوحيدة لشاعر عبري يقوم بتأليف ملحمة عن قيام دولة إسرائيل. هي ملحمة شهيرة، لأنه على طول العمل لا يشار إلى اسم القدس أبداً، ولا حتى في القصيدة المكتوبة عن معارك لطرون. في مقابل هذا فتل أبيب –العلمانية، الحديثة، غير الأسطورية فعليا – هي الحيز الطبيعي والرمزي الأكثر تماهيا مع أرض إسرائيل الجديدة ومع مشروع الإحياء الصهيوني. عندما يتحدث ألترمان في "القصيدة الافتتاحية" عن "الزمن عندما يبني مدينة، ويخلق البلد ولغتها"، فالإشارة بشكل صريح هي للمدينة العبرية الأولى. في مرحلة أكثر تأخرا يكرس ألترمان لتل أبيب فصلا كاملا، يدعوه "مدينة اليهود"، وفيه يوسع النطاق.

يكتب من بين ما يكتب:

مدينة بلا مخبأ ولا ذاكرة، مضروبة بجفاف حبات الرمل

التي تحملها الريح كالسهام. مدينة البائع الجوال والبرجوازي

فقط ليل نيسان يغرقها برائحة الإزهار الثقيلة والرخيصة

وهي أمامها مكشوفة وعلمانية

كهرباءها حادة مثل الشوك والورد البري".

وكذلك:

لم يكبر فيها أدباء جيل الإحياء، قالوا أن الصمت جميل

ولكنهم لا يزالون على بابها يقفون كالفقراء

ومنهم من يديرون لها ظهرها

وهي ألقت ضوضاءها فجأة على شباك لغتهم القديمة

وتحولت إلى نظرة ساحرة على لغة الشارع ولغة الصحافة

أي، بالتحديد الطابع الخفيف، المتحرر، لتل أبيب، كلامها العبري، كونها متحررة من الذاكرة التاريخية وقدرتها على إقامة حياة يومية للعادات اليهودية، بدون ادعاء أو موقف تاريخي، هو ما يعطيها في عينيه الأولوية في حلقات قصة النهضة الصهيونية.

كل هذا تغير تماما بعد حرب الأيام الستة: اكتشف ألترمان عندئذ أرض إسرائيل الكاملة، ومنذ أن اكتشفها اكتشف أيضا جبل الجريزيم وجبل عيبال، والخليل وعناتوت، والأماكن المقدسة، ومغارة المكفيلاه، وقبل كل شيء: القدس والحائط الغربي. في مقالاته التي كانت تنشر أسبوعيا تقريبا بصحيفة "معاريف"، والتي جمعت في كتاب "الخيط المثلث"، جعل ألترمان القدس تقف على رأس أولوياته، وأصبحت الإشارة تتم عرضا فقط إلى تل أبيب من الآن فصاعدا. يتحدث ألترمان بصورة انفعالية تقريبا عن "تجديد الارتباط اليهودي بأزقة القدس العتيقة". ويرفض بعنف أية مطالبة عربية بملكية القدس، ويطالب بالإشارة العلنية والبارزة لـ"يوم تحرير القدس الكاملة وخلاص جبل البيت والحائط الغربي." في نفس المناسبة يشير إلى أن: "قوة موقفنا في موضوع القدس هو أن عليه ألا يكون منفذاً، وإنما واجب إضافي بخصوص ما بخارجها، عليه ألا يكون المبدأ المكتفي بذاته، وإنما أن يكون الفرضية الأساسية وراء التصديق على ضرورة وجودنا وحقنا في الوجود بأرض إسرائيل." على الحائط الغربي، الذي لم يشار إليه أبدا ولو حتى في كتاباته التي سبقت 1948، يكتب ألترمان أن هذا هو "بقية مكان التعبد، بقية كل ما هو سام في الرموز الخصوصية والعقيدة القوية." بل ويطالب الجمهور العلماني بالاعتراف بأن "المضمون الديني هو الذي يقف اليوم أيضا خلف حائطنا، متلصصاً من بين الشقوق." (وفق نشيد الأنشاد، الإصحاح الثاني والتاسع).

أوري تسيفي جرينبرج: القدس عاصمة إسرائيل


حالة أوري تسيفي جرينبرج هي حالة مختلفة تماماً، هو الذي سخر منه ألترمان في القصيدة المذكورة. أكثر من مرة كان جرينبرج يتساءل – مشيراً إلى نفسه – كيف يمكن أن يكون "هذا الجسد المقدسي مولودا في بولندا؟".

منذ هجرته للبلد عام 1923 وحتى يومه الأخير كانت القدس محورا أساسيا – شخصيا وسياسيا وأسطورية وربما ميتافيزيقياً أيضا – في شعر وفكر أوري تسيفي جرينبرج. إحدى كتاباته الأولى في البلد كانت قصيدة "قدس الأسفل"، والتي كان فصل أساسي منها هو "القدس الخاضعة للتحليل"، وكان بمثابة نواح على خراب القدس، ينبع من عمق علاقة الشاعر بالمدينة:

القدس المدينة المقدسة، لملكوت الروح، أو لطين اللحم، أو لصلاة الوحيدين

وأيضا:

لي القدس جثة أمي الخاضعة للتحليل: صخرة صخرة عضو تم بتره أو قطعه

موضوع القدس تم طرحه في سياقات مختلفة في "كتاب التوبيخ والعقيدة"، وهو الديوان الأكثر تسيسا لأوري تسيفي جرينبرج. قيلت في المقدمة المنهجية للكتاب أشياء صريحة تتصل بمكانة مدينة القدس، وتم فيها التطرق للصراع اليهودي العربي الذي أخذ مكانا على جدول اليوم منذ أحداث 1929:

بإحدى يديّ، قيود العرب والطربوش المنتصرين

وباليد الثانية: نجمة داود ودرعه

وتحتها جبل البيت. جيوش إسرائيل المهللة

من هنا وهناك مدن محصنة، غابات، حقول خصبة

طبريا هي الأم

وابنها الذي يتطلع لها

هو الجولان مع بنتيه

والقدس التي تتجدد فيها أغنية النبوءة

حكمنا هو: إما القوة، الشدة، مثل مملكة بيت داود، أو جحيم الذل: المملكة العربية

أي أن القدس، المدينة التي يقع في قلبها جبل البيت والتي تحمل معها ذاكرة بيت داود، يكشف عنها جرينبرج باعتبارها مركز الصراع القومي على أرض إسرائيل، وقصة النهضة الفعلية والرمزية للمدينة هي جزء جوهري ولا ينفصل عن قصة النهضة الصهيونية (بالمناسبة، هذه الأبيات كتبت في نهاية 1936). النبوءة المقدسية لجرينبرج يتم التعبير عنها بشكل قوي في الأبيات الختامية للكتاب، والتي يعلن فيها الشاعر عن هزيمة بريطانيا الكبرى وعن خلاص المدينة والأرض:

وأنا أرى فصيل الشحن الجوي

على وجه جبل البيت يدور في يوم العيد

أرى جبل البيت كسيناء مشتعلة

وفي الأبواق ينفخ

وعلم داود – في برج داود

بين هذا وذاك تظهر في الكتاب قصيدة "حقيقة واحدة وليس إثنان"، والتي أصبحت هي النشيد الخاص بأتباع جرينبرج، وبرغم أن القدس لم تكن "موضوعا" في القصيدة، فالوزن الذي ينسبه لها الشاعر كامن في البيتين اللذين يشكلان قلبها. مقابل حقيقة الصهيونية الاشتراكية يقترح جرينبرج حقيقته الخاصة ("وأنا أقول")، والتي هي، في رأيه، الحقيقة المطلقة وليس هناك غيرها. ولأجل دعمها يقول:

وأنا أقول: حقيقة واحدة وليس اثنتان

كالشمس الواحدة ومثلما أنه ليس هناك قدسان

أي أن القدس هي خبرة تاريخية خاصة، واحدة وليس هناك غيرها، وبهذا المعنى فليس هناك ما يشبهها ولا ما قد يكون بديلا عنها.

يهوشواع هاشل ييفين، وقد كان الحليف السياسي لجرينبرج في "حلف البريين"، وأصبح المحلل شبه الرسمي لكتاباته، نشر في 1938 كتاب "أوري تسيفي جرينبرج الشاعر المشرع." والذي حاول فيه ترجمة "كتاب التوبيخ والعقيدة"، إلى مذهب سياسي منتظم. في الفصل الذي قام فيه بتحليل "المبادئ الإثني عشر لقانون التحرر" كرس ييفين مادة صريحة لموضوع القدس. وكتب أيضاً في المادة الثامنة: "إقامة مملكة إسرائيل معناها – إقامة المملكة بالقدس وكل مقدسات الأمة التاريخية. أي تجاهل للقدس، أي تنازل عن مقدسات الأمة هو خيانة قومية. خيانة الحائط الغربي (بعد أحداث 1936) كانت، وفق الشاعر، أُماً لكل خياناتنا – وسابقة لمصادرة القدس من حيز سلطتنا لزمن كبير.

جرينبرج كرر موضوع القدس في أعقاب حرب الاستقلال [حرب 1948] والتي انتقل فيها القسم الشرقي من القدس والمدينة القديمة كلها إلى مجال المملكة الأردنية، ولفترة ما كانت تل أبيب هي العاصمة الفعلية للدولة الشابة ومركز نشاط مؤسسات السلطة. فقدان القدس القديمة، ونقل مركز الثقل القومي من القدس لتل أبيب، أثارا انتقادات حادة من جانب الشاعر، كان ممزوجاً، بالطبع، بالإنكار المبدئي لفكرة تقسيم البلد. "هذا المركز الحساس يقع دائما في القدس، وحولها نسج جرينبرج حزمة ضخمة من القصائد المليئة بالغضب واللين." كما كتب دان ميرون عن قصائد جرينبرج المنشورة في السنوات من 1948-1951، بصحيفة "حيروت" ومجلة "سولام". وأضاف: "قصائد القدس التي كتبها جرينبرج في هذه الفترة هي قصائد الانشطار النفسي القومي، هي قصائد عن احتياج النفس القومية المنشطرة لأن تعيد توليف قسميها."

في قصيدة "عن فقدان القدس" عبر جرينبرج عن مشاعر الإحباط والعجز بسبب فقدان المدينة القديمة وأعلن: "لقد خنّا القدس وأخطأنا بحقها". بل وأكثر من هذا، فإن الاعتراف بإقامة دولة يهودية مركزها السياسي والروحي ليس القدس وجبل البيت، وإنما تل أبيب وشاطئها، يحدد في رأي جرينبرج واقعا لا يتحمله العقل – كما يكتب في "قصيدة عن القدس":

للقدس لحمي ودمي

أبدلا من القدس تل أبيب؟ (كقول يعقوب لراحيل: "أبدلا من الرب أنا؟"، التكوين، 30، 2).

أي أن استبدال القدس بتل أبيب هو في الواقع خيانة لحلم الخلاص، انفصال خطر عن التسلسل القديم للتاريخ اليهودي المتماهي مع القدس. بل وطالب جرينبرج (في قصيدة "القدس المنتقمة") باحتلال المدينة القديمة ووضعها تحت السيادة الإسرائيلية –

أسرعوا اذهبوا للحرب دفاعا عن أمنا المحاطة بالسور

عالم التشبيهات الموجود في هذه القصائد يتفاقم في الخطاب الأول الذي ألقاه أوري تسيفي جرينبرج (عضوا للكنيست) قبل جلسة الكنيست بتل أبيب في 9 مارس 1949. اتهم جرينبرج القيادة الوطنية بأنها السبب في فقدان القدس القديمة، والتي هي، في رأيه، "القدس الحقيقية"، حيث أن: "قدس الأمة – هي داخل السور، وفيها جبل البيت، والذي يتجاوز الأسوار، هذا هو تلقيح القدس." ولهذا طالب بتغيير الوضع من أساسه: "أعرف فعلا أن ثمة تنازلاً. وليس من الضروري أن أشرح للكنيست، لماذا يكون علينا التنازل عن عاصمتنا الحقيقية؟ ماهي الضرورة، ماهي القوة التي لا يمكن مقاومتها، التي تضطرنا لتسليم القدس"؟ وقال أيضا: "الهدف النهائي هو الدولة اليهودية، محاربة المستعبد البريطاني، وأيضا الحرب الدموية دفاعا عن القدس."

في هذه المناسبة شرح جرينبرج لأعضاء الكنيست نظرته الجغرافية، والتي يحتفظ وفقها للقدس بدور أساسي: "من يتحكم في باريس، يتحكم في بوردو بالتالي، ومن يتحكم في القدس، يتحكم في تل أبيب." بل وحذر أن التنازل عن القدس سوف يؤدي لتأسيس ما أسماه بـ:"فلسطين العربية"، والتي سوف يجد اليهود فيها أنفسهم يعيشون كأنهم بداخل الجيتو. وإذا كان ذلك كذلك – كما تساءل جرينبرج – فلماذا نملك دولة بدون القدس؟"

شموئيل يوسف عجنون: ضد تل أبيب!


حتى شموئيل يوسف عجنون، بطريقته، يلعب في نفس الساحة. في كل ما يتصل التشبيهات العامة والأدبية يتماهي عجنون بشكل قاطع مع القدس، ولكن هذا التماهي هو ابن رحلة شخصية وروحانية استمرت لسنوات. بعد هجرته الأولى إلى البلد في عام 1908، أقام عجنون بحي نفيه تسيديك بيافا، و التحم بالنخبة الثقافية والسياسية للاستيطان المتركزة في هذه المدينة. كان شاهداً أيضاً على تأسيس مدينة تل أبيب، بل وتطرق لهذا الوضع في عدة سياقات. من حين لآخر كان عجنون يقوم بزيارات للقدس وسحرته المدينة بالتأكيد، وفي مرحلة ما اختار السكنى بها لشهور متواصلة. ولكن فقط بعد هجرته الثانية للبلد عام 1924، بعد احتراق بيته بباد هومبورج وأثناء مسيرة "التوبة" التي مر بها بعد الحريق، اتخذ عجنون قرارا واعيا بعدم العودة ليافا (أو، لمزيد من الدقة، لتل أبيب) – والتي كانت عندئذ المسكن الطبيعي لأغلب الأدباء، واختار أن يقيم بيته في القدس بالتحديد.

يكفي أن نتأمل عددا من الرسائل التي أرسلها لزوجته إستر في الأسابيع الأولى خلال إقامته المستأنفة بالبلد، حتى نفهم ما مر به بهذه الأيام. في رسالة بتاريخ 3 ديسمبر 1924 كتب: "وصلت أمس تل أبيب، ضوضاء شديدة ورهيبة. البيوت تلوح بالمئات. أمريكا! كم أحن إلى القدس." في 12 نوفمبر كتب: "قالوا لي بالأمس أن بياليك يتعجب لأنني لم أزره. دوافع زيارتي القدس وليس تل أبيب تشير إلى أفكاري." أو على سبيل المثال، في خطاب بتاريخ 25 نوفمبر: "خلال هذا جاء بياليك، والسيدة بياليك.. وأغرياني بالذهاب معهما لتل أبيب واستأجر بياليك سيارة ومكانا خاليا من أجلي، ولم أستجب لهما. سحبني بياليك بالقوة إلى السيارة وقلت أنا في نفس الوقت: لا! وظللت في القدس، لأنني أحب القدس أكثر من أي مكان بأرض إسرائيل."

يفسر هذا في خطاب بتاريخ 10 ديسمبر: "كما هو معروف فأنا أريد العودة للقدس، برغم أنه ليس لي أي دليل للشقق، وبرغم أن الحياة هناك أكثر صعوبة.. في تل أبيب كان يمكنني العثور على حجرة مع كل التسهيلات. ولكن قلبي كان أكثر انجذابا للقدس. ولكنني سوف أشرح لك الحقيقة، في القدس أنا أكثر من البكاء والذهاب للأماكن المقدسة، ولا أعثر على هذا الإحساس الجميل والقدسي الطاهر الذي يدب بقلبي في أي مكان آخر." وفي نفس الخطاب يكتب: "بالأساس أريد أنا حجرة بالمدينة القديمة، لأن أشواقي للأماكن المقدسة لا تحصى."

بعد هذا بعشرين عاما، في 1945، نشر عجنون رواية "أمس الأول"، والتي تعد هي حساب النفس الأدبي الأكثر شمولا وعمقاً المكتوب عن العصر الصهيوني. يواجه عجنون في هذه الرواية القدس بيافا، ويعرضهما كحيزين جغرافيين وثقافيين مختلفين، وفعليا فهو يعرضهما كنموذجيين لطريقتي حياة مختلفتين للوجود اليهودي الصهيوني بأرض إسرائيل (بين قوسين نشير إلى أن الرواية، والتي تصف واقعا تاريخيا قبل الحرب العالمية الأولى، تنشغل في حقيقتها بيافا، ولكن المدينة التي كمنت في وعي عجنون أثناء كتابة الرواية كانت تل أبيب). كانت هذه إذن قصة المدينتين، الأولى عاصمة الاستيطان الجديد، المدينة المتوسطية الساحرة والجذابة، في مقابل القدس، وهي "مدينة الحالة التي تفوق جميع المدن، والتي لا تغيب السكينة عنها أبداً."

العودة ليافا – تل أبيب تتصل بقصة تفكك وهجر التقاليد التي تؤدي لتشكل حياة بلا مضمون، أما الانتقال للقدس فيتصل برحلة التوبة والارتباط المتجدد بالتسلسل اليهودي التاريخي، وهو بالضبط ما حدث لعجنون نفسه. يرسم عجنون إذن المكانين – المدينة الصخرية الجبلية، في مقابل مدينة الرمال والشواطئ – لأجل ترميز الصراع بين الطابع العلماني والحديث وبين العالم المشبع كله بالتاريخ والتقاليد وذكريات الماضي، بين المكاني والحالي وبين ما بدا وكأنه يتجاوز الزمان، بل وخالد. صحيح أن القدس هي المكان الذي عادت إليه اليهودية الحريدية، والتي لا يتسامح معها المؤلف في الرواية، ولكنها أيضا حيز يحمل شحنة ثقافية وتاريخية تكسبها بعداً من القداسة.

ساء حظ بطل "أمس الأول"، يتسحاك كومار، وهو رجل عادي، وجد نفسه في قلب صراع يهدده بالدمار، وبهذا يكشف المؤلف عن البعد المأساوي لمسيرة الخلاص الصهيونية، وهو البعد الذي يعتبره الحقيقة التاريخية للعصر. بل أن عجنون، مثل جرينبرج، يبدو هو أيضا بوصفه "جسداً مقدسياً" ولد في بولندا، ولهذا فهو يرجّح كفة أغلب قصصه لصالح القدس، فهو، من بين جميع أدباء جيله، أفضل من وصف التنافس بين المدينتين واستخلص بحدة ودقة شديدة المعنى الأيديولوجي والأخلاقي الكامن في هذا الاستقطاب.

ميئير فيزلتير: حيفا تدخل اللعبة


على خلفية هذه الكلمات من المهم أن نقرأ قصيدة ميئير فيزلتير "قصيدة عن القدس" والموجودة في كتابه "مختصر الستينيات"، 1984:

إذا لم تكن القدس، فما الذي سيفعلونه بقصيدة عن القدس؟

إذا لم تكن القدس، فليغنوا الآن في مكان آخر.

إذا لم تكن تل أبيب، فما الذي سيفعلونه بقصيدة عن تل أبيب؟

إذا لم تكن تل أبيب، فليغنوا الآن في حيفا.

وبعد هذا ستعود تل أبيب من جديد، وستزهر القدس من الصخرة

بل وستمتد حيفا على الكرمل كالمعمار عربي.

وسوف تقوم الشمس الكبيرة بتقبيل كل هذه الأماكن، كأنهم أطفال ضلوا ثم عادوا للخير.

وسوف يكون الجو دافئا وهادئا في أماكننا

ظاهرياً، تبدو القصيدة كأنها مقولة ضد - قومية تنفي المكانة الخاصة للقدس في الوعي القومي والصهيوني، والتي حظت بالتمثيل والتعبير من منظورات مختلفة، على سبيل المثال في كتابة أوري تسيفي جرينبرج أو حتى في كتابة عجنون. حيث أن عنوان القصيدة ليس إلا "قصيدة عن القدس"، وهو ما يثير الترقب الذي يؤدي لهذا التفسير. وربما ارتبط بها هذا المعنى بسبب مقال تحريضي عن القدس نشره دان ميرون وجاء الكتاب في أعقابه، وفي كليهما قام باستخدام عنوان قصيدة فيزلتير "إذا لم تكن القدس" 1985.

ولكن بالنسبة للقصيدة محل البحث فهناك تكملة تتوجه إلى تل أبيب: "إذا لم تكن تل أبيب، فما الذي سيفعلونه بقصيدة عن تل أبيب؟" واضح أن فيزلتير لا يقوم فقط بالتقليل من شأن أسطورة القدس، ولكنه أيضاً، وبشكل لا يقل عن هذا، يقوم بالتقليل من شأن أسطورة تل أبيب كرمز للإحياء الصهيوني، كما هو الحال مثلاً في قصيدة ناتان ألترمان. يرسم فيزلتير إذن وضعاً افتراضياً، وضعا تتوقف فيه هاتان المدينتان، ظاهريا، عن التواجد في المعنى والمضمون اللذين أعطتهما لهما الشعرية الصهيونية، والتي تعكس – من وجهة نظره – وعيا كاذباً. أو "وبعد هذا ستعود تل أبيب من جديد، وستزهر القدس من الصخرة"، وحتى حيفا – التي تحظى فجأة بمكانة مشابهة "ستمتد كالمعمار عربي" (وتنبغي الإشارة هنا إلى أن حيفا هي مدينة عربية أصلاً.)

إذا كان هذا هو ما سيحدث فعلا، فلسوف تتجسد نبوءة آخرة الأيام لدى الشاعر: حلم الأرض الهادئة والجيدة، أرض السلام الأبدي، التي ستزهر فيها هذه الأماكن كمواقع طبيعية، بريئة من السياسة ومن تهديد الذاكرة الجمعية: "وسوف تقوم الشمس الكبيرة بتقبيل كل هذه الأماكن.../ وسوف يكون الجو دافئا وهادئا في أماكننا."

هذه الرؤية، التي تعبر بشكل واضح عن مزاج "بعد صهيوني"، تفكك في الواقع الانقسام بين القدس وتل أبيب، إذ تنكر بشكل مسبق المعنى الذي تم إلصاقه لهاتين المدينتين في الفكر الصهيوني وفي قطاعات واسعة من الأدب العبري الحديث. في هذه الحالة يصبح السؤال الاستفزازي والمتحدي لأوري تسيفي جرينبرج "أبدلاً من القدس تل أبيب؟" – والمعبر عن التوترات الروحانية والأخلاقية العميقة التي تقع في قلب الثقافة الصهيونية – سؤالاً لا يتصل بالواقع. هكذا يقترح فيزلتير، في فعل محكم وماكر من تفجير الأبقار المقدسة، بديلا له.

__________________________________________

المقال المترجم تم نشره في مجلة الثقافة الجديدة، عدد شهر يناير، 2010.

Friday, 25 December 2009

هيا بنا نفكك المدينة

تفكيك المدينة


نوعام برتوم

ترجمة: نائل الطوخي



في أول الليل

رجل جديد عار في سريري

تل أبيب تغلي بالخارج

ترتعش

تفور

يتم تفكيك المدينة.

من خلف النوافذ الزجاجية الواسعة هناك ثقالة ذهبية بيضاء تدور بسرعة وحشية في الجو،

تقوم بتقطيع رقع السماء لأشكال هندسية،

تقطر حولها شظايا ضوء لامع.

كل السطح مذهب،

غير مكشوف

تقصفه قوات البناء من السماء

دمر!

خرب!

اكسر!

في غرفتي، من الطابق الأقل ارتفاعا، أنا ورجلي نعرض الحب على الملأ!

يتسلل باتجاهي كالروح بين الملاءات البيضاء

وتستجيب النوارس الحمراء

تطير من على السرير وهي تصفق بأجنحتها، تهتف وتحلق

ونحن معها:

نـ-فـ-كك المـ-دينة.

نـ-فـ-كك المـ-دينة.

نحن أسود في السيرك

عرف رؤوسنا يشعل نارا

ذيولنا مسنونة وسريعة كالسكاكين

ننتقل بين إثنتي عشر حلقة مشتعلة

نزأر ونقطف على الأرض بلدوزرات صاخبة.

صفارات قوية تصبح عادية في العالم البارد، المحروق بالأسفلت

مثل صواريخ بالستية بين الارتفاع والانهيار.

عمال، أنصاف آلهة، راكبين على جرارات مرتدين خوذات بلاستيكية مبفعة ومدرعات عاكسة للضوء

يفككون البضاعة ويصعدون، يخلطون الأسمنت، يرددون ببهجة

فتت!

اخرق!

حطم!

نحن مصبوبون من الأسمنت.

تماثيل حجرية قديمة نفخ فيها شخص من روحه:

نـ-فـ-كك المـ-دينة.

نـ-فـ-كك المـ-دينة.

من السماء تنقض أوناش، تنظر شزرا، سكرانة

وبدون إنذار تهاجم، كالمجنونة

رؤوس ديناصورات عملاقة، بمفاصل كثيرة، تدور حول محورها في الفضاء

تفتح بلاعيمها الرهيبة،

ملقاة على الزجاج

كسر!

ابتر!

فجّر!

مملكة قبل تاريخية غريبة هي تل أبيب،

ونحن مأخوذون بالرعب الأخرس

نمضغ الفشار في إيقاع موحد مثل المطحنة

ونشاهد – نشارك في فيلم خيال علمي،

فقط أنت وأنا

بينما فجأة، الأرض تنهار من الأسفل، إلى الداخل،

فيالق نشطة تقوم لإخضاع

مدينة تل أبيب.

"المنصة" تميل على جانبها، وتتشنج،

والفيالق تدفن المسرح القومي القديم

حتى عظامه

وتحتفل على خرائبه برقصة النصر، بأغنية المجد –

اسحق!

شقّق!

قم بالتصفية!

نـ-فـ-كك المـ-دينة.

نـ-فـ-كك المـ-دينة.

وأنت تطلق شررا في أذني.

ويفكك جسدي جسدك والعكس

يفكك أحدنا الآخر-

الألعاب النارية في السقف

الألعاب النارية على المخدة

الألعاب النارية في أفواهنا

بين أرجلنا وبيننا

انفجارات النور والغاز

مشهد صوتي وضوئي كامل

عندما نفكك المدينة.

وبخارج الجميع

يجلس بوذا كبير

ويتخيلنا.

يفرش علينا بطاطين ثقيلة،

شلالات من الحليب،

يسكب ببطء ويقلب في القًدْر.

بالتدريج ينطفئ الحريق.

لسنا أكثر من كورن فليكس في إفطاره.

ننام أمام الثمانيات في الجو التي تصنعها كف الهيلوكوبتر بداخل فمه –

أطفال رضع نائمون في المغارة،

متحررين في أحلامنا.

لن يترك عمله إلا بعد إنهائه

تفكيك صورة تل أبيب

من أجلنا.

نـ-فـ-كك المـ-دينة.

نـ-فـ-كك المـ-دينة.

________________________________________


نوعام برتوم، ولدت عام 1986، في تل أبيب، تدرس الأدب والكتابة في جامعة تل أبيب. تخرجت من ورشت شعر "هاليكون" ونشرت قصائدها في صحف "بامحانيه"، ودورية "هاليكون"، كما تم تلحين عدد من قصائدها على يد موسيقيين. القصيدة منشورة في صحيفة "يديعوت أحرونوت". والصورة تصوير: داني نويمان

Saturday, 19 December 2009

الورثة

عاموس عوز

ترجمة: نائل الطوخي

1

الرجل الغريب لم يكن غريباً. شيء ما في شخصيته كان مقززاً ومذهلا أيضاًً لأرييه تسلنيك منذ النظرة الأولى، إذا كانت تلك نظرة أولى بالفعل: تقريبا خيل لأرييه تسلنيك أنه يتذكر هذا الوجه، هاتين الذراعين الطويلتين والممتدتين تقريباً حتى الركبتين، يتذكر بشكل مضبب، كأنما حدث هذا قبل حياة كاملة. ركن الرجل سيارته بالضبط أمام باب الفناء. كانت سيارته بيج متربة وعلى شماستها الخلفية والشماسات الجانبية أيضا كانت ثمة رقع من الملصقات الملونة، كل أنواع علامات القراءة، الإعلانات، التحذيرات والشعارات. أغلق باب السيارة ولكنه توقف ليفحص، بحركات مجتهدة، باباً بعد باب، ليرى إن كانت الأبواب كلها مغلقة جيداً. ثم طرق وعاد و طرق بخفة على غطاء الموتور، كأنه حصان قديم مربوط بعمود الحائط ويومئون له بحب أن الانتظار لن يطول. ثم دفع الرجل الباب وخطا باتجاه الشرفة الأمامية، والتي ظللتها عريشة عنب. بدت خطواته قافزة ومتألمة قليلاً أيضاً، كأنه يخطو حافيا على الرمل الساخن.

من مكانه على الكرسي الهزاز بركن الشرفة، يرى ولا يُرى، شاهد أرييه تسلنيك الضيف منذ أن ركن سيارته. ولكنه، وعلى قدر ما حاول، لم ينجح في تخيل من هو هذا الغريب غير الغريب. أين التقاه، ومتى التقاه، هل في واحدة من سفراته خارج البلاد؟ في خدمته الاحتياطية؟ في المكتب؟ في الجامعة؟ أو ربما أثناء سنوات المدرسة؟ وجه الرجل كان ماكراً ومبتهجاً، كأنه نجح في تدبير مكيدة ما والآن يشعر بالشماتة. من خلف الوجه الغريب أو من تحته كانت ثمة إشارة غامضة لوجه معروف، مزعج، وجه يطرد النوم، هل هو وجه شخص أساء لك مرة؟ أو على العكس، وجه تسببت له أنت بظلم منسي ما؟

مثل حلم غرقت تسعة أعشاره ولا يلوح إلا طرفه .

قرر أرييه تسلنيك إذن عدم القيام من مكانه احتراما للقادم وإنما استقباله هنا، على الكرسي الهزاز في البلكونة بمدخل البيت.

تحرك الغريب وسار متعرجاً بعجلة على طول الطريق المؤدية من البوابة إلى سلالم الشرفة، وعيناه الصغيرتان تركضان بلا انقطاع، يمينا ويساراً، كأنه يخشى الانكشاف أمام الزمن، أو على العكس، كالمفزوع من كلب غاضب قادر في كل لحظة على القفز عليه من أجمة أشجار البوجنفيليا الشائكة التي تنمو على جانبي الطريق.

الشعر الأصفر الخفيف ، الرقبة الحمراء التي يذكره جلدها المجعد الهزيل والفقير بحوصلة الدجاجة الهندية، العينان المائيتان القذرتان التان تركضان كالأصابع النابشة، ذراعا الشمبانزي الطويلتان، كل شيء أثار به ضيقا غامضاً.

من برج مراقبته الخفي على الكرسي الهزاز، تحت ظل أغصان العنب المتسلق لاحظ أرييه تسلنيك أن الرجل الضخم واهن قليلا، كأنه تعافى لتوه من مرض قاس، كأنه كان لفترة طويلة شخصا ثخين الجلد ولم ينهر داخلياً إلا مؤخراً، تقلص بداخل جلده. حتى الجاكت الصيفي الذي كان يلبسه، الجاكت ذو الجيوب المنفوخة واللون البيج العكر، بدا واسعا للغاية، وكان معلقا بإهمال على كتفيه.

برغم أن الأيام كانت نهاية الصيف والطريق كان يابساً، فقد توقف الغريب ليحك جيدا نعلي حذائه بالسجادة أسفل السلم. عندما انتهى رفع رجلا أخرى وعاد ونظر، إلى هذا بعد ذاك، نظافة نعلي حذائه. فقط عندما ارتاح باله صعد على السلم وفحص الشراعة على قمة السلالم، وعندما طرق عليها بأدب عدة مرات ولم يستجب أحد أدار أخيرا عينيه واكتشف أن صاحب البيت نابت بارتياح في كرسي هزاز محاط بأصص الزرع الكبيرة والسرخس في ركن عريشة العنب، التي أظلته وأظلت الشرفة كلها.

على الفور ابتسم الضيف ابتسامة واسعة، وتقريبا انحنى انحناءة احترام، وسعل ونظف حنجرته قبل أن يبدأ الكلام معلنا:

§ لديكم مكان فاتن هنا، سيد تسلكين! رائع! إنه بالضبط بروفانس في دولة إسرائيل! أي بروفانس! توسكانا! والمنظر عندكم! الغابة! العنب! تل إيلان هي ببساطة القرية الأكثر سحرا في هذا البلد الشرقية. لطيف جدا! صباح الخير، سيد تسلكين. سامحني، آمل في ألا أكون، بالمناسبة، مزعجا بعض الشيء؟

رد عليه أرييه تسلنيك تحية الصباح بصوت جاف، وأصلح الأمر قائلا أن اسمه تسلنيك وليس تسلكين، وأشار إلى أنه يعتذر، عندنا لا يشتري أحد شيئاً من مندوبي المبيعات.

  • معك حق جدا! بالتأكيد معك حق! صاح الرجل وهو لا يزال يمسح بكمه عرق جبينه، فمن أين يمكننا أن نعرف أن من أمامنا مندوب وليس مجرد محتال؟ أو حتى أعوذ بالله مجرم أتي ليدرس الأرض لكي يمهد الطريق لعصابة من مقتحمي البيوت! ولكنني، يا سيد تسلنيك، بالمناسبة أنا بالتأكيد لست مندوبا، أنا مفتسير.
  • ماذا؟
  • مفتسير. وولف مفتسير. المحامي مفتسير من مكتب محاماة لوتام بروجينيف. لطيف جدا، سيد تسلنيك، جئت إليك، يا سيدي، في موضوع، كيف يقولون هذا، أو ربما يكون من الأفضل ألا نحاول أبدا وصف الموضوع وإنما أن نقترب مباشرة منه. هل تسمح لي بعد إذنك بالجلوس؟ سوف يكون هذا شرحا شخصيا بدرجة أو بأخرى، ليس خاصا بي والعياذ بالله، فأنا في مواضيعي الشخصية لم أكن أبدا لأتجرأ على الاقتحام والإزعاج هكذا بدون أي إشعار مسبق. ولكننا حاولنا، بالتأكيد حاولنا، عدة مرات حاولنا، ولكن تليفونك محمي ولم تتفضل أبدا بالرد على رسالتنا. لهذا قررنا تجربة حظنا في زيارة لم يتم التنسيق فيها فيها مسبقا، ونعتذر بشدة عن الإزعاج. هذا بالتأكيد أمر غير شائع لدينا، أن نجتاح الحيز الشخصي للآخر، فما بالك لو أن هذا الآخر يجلس في أجمل مكان بالبلد كلها. على أية حال، كما قلنا، فبالتأكيد ليس هذا أمرا شخصيا لنا. لا، لا. على أي وجه. وإنما العكس، قصدنا هو، إذا صغنا هذا بلطف، ربما سنقول أن قصدنا هو موضوع شخصي يخصك أنت، سيدي. موضوع شخصي يخصك ولا يخصنا فحسب. الأكثر صوابا أن نقول أنه في الحقيقة يخص عائلتك. أو ربما العائلة بشكل عام، وبشكل خاص- واحد من أفراد عائلتك، سيد تسلكين، واحد محدد من أفراد عائلتك. لن تعارض في أن نجلس ونتحدث عدة لحظات؟ أضمن لك بأن أحاول قدر استطاعتي ألا يأخذ الموضوع أكثر من عشر دقائق. وإذا كان ذلك كذلك، فهذا أمر يتعلق بك فقط، سيد تسلكين.

قال أرييه تسلنيك:

تسلنيك.

ثم قال:

اجلس.

وأضاف فورا:

ليس هنا، هنا.

ولأن الرجل السمين، أو الذي كان سمينا، هبط أولا على الكرسي الهزاز الزوجي، بالضبط إلى جانب المضيف، لمس الفخذ الفخذ، فلقد طوقت جسده سحابة من روائح ثخينة كالحاشية، روائح هضم وجوارب وبودرة تلك وإبطين. تظلل كل هذه الروائح شبكة دقيقة من رائحة معجون حلاقة حاد. تذكر أرييه تسلنيك فجأة أباه، والذي كانت رائحة معجون حلاقة تغطي أيضا على الدوام روائح جسده.

في اللحظة التي قيل له فيها ليس هنا وإنما هنا، قام الضيف وتحرك قليلا، ذراعا القرد تدعمان ركبتيه، واعتذر مغيراً مكانه ومحرراً مؤخرته في البنطلون الأكثر اتساعا من قياسه في المكان الذي أشير له به، على أريكة خشبية في الجانب الآخر لطاولة الحديقة. كانت تلك طاولة قروية مصنوعة من ألواح الخشبية. شبه مسطحة فقط، تشبه الدعائم تحت قضبان القطار. من المهم لأرييه أن أمه المريضة لن ترى أبداً هذا الضيف من خلف نافذتها، ولا حتى ظهره، ولا حتى ظله على خلفية عريشة العنب. لذا فقد أجلسه في مكان واضح للعين من خلف النافذة. أما الصوت الترتيلي السمين فسوف يحميها صممها منه.

2

قبل ثلاثة سنوات سافرت نعاما، امرأة أرييه تسلنيك، إلى صديقتها الأقرب، تالما جراند في سان دييجو، ولم تعد. لم تكتب له صراحة أنها قررت تركه، ولكنها ألمحت إلى هذا بلطف في البداية: بالمناسبة أنا لن أعود. بعد مرور حوالي نصف عام كتبت: أنا لازلت مع تالما. ثم كتبت أيضا: ليس من ضرورة في أن تواصل انتظاري. أعمل مع تالما في ستوديو لتجديد الشباب. وفي خطاب آخر: جيد أن أعيش سويا مع تالما، لدينا نشاطات متشابهة. وكتبت مرة أخرى: المعلم الروحي لكلينا رأى أنه من المناسب لنا ألا تتخلى الواحدة منا عن الأخرى. سوف تكون على ما يرام؟ صحيح أنك لست غاضبا؟

الابنة المتزوجة، هيلا، كتبت له من بوسطن: أبي، أقترح عليك، لصالحك، ألا تضغط على أمي. سوف تجد لك حياة أخرى.

ولأن العلاقة بينه وبين ابنه البكر إلدار قد انقطعت من زمن طويل، ولأنه باستثناء عائلته تلك لم يكن لديه أي شخص مقرب منه، فلقد قرر في العام الماضي تصفية الشقة بالكرمل والعودة للسكنى عند أمه في البيت القديم بتل إيلان، وأن يعيش على الدخل المتوفر من تأجير الشقتين في حيفا مخلصاً لهوايته.

هكذا وجد له حياة أخرى، كما اقترحت ابنته.

في شبابه خدم أرييه تسلنيك في الكوماندو اليومي. منذ طفولته المبكرة لم يخف من أي خطر، لا من نار العدو ولا من تسلق الجروف. ولكن مع السنوات نمت لديه مخاوف حادة من الظلام في بيت خاو. لذا فقد اختار أخيراً العودة للسكنى بجانب أمه، في البيت المتقادم الذي ولد وكبر به، في طرف قرية تل إيلان. الأم، روزاليا، كانت عجوزاً كما ينبغي لابنة التسعين عاماً، صماء، محنية للغاية ومقلة في الكلام. أغلب الوقت كانت تتركه يعتني باحتياجات البيت بدون الإثقال عليه وتقريبا بدون الإدلاء بملاحظة أو بسؤال. أحيانا كان يخطر على بال أرييه تسلنيك احتمال مرض أمه، أو أن تشيخ لدرجة العجز حتى عن الوقوف بدون عناية لصيقة، وسوف يضطر هو لإطعامها وتنظيفها وتدليلها، أو لإدخالها دار مسنين، حيث سيتم إقلاق راحة البيت، وستصبح حياته مكشوفة أمام الأغراب. وهناك لحظات كان يتمنى فيها بالتحديد، أو تقريبا يتمنى، الانهيار القريب لأمه، كي يكون لديه المبرر المنطقي والشعوري لنقلها لمؤسسة مناسبة، حيث سيقف البيت كله في صفه. وسوف يتمكن من الإتيان، كما يريد، بامرأة جديدة وجميلة، أو ألا يأتي بامرأة وإنما يستضيف طابوراً من الشابات الصغيرات. سوف يكون ممكنا حتى هدم الجدران الداخلية وتجديد وجه البيت هنا. سوف تبدأ حياة جديدة.

ولكن في نفس الوقت فهما يعيشان سويا، الابن وأمه، في البيت الكئيب، المتقادم، بسلام وصمت. يوميا تأتي خادمة، تأتي معها بأغراض مكتوبة في قائمة، ترتب وتنظف وتطبخ، وبعد أن تقدم للأم وللابن غداءهما تمضي صامتة إلى طريقها. أغلب ساعات اليوم تجلس الأم في غرفتها وتقرأ كتبا قديمة بينما أرييه تسلنيك يستمع في غرفته للراديو أو يبني طائرات من خشب خفيف.

3

الغريب ابتسم فجأة ابتسامة ماكرة، ابتسامة تشبه الغمزة، كأنه يعرض على مضيفه: تعال نخطئ قليلا سويا؟ ومع هذا –كأنه خائف أيضاً من أن يجلب عرضه عليه العقاب. وسأل بسذاجة:

آسف، بعد إذنك، هل تسمح لي بأخذ قليل من هذا من فضلك؟

ولأنه خيل له أن المضيف هز رأسه، فلقد صب الرجل من كنكة زجاجية انتصبت على الطاولة مياه مثلجة مع شريحة ليمون وبعض أوراق النعناع في الكوب الوحيدة التي كانت هناك، كوب أرييه تسلنيك، وألصق شفتيه اللحيمتين بالكوب، منهياً إياه كله في خمس أو ست رشفات واسعة وعالية الصوت، وأعد له نصف كوب آخر واحتساه كذلك بظمأ صاخب، وعلى الفور بدأ في الاعتذار:

آسف! ببساطة شديدة، عندك هنا في هذه الشرفة الفاتنة لا يشعر الواحد أبدا كم أن الجو حار اليوم. اليوم حار جدا. جدا! ومع كل هذا، وبرغم الحرارة الثقيلة، فهذا المكان مع كل هذا مليء بالسحر! تل إيلان هي بالضبط القرية الفاتنة الوحيدة في كل الدولة! بروفانس! ليس بروفانس! توسكانا! غابات! كروم! بيوت فلاحين منذ ما يزيد على المئة عام، حدائق حمراء وأشجار سرو عالية كتلك! والآن ما رأيك يا سيدي؟ هل سيكون مريحا لك أن نتحدث معاً قليلاً عن الجمال؟ أم أنك ستسمح لي بالاقتراب بدون لف ولا دوران إلى جدول عملنا الصغير؟

قال أرييه تسلنيك:

  • أنا أسمع.
  • عائلة تسلنيك، ذرية ليون عقبيا تسلنيك. أليسوا أنتم، إن لم أكن مخطئا، كنت هناك بالضبط بين أوائل من سكنوا القرية؟ من المؤسسين الأوائل؟ غلط؟ من قبل تسعين عاما؟ مئة تقريبا؟
  • اسمه كان عقيبا أرييه، ليس ليون عقبيا.
  • بالتأكيد، تحمس الضيف، عائلة تسلكين. نحن نحترم للغاية تاريخكم المشهور. ليس فقط نحترم. بل نبجل! في البداية، إذا لم أكن مخطئاً، جاء الأخوان الكبيران، بوريس وسميون تسلكين، اللذان وصلا هنا من قرية صغيرة في بيليخ خركوب لأجل إقامة مستوطنة جديدة تماما في قلب هذا المشهد البري لجبال مناشيه المقفرة. لم يكن هناك شيء هنا. سهل أشواك مقفر. حتى القرى العربية لم تكن في هذا الوادي وإنما تواجدت فقط من خلف التلال. بعد هذا جاء أيضا الأخ الصغير لبوريس وسميون، ليون، أو، إذا لم تكن تصر بالضبط على هذا، عقبيا أرييه. وبعد هذا، على الأقل وفق القصة الشائعة، بعد هذا قام سميون وبوريس وعادا واحدا وراء الآخر إلى روسيا، وهناك قتل بوريس سميون بالفأس، وفقط جدك – كان جدك؟ أم أبو جدك؟ - فقط ليون عقبيا هو من أصر على البقاء هنا. ليس عقبيا؟ عقيبا؟ آسف. عقيبا. المختصر، حدث هذا هكذا: بالصدفة طلع أننا، المفتسيريين، نحن أيضا من بيليخ خركوب! بالضبط من غابات خركوب! مفتسير! ربما تكون قد سمعت؟ كان لنا أخ مرتل معروف، شاعيا لايف مفتسير، وكان واحداً من نسل مويسييفيتش مفتسير، كان جنرالا كبيرا في الجيش الأحمر. جنرالا كبيرا جدا جدا، ولكن ستالين أخذه وقتله. في تطهيرات الثلاثينيات.

قام الرجل وأشار بذراعيه الشمبانزيتين إلى وقفة قناص في صف من الرماة، أطلق أصوات قعقعة وابل الرصاص، وكشف بهذا عن أسنان أمامية حادة ولكنها ليست بيضاء تماماً. وعاد وجلس مبتسما على الأريكة، كأنه راض عن نجاح عملية الإعدام. بدا لأرييه تسلنيك أن هذا الرجل ربما كان ينتظر تصفيقا، أو على الأقل ابتسامة، في مقابل ابتسامته الحلوة.

مع كل هذا اختار المضيف ألا يرد بأية ابتسامة. أبعد جانبا الكوب المستعمل وكنكة المياه المثلجة على الطاولة، وقال:

وإذن؟

قبض المحامي مفتسير إذن كفه اليسرى بكفه اليمنى وضغط عليها بسعادة، كأنه من زمن طويل لم يلتق بنفسه وكأنما هذا اللقاء غير المتوقع أبهج روحه للغاية. من خلف الكلمات الكثيرة المتدفقة في فمه سال بدون انقطاع دفق ما من أعماق سعادة لا تنضب، تيار كاسح من الكبرياء المنتشي بنفسه:

جيد. هيا بنا نبدأ في وضع الأوراق مكشوفة على الطاولة، كما يقولون. أنا سمحت لنفسي باقتحامك اليوم، هذا بخصوص المواضيع الشخصية بيننا، وغير هذا، ربما يكون هذا يتصل أيضا، بالله يطول لنا بعمرها، أمك العزيزة؟ أي، السيدة العجوز المحترمة جدا؟ بالطبع، بالطبع، فقط على شرط ألا تعارض بشكل خاص في أن تفتح قليلا هذا الموضوع الحساس؟

قال أرييه تسلنيك:

نعم.

قام الضيف من مكانه، خلع الجاكت البيج بلون الرمل غير النظيف، بقع واسعة من العرق ارتسمت حول إبطي قميصه الأبيض، علق الجاكت على يد الكرسي، عاد وجلس مضطجعا، وقال:

آسف، آمل في أنك لا تهتم. ببساطة، الجو حار جدا اليوم، ستسمح لي بحل الكرافتة؟ للحظة بدا شبيها بطفل خائف، طفل يعرف أنه يستحق توبيخا ومع هذا فهو خجل من التوسل. بعد مرور لحظة اختفت هذه الملامح.

عندما سكت المضيف، خلع الرجل بحركة يد واحدة كرافتته، حركة ذكرت أرييه تسلنيك بابنه إلدار. اقترح الرجل:

  • طالما أن أمك تجلس على رأسنا، فنحن لن نستطيع التصرف في الممتلكات.

  • آسف؟
  • ولكن إذا عثرنا لها على ترتيب ممتاز في مؤسسة ممتازة جدا. ولدي أنا مؤسسة كتلك. أي، ليس لدي وإنما لدى أخي شريكي. فقط علينا أن نتلقي موافقتها. أو ربما سيكون أسهل لنا استخراج تصريح بأننا مسئولين بأن نكون وصيين عليها؟ وعندئذ فلا يكون هناك احتياج لموافقتها.

هز أرييه تسلنيك رأسه مرتين أو ثلاثة، حك يده اليسرى بأظافر يده اليمنى، ففي الفترة الأخيرة خطر على باله التفكير مرة أو اثنتين بموضوع مستقبل أمه المريضة، ماذا سيحدث له أو لها عندما تفقد استقلالها الجسدي أو العقلي، ومتى سيأتي الوقت ليتخذ القرار، كانت هناك لحظات غمره فيها احتمال الانفصال عن أمه بحزن وإحساس بالخجل، ولكن جاءت لحظات أخرى كان يأمل فيها تقريبا بانهيارها القريب وبالاحتمالات التي ستتفتح في وجهه مع نقلها من البيت. بل وفي مرة دعا يوسي ساسون هنا، موظف العقارات، لكي يقيّم من أجله قيمة الممتلكات. هذه الآمال المكتومة أثارت به الإحساس بالذنب، بل والقرف من نفسه. ولكن ما كان غريباً في عينيه هو أن هذا الرجل المقرف كأنه يقرأ شيئا ما من عار أفكاره. وهكذا طلب من السيد مفتسير العودة للحظة إلى البداية. من يمثل بالضبط؟ بالنيابة عن من تم إرساله هنا؟

اجتهد وولف مفتسير في الضحك:

مفتسير، نادني مفتسير ببساطة. أو وولف. من التكلف أن يستخدم الأقارب بينهم وبين بعضهم كلمة سيد.

4

قام أرييه تسلنيك من مكانه. كان أكثر ضخامة وعرضاً وطولاً بكثير من وولف مفتسير، وكتفاه كانتا سميكتين وقويتين، حتى أن كليهما امتلك ذراعين طويلتين تصلان تقريبا إلى الركبة. لدى قيامه خطا خطوتين، وقف بملء طوله أمام الضيف وقال:

وإذن، ماذا تريد؟

بدون أي علامة استفهام قال هذه الكلمات، وخلال هذا كان يثبت زراً في قميصه يظهر من خلال فتحته صدر رمادي ومشعر.

صوصو وولف مفتسير بصوت خافت، مسترضٍ:

مالنا متعجلين سيدي؟ موضوعنا ينبغي أن ندرسه بحذر وهدوء، من كل الجوانب، حتى لا نترك أية ثغرة أو شق. لا ينبغي علينا الخطأ بأية تفصيلة.

بدا الضيف لأرييه تسلنيك ضامراً أو واهناً قليلا. بدا كأن جلده أكبر منه قليلاً. جاكته كان معلقا بإهمال على كتفيه. مثل معطف خيال مآتة في الحديقة، وعيناه كانتا مائيتين وقذرتين قليلاً أيضاً. ومع هذا كان ثمة شيء ما خائف فيه، كالمفزوع من إهانة مفاجئة. موضوعنا؟

  • أي، موضوع السيدة العجوز، أي، السيدة أمك، والتي لا تزال ثروتها مسجلة باسمها وسوف تظل مسجلة باسمها حتى نهاية أيامها ومن يعرف ما الذي سيخطر على بالها وهي تخط وصيتها، إما أن ننجح كلينا في أن يتم تسجيلنا كوصيين عليها.
  • كلينا؟
  • يمكن هدم هذا البيت وإقامة مصحة مكانه. يمكننا فتح موقع لا شبيه له في البلد كلها: جو صحي، هدوء رعوي، مشاهد قروية لا تقل عن البروفانس وتوسكانا، أعشاب طبية، مساج، تأمل، إرشاد روحي، الناس سيدفعون أموالا جيدة مقابل ما يمكن لهذا المكان تقديمه.
  • آسف، منذ متى بالضبط نحن نعرف بعضنا؟
  • ألسنا الآن قريبين وصديقين؟ ليس بالضبط صديقين، عزيزي، قريبين. وربما شريكين.

ربما أراد أرييه تسلنيك بقيامه من مكانه أن يضطر الضيف للقيام والخروج إلى طريقه. ولكن الضيف لم يقم وإنما واصل الجلوس في مكانه، بل وحرك يده وأعد له كوبا آخر من المياه المثلجة بشريحة الليمون وأوراق النعناع، في الكوب الذي كان كوب أرييه تسلنيك قبل أن يصادره هو لصالحه. استند على مؤخرته في الكرسي. الآن، في قميصه الذي تبلله بقع العرق مكان الإبطين، بدون الجاكت أو الكرافتة، بدا وولف مفتسير تاجرا يملك وقته بيديه، تاجر بهائم عرقاناً يزور القرية للتفاوض مع الفلاحين، بصبر ومكر، بخصوص صفقة بقر سمين، وهو مقتنع بأن الطرفين رابحان. نوع من الشماتة المكبوتة شعر به، نوع من البهجة السرية، وهذه الشماتة لم تكن غريبة أبدا عن المضيف.

أنا، هكذا كذب أرييه تسلنيك، عليّ الدخول الآن. عليّ معالجة موضوع ما. آسف.

  • أنا، ابتسم وولف مفتسير، غير مستعجل. بعد إذنك، سوف أجلس وأنتظرك هنا. أم أنك تفضل أن أدخل معك وأتعرف على السيدة، فعليّ أن أحظى بثقتها بسرعة.
  • السيدة، قال أرييه تسلنيك، لا تستقبل ضيوفا.
  • أنا، هكذا أصر وولف مفتسير بل وقام من مكانه قائلا، مستعدا وجاهزا لمرافقة مضيفه لداخل البيت، أنا، لست ضيفاً بالضبط، ألسنا، كيف نقولها، ألسنا تقريباً قريبين؟ بل وشريكين؟

تذكر أرييه تسلنيك فجأة نصيحة ابنته هيلا بالتخلي عن أمه، ألا يحاول إعادتها إليه، وأن يحاول بدء حياة جديدة. والحقيقة هي أنه لم يحاول أبداً الكثير لإعادة نعاما إليه. عندما قامت وسافرت إلى صديقتها المقربة تالما جرانت بعد شجار مرير بينهما، حزم أرييه تسلنيك كل ملابسها وأغراضها وأرسلها على عنوان تالما في سان دييجو. عندما قطع إلدار ابنه علاقته به، حزم الأغراض وأرسل لإلدار كتبه بل وحتى ألعاب طفولته. طهر المكان من أية ذكرى، كما يقومون بتطهير مواقع العدو بعد انتهاء المعركة. بعد مرور أشهر قليلة حزم أيضا أغراضه هو نفسه، صفى الشقة في حيفا وانتقل للسكنى في بيت أمه هنا بتل إيلان. كان يريد راحة كاملة، أكثر من أي شيء آخر: أن تشبه الأيام بعضها وأن تكون الساعات خاوية.

أحيانا كان يخرج للتمشي لمسافات طويلة حول القرية وخارجها أيضاً، بين التلال المحيطة بالوادي الصغير، في المزارع المثمرة، في غابات الصنوبر. أو أحيانا كان يتمشي حوالي نصف الساعة في الحوش، بين بقايا مزرعة أبيه التي تمت تصفيتها قبل سنوات كثيرة. لازالت هنا عدة أجنحة منهارة، حظائر، مظلة من الصفيح، متبن ، زريبة مهجورة لتسمين العجول، الاسطبل تحول إلى مخزن تكوم فيه كل أثاث البيت الذي تفكك على جبل الكرمل في حيفا. هناك، في الاسطبل سابقاً، علا غبار الكراسي والكنبة والسجاجيد والبوفيه وترابيزة السفرة من حيفا، وعلى مدار الأيام، ربطت خيوط عنكبوت رفيعة بين الأشياء وبعضها. حتى سرير الزواج القديم الخاص به وبنعاما تم ضغطه هنا، واقفا على جنبه، بزاوية الاسطبل. السرير تم دفنه تحت أكوام الوسادات المتربة.

قال أرييه تسلنيك:

سامحني، أنا مشغول.

قال وولف مفتسير:

طبعا، آسف. لن أزعجك، يا عزيزي، لن أزعجك بأي شكل. على العكس. من هذه اللحظة سأصمت أنا تماما. لن ألفظ بأية كلمة.

وقام وخطا في أعقاب مضيفه إلى داخل البيت، والذي كان قاتماً وبارداً ورفرفت به رائحة خفيفة من العرق والشيخوخة.

أصر أرييه تسلنيك:

انتظرني لو سمحت في الخارج.

برغم أنه في الحقيقة أراد القول، ولو بدرجة من الفظاظة، أن هذه الزيارة انتهت وأن الغريب مطالب بالخروج.

5

ولكن الضيف لم يحلم حتى بالقيام. طار إلى الداخل في أعقاب أرييه تسلنيك وماضياً على أثره، على طول الممر، فتح باباً وراء باب وتفحص المطبخ بلطف، غرفة المكتبة، وغرفة الهوايات الخاصة بأرييه تسلنيك الموجودة فيها نماذج الطائرات الخفيفة المصنوعة من خشب البالسا والمربوطة بخيوط قوية في السقف وتتحرك بخفة مع الريح كمن تنتوي إدارة معارك جوية قاسية بينها. هكذا كان أرييه تسلنيك يتذكر عادته، عادة الطفولة، فتح كل الأبواب المغلقة واكتشاف ما يختبئ خلفها.

عندما وصل كلاهما إلى عمق البيت، إلى طرف الممر، وقف أرييه تسلنيك لكي يسد بجسده باب الدخول لغرفة نومه، والتي كانت ذات يوم غرفة أبيه. ولكن وولف مفتسير لم يكن ينوي أبداً اجتياح غرفة نوم مضيفه، وإنما طرق برقة على باب العجوز الصماء، ولما لم تصله أية إجابة وضع كفه مربتاً بشكل رقيق على مطرقة الباب. فتح بخفة ودخل ورأى العجوز روزاليا تنام مغطاة حتى ذقنها ببطانية صوف في منتصف سرير الزوج الواسع، رأسها مغطى بطاقية، عيناها مغلقتان وفكها المعظم، معدوم الأسنان، يتحرك كأنه يطحن بلا انقطاع.

حاول وولف مفتسير الضحك قائلاً: "كما كنا نحلم، سلام عليك سيدتي العزيزة، اشتقنا لك جدا جدا ورغبنا جدا في زيارة حضرتك، ألست بالتأكيد سعيدة جدا لرؤيتنا؟"

وفي أثناء هذا كان ينحني عليها ويقبلها مرتين، قبلتين طويلتين على خديها، وأزاد وطبع قبلة أخرى على جبينها، حتى فتحت العجوز عينيها العكرتين وسحبت يداً عظمية من تحت البطانية ومسحت على رأس وولف مفتسير متمتمة بشيء ما. وانطلقت اليد الثانية أيضا من تحت البطانية، وبيديها الاثنتين جذبت رأسه. استجاب لها هو و انحنى مرة أخرى، وخلع حذاءه بجانب أرجل السرير، ومال مقبلا إياها على فمها معدوم الأسنان، ونام بجانبها في السرير وشد عليه أطراف البطانية وتغطى بها هو أيضا وقال هاهو، هكذا، وقال أيضاً: سلام عليك سيدتي العزيزة جداً.

تردد أرييه تسلنيك لحظة أو لحظتين، رفع عينيه إلى النافذة المفتوحة والتي يظهر من خلفها واحدة من أجمة المزرعة المهجورة، وشجرة سرو متربة تسلقت عليها بوجنفيليا مبقعة بأصابع مشتعلة. دار حول سرير الزواج، ثم سار وأغلق الترباس وأغلق النافذة وأغلق جناحي الستارة، وبينما كان يغلق ويظلم كل شيء حل أزرار قميصه وحرر حزام بنطلونه وخلع هو أيضا حذاءه، تعرى ونام على السرير بجانب أمه العجوز. وهكذا نام ثلاثتهم، السيدة صاحبة البيت بين ابنها الصامت وبين الرجل الغريب الذي لا يتوقف عن مداعبتها وتقبيلها وفمه يتمتم برقة. كل شيء سيصبح هنا على ما يرام يا سيدتي العزيزة جدا. كل شيء سيصبح هنا جميلاً أيضاً، نحن سنرتب كل شيء.

_______________________________________

من مجموعته الأخيرة "قصص من حياة القرية".