Wednesday, 17 June 2015

الحاخام دافيد بوزجلو: أنا هو ذاكرتكم





كيف جاء يهود المغرب من الحضارة إلى الخرابة الإسرائيلية


شوشانا غباي
ترجمة: نائل الطوخي

 

في هذا المقال تقدم المفكرة الإسرائيلية من أصل عراقي شوشانا غباي عرضاً لفيلم "الحاخام دافيد بوزجلو – أغنية للصداقة"، كتبته في موقع "هاعوكتس"، تحت عنوان "أغنية للصداقة، الحاخام دافيد بوزجلو: أنا هو ذاكرتكم". في مقالها تدرس غباي شخصية الحاخام الذي جاء من المغرب في الستينيات، وأسرع بالإيمان بالصهيونية فور وصوله لإسرائيل، كحال أبناء طائفته المغاربة. تدرس جباي العلاقة بين الزعيم الروحاني الكاريزمي وطائفته، تقاليد الإنشاد اليهودي الديني، وتقابل بين كازبلانكا المزدهرة ومدن التطوير المقفرة في إسرائيل الستينيات التي سُكّن فيها اليهود الشرقيون، وتصوب سهامها نحو الصهيونية التي أدانت الثقافة اليهودية العربية لصالح ثقافة عدوانية وصحراوية آمن بها أبناء الاستيطان اليهودي، بالإضافة لفكرة الذاكرة والنسيان، بالتحديد بالنسبة لحاخام فرض على نفسه أن يكون مجهولاً حتى نهاية حياته. 

بوستر فيلم "أغنية للصداقة، الحاخام دافيد بوزجلو"

1- معجزة الإنشاد على الرمال

في شهر آب عام 1965، حدثت معجزة في المساكن المتفرقة في مدن التطوير والأحياء الفقيرة في إسرائيل، على سفينة قادمة من المغرب لحيفا وصل الحاخام دافيد بوزجلو. فور أن وضع الحاخام رجليه في شقة الإسكان في رمال [مدينة] كريات يام، حتى وجه خطواته ليتجول في بيت شان، ديمونة، تل أولجا وكريات شمونه. في هذه الأماكن، البعيدة عن عين وقلب السلطة، وقف أبناء الطائفة في تأثر خارج بيوتهم، في استقبال الشاعر العبري الأخير ليهود المغرب وكبير منشديها في القرن العشرين. في هذه اللحظة الدرامية يختار المخرج رفائيل بلولو أن يبدأ فيلمه "الحاخام دافيد بوزجلو – أغنية للصداقة"، فيلمه الوثائقي المثير للمشاعر. لقطة مبهرة لأمواج البحر التي أتت ببوزجلو لإسرائيل مع قطع أرشيفية من سفينة المهاجرين تحل محلها لقطة للانتقال إلى داخل المساكن الجديدة في الخمسينيات والستينيات، والتي كانت وقتها عارية ومكشوفة وسط الرمال، بلا نبت ولا شجيرة. غنم مرعاه من طائفته المشتاقة الساكنة هناك يتذكرون حتى اليوم بدقة تاريخ وصول الحاخام بوزجلو لإسرائيل – شهر آب.
يعرض بلولو على طول الفيلم كله صورة إسرائيل بوصفها "فقط رمال على رمال"، بلد مليئة ببلوكات سكنية جماعية طويلة، ومن هنا يمشي للخلف والأمام. اختار بذكاء هذه الصورة للرمز إلى فترة نشاط الحاخام بوزجلو في إسرائيل – سنوات الهجرة الأولى ليهود المغرب. فقط هكذا أمكنه أن يشرح لمجايليه، وهم يهود شرقيين من أبناء الجيل الثالث يقوم عالمهم على سهولة الاتصال والإعلام، شيئاُ عن اللاجئين المعزولين الذين وُضعوا في قلب البرية. في إطار سياسة عنيفة من تفرقة السكان تم استنساخها من الاتحاد السوفييتي. رأى قادة الدولة لسبب ما أن تطبيق مناهج ديكتاتورية معتادة في قلب الدولة السوفييتية وشريكتيها، الصين وكمبوديا، هو "التحديث والتقدم". وهكذا ففي قلب "التحديث" يظهر الحاخام بوزجلو عندهم فجأة، وهو يحمل معه ذاكرة ثقافية عريقة لطائفتهم.
بعدها، في مقابل الخراب، ينتقل المخرج لقطع أرشيفية من المغرب في الأربعينيات، مشهد ماضوي معروف ومحبوب لليهود المغاربة المدينيين في أغلبهم، الذين عاشوا قروناً في مدن الموانئ والتجارة. ها هي أيضاً الشوارع الضاجّة لكازابلانكا المتوجة التي جاء منها بوزجلو، التي تضم في داخلها طبقات من أجيال كثيرة وثقافات كثيرة. ها هي الأرصفة المبلطة، ها هو المعمار الإسلامي المبهر إلى جانب مبان أوروبية حديثة، ها هي المحلات، المقاهي وأناس يلبسون ملابس لطيفة وكل شيء يركض على الطريقة الحديثة. كل هذا غلفه المخرج، في حكمة موسيقية، بنشيد "الصخرة الذي أحياني"، الذي كتبه بوزجلو بالتحديد مع تعليق من موسيقى الجاز النابضة وليس بالصيغة التقليدية. رغم أن بوزجلو يرمز لتقاليد ثقافية تمتد لقرون، فقد عمل في الواقع كمجدد في القرن العشرين، عندما أخذ تقاليد الإنشاد في المغرب، ربطها بالموسيقى الأندلسية وغرس بها موسيقى شعبية مغربية وموسيقى عربية حديثة.
السنوات العشر التي قضاها الحاخام بوزجلو مع أبناء طائفته في إسرائيل هي مركز ثقل الفيلم. هذه السنوات تبدأ بلحظة النشوة بعد هجرته للبلاد وحرب الأيام الستة وتنتهي بالذبول في حرب يوم الكيبور وحتى يوم موته في عام 1975. ماذا منح بوزجلو لجمهوره في هذه السنوات القاسية، سنوات الفقر، الاغتراب والقمع، التي يسميها في الفيلم ابنه الفيلسوف الدكتور مئير بوزجلو، بلا تجميل أو تزيين بالـ"كارثة"؟ ما المعنى الثقافي والسياسي لتجديد تقاليد إنشاد الأدعية في إسرائيل، التي أسسها الحاخام بوزجلو منذ حياته في المغرب كتقاليد مركزية؟
الميزة الأساسية للغناء الديني هو القوة الملموسة التي يهبها للمؤمنين، شيء ما يتمسكون به، بلا رسائل ثنائية المعنى أو مضببة. تقسيم الغناء الطقوسي وفق مراحل الحياة المختلفة يجيب على المؤمن في أية مرحلة من حياته. ولهذا ففي لحظة أزمة الهجرة لإسرائيل وصلت لليهود المغاربة نفس النغمات السابقة لأناشيد طفولتهم، وأشارت لهم بألا يضلوا الطريق، وما عليهم فعله، وكيف عليهم التعامل مع الحياة وإلى أين ستقودهم الحياة. هكذا كان الحاخام بوزجلو الذي عاني في شبابه في المغرب من النقد، لأنه رغم علمه بالتوراة وذاكرته العظيمة اختار الطريق الطقوسي وليس التعلم، نجح بفضل هذا الغناء في تعزية شعبه في إسرائيل. عندما نسمع تسجيلاً نادراً في نهاية السبت بالمعبد نفهم هذا جيداً. بين الصخب وضجة الأطفال ينفجر الصوت الهائل والكاريزمي للحاخام بوزجلو ويرد عليه الجمهور ببهجة.
على نقيض النغمات الإسرائيلية الغريبة التي سمعها وقتها اليهود المغاربة في الراديو، ففي الإنشاد كانوا يعرفون مسبقاً ما الذي يتوقعونه من الجملة اللحنية ويحسون كيف ستتطور النغمة. من بين التسجيلات النادرة للحاخام بوزجلو، فالأكثر تأثيراً هي تلك التي يلتقطها معجب في الخفاء، لأنها تشهد جيداً على تأثير زياراته [للمعبد]. داخل المحيط الجديد الذي احتقرهم فيه إخوانهم الإشكنازيون، وتواجد المطرودون الفلسطينيون المعادون لهم على الناحية الأخرى للحدود ، خُلق في المعبد حيز محمي غلف الوجود المشكوك فيه للمهاجرين في أوقات قاسية وألهمهم الثقة في نفسهم. يصعب من وجهة نظرنا اليوم فهم أن هؤلاء اليهود لم يكونوا مهرة أبداً في الحرب والعدوانية مثل أبناء الاستيطان العبري، فهم عاشوا في شمال أفريقيا كأقلية تنشغل بالتوراة، المهن والتجارة فحسب. في هذا الوقت كان إحساس اليتم في ضواحي إسرائيل عميقاً. انتشر قادة الطائفة المغربية في كل الاتجاهات، بينما في وسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية، لم يسمع أبناء الطائفة ويقرأوا ويستهلكوا إلا كلمات قادة الصهيونية والمؤسسة الثقافية في إسرائيل، ولا شيء آخر.
في عام 1966، عندما كان الحاخام بوزجلو يمشي وحده في المعابد على رمال ديمونة، مجهولاً خارج طائفته، اشتهر بوزجلو آخر من ديمونة في المدن المؤسَسة في إسرائيل. انسابت أعداد مهولة من المشاهدين إلى دور السينما لمشاهدة الفيلم الشعبي والغرائبي للمخرج مناحيم جولان "فورتونا"، عن عائلة عنيفة باسم بوزجلو تسكن في مكان ما على رمال ديمونة، وتضحي بابنتها فورتونا قرباناً على المذبح باسم تقاليد يهودية شمال أفريقية صحراوية قاتلة. في الإنجليزية سُمي الفيلم "The Girl from the Dead Sea"، لا أكثر ولا أقل، برغم أنه يصعب فهم العلاقة بين المهاجرين من شمال أفريقيا الذين وصلوا لتوهم إلى الخرابة وبين بحر الموت في إسرائيل.
 يثير  ضعف يهود شمال أفريقيا في ردودهم على الفيلم الشفقة، فحتى في عام 1991 كان الناقد يهودا ستاف ما يزال يعرف "فورتونا" بوصفه فيلماً عن" عائلة ممزقة بين التقاليد والتقدم الإسرائيلي العلماني". ويواصل القول أن "الفيلم أثار غضب سكان ديمونة... لجنة السكان التي أعلنت احتجاجها المدوي على وسائل الإعلام وقمة القيادة". لأي درجة يمكن أن يكون "مدوياً"، في عام 1966، احتجاج حفنة لاجئين بعيدين ينتمون للضاحية؟ في فيلم بلولو ثمة تصويب للصورة التي بمفادها فالبرية والرمال يمثلان يهود شمال أفريقيا في الخطاب العام الإسرائيلي. في الواقع، فالفيلم يقلب الصورة: يصل الشمال أفريقيون من الحضارة والثقافة إلى البرية والعدوانية الصهيونيين.
حتى الحاخام بوزجلو، ويرمز له بلولو في فيلمه بواسطة صور أمواج البحر والسماء، كان بإمكانه أن يدع هؤلاء اللاجئين لنفسهم. كان بإمكانه البقاء في مدينة مركزية يحجُّ له الآخرون منها، وستكون لديه مبررات، فهو أعمى ومريض بشكل مزمن. بدلاً من هذا، فقد اختار البقاء مع أبناء طائفته حيث هم. ولهذا فليست عبقرية الحاخام بوزجلو هي التي تثير الإعجاب، فيهود المغرب لم تكن تنقصهم العباقرة، ولا أيضاً مواهبه التي لا تتكرر، التي تربط بين المعرفة العميقة بالتوراة، شموليته بين التحكم اللغوي والتنفيذ الموسيقي، هي التي تثير الإعجاب. الحقيقة المثيرة للإعجاب هي أنه جاء مع هذه الحمولة الهائلة، بتواضع وبتبسط، لهذه الأماكن التي نساها الإله، وبث فيها الأمل. هذا النموذج من القيادة، من التواضع والعمل على الأرض، هو نموذج ومثال أيضاً اليوم ومازال نادراً حتى الآن. 
بوزجلو مع زوجته وابنه

 2- قصيدة بالعبرية أمام قصيدة بالعربية

يمكننا أن نرى دقة المخرج في الشكل الذي ينسج به قصة الشاعر المنشد سوياً مع جمهوره، على قدر ما كانت القصة في الفيلم تتطور. بعد هجرته بدأ الحاخام بوزجلو في كتابة الشعر بكثافة زائدة، بالأساس أناشيد للخلاص والعودة لصهيون. يُسمعنا بلولو نشيد "ولكن فيكِ وطني"، ولكنه يواصل عرض البلوكات السكنية والرمال. يتواصل نشيد بوزجلو– "هنا سفك أبناء شعبي دماءهم" – ولا يحيد بلولو عن الرمال، هناك الآن مساكن بدأت تنبت وبجانبها أشجار، وهناك أرصفة أيضاً. كانت هذه مسرحة ممتازة لكلمات بوزجلو الابن: "كان هناك ارتباك (في الطائفة – ش. غ.) بين الخلاص وبين الكارثة. لم يركز أبي إلا على جانب الخلاص". في نشيد [عيد] "الميمونة"  الذي كتبه بوزجلو يعرض لنا بلولو علامات على تعافي الطائفة، بواسطة أفلام قصيرة ملونة من بداية الاحتفالات الجماعية لعيد الميمونة. ها هي المغنية زهرة الفاسية متزينة استعداداً للحفل، ها هن طفلات يلبسن ملابس تقليدية وموسيقيون يعزفون.
أشعار الخلاص وفرحة [ما بعد الانتصار] التي كتبها الحاخام بوزجلو في أعقاب حرب الستة أيام يوضحها بلولو بالإحالة لتأثير الصراع على حياة يهود البلدان الإسلامية في إسرائيل. على خلفية طوابير النصر يقول البروفيسور يوسف شطريت: " الصراع اليهودي العربي حوّل كل شيء مسموع ذي جرس عربي إلى شيء مُبعد، كأن هناك سلاحاً في الكلمات والموسيقى". يجب فهم أن هذه الأشعار، التي تعرض العرب كعدو، ليست أمراً بديهياً بالنسبة لشخص جاء لتوه من طائفة عاشت لقرون في حضن العربية. العربي هو ابن عم اليهودي في المغرب، جاره وصديقه. اليوم، بينما تبدو مشاعر العداوة بين اليهود الشرقيين والعرب بديهية، يصعب تذكر أن تلك كانت عملية بدأت عندما علّمت الصهيونية على العرب بوصفهم أعداء. لهذا، فعندما يأخذ اليهودي الشرقي على عاتقه أغلال الصهيونية بوصفها تحقق له الخلاص الديني ويسعى للتماهي مع المشروع الذي أسسه إخوانه الإشكنازيون، فهو يستعد بالضرورة للقبول بموقف كهذا.
تزداد الدهشة أمام حقيقة أن الحاخام بوزجلو كان في الواقع شاعر ثنائي اللغة، أذهلنا بالتقفية بعربية وعبرية من الطراز الأول، وبقدرته على نسج قصيدة واحدة منهما. وليس هذا فقط، ولكن من يسمع الأناشيد بالعبرية التي بناها الشاعر على أساس الأنغام المنتشرة من الموسيقى العربية الشعبية والكلاسيكية، لا يستطيع إلا أن يذهل من التحكم المطلق والذي لا يتكرر في العبرية التوراتية والتشريعية، وأن يتأثر بتحكم بوزجلو في العربية وموسيقاها النادرة. كتب بوزجلو لأشعار معروفة بالعربية كلمات جديدة بالعبرية وحافظ على وزن الأصل العربي بشكل يصعب معه تصديق أن هذه ليست الكلمات الأصلية. من يعرف الأناشيد "المتهوّدة" [المتحولة من العربية للعبرية] يعرف أنه كثيراً ما لا ينجح مؤلفو الكلمات العبرية في موائمة الوزن، وتكون النتيجة الموسيقية خادشة للآذان.
هناك شيء ممتع تقريباً في قراءة الشعر العبري الذي كتبه الحاخام بوزجلو بأوزان عربية ضد الدول العربية، بالتحديد بالنسبة لمن يعرف قليلاً القصائد المحاربة التي كتبها الشعراء العرب ضد إسرائيل في الستينيات، وأذيعت في الراديو. كانت أشعار بوزجلو بمثابة رد معارض بنفس الصيغة: قصيدة بالعبرية ضد قصيدة بالعربية. بهذا المفهوم فابنه مئير معه الحق، حيث يزعم في الفيلم أن الأفضل هو علاقة – حتى لو كانت سلبية – بالعدو، لأنها أفضل من التجاهل المطلق لوجوده، كأنه لا يستحق المعاملة كإنسان، مثلما حدث في أغاني حداد البالماح. الأسهل هو التسوية بين فصائل متحاربة بين أبناء نفس الثقافة واللغة الذين يفهم أحدهم الآخر. ولكن في الواقع، فالنتائج السريعة لقبول اليهود الشرقيين بالموقف الصهيوني ضد العرب وضد العربية كان واحداً: تحولت الكلمات والأنغام العربية في نهاية الأمر، وبشكل تراجيدي، لسلاح موجه لثقافتهم هم أنفسهم، وكذلك ضد المشروع الطقوسي للحاخام بوزجلو.
الجزء الذي يمس القلب في الفيلم ينشغل بلحظة اعتزال بوزجلو الحياة العامة، وهي لحظة درامية ورائعة في رمزيتها. في قلب عيد الكيبور عام 1973، وهو اليوم الأهم في السنة بالنسبة للمنشد، تتردد أصوات الصفارات في أنحاء البلاد. بوزجلو، الذي كان واقفاً على المنصة كعادته في المعبد ليخدم بقداسة يوم الدين [يوم الكيبور]، يومه الأكبر، يبدأ في الارتعاش ويقول لخليفته، الحاخام حاييم كوك: "واصل أنت صلاة القربان". ويذهب لبيته ولا يخرج من هناك حتى يوم موته في عام 1975. يضع بلولو في هذا المشهد النشيد الأجمل لبوزجلو، "إلهي لماذا تركتني"، وهو نشيد حداد يثير القشعريرة والدموع. يعود مرة ثانية للمساكن. هذه المرة، بدلاً من أطفال يلعبون بالكرة، يجري جنود الاحتياط ويقفزون على المركبات مسرعين للجبهة. نعود إلى مشاهد الصحراء، ولكننا نتعقب الجنود في الحرب هذه المرة.
الصدمة من العدد الكبير للشهداء والجرحى، الغائبين والأسرى، في وقت تصاعدت فيه أصوات الانكسار والنحيب في جميع أحياء ومدن إسرائيل، أصاب قلب بوزجلو. حل الانكسار محل نشوة الخلاص والإحساس بخطوات المسيح اللذين أحس بهما مع وصوله لإسرائيل. لهذا فحسناً فعل بلولو عندما لم يجمّل لنا الوضع، وإنما ترك هذا الجزء غير محلول وتراجيدي مثلما هو حتى الآن، ففي قلب الإحساس بهذه الكارثة غادر الحاخام بوزجلو العالم، بينما تزور إسرائيل خطيئة الغطرسة ونشوة القوة. كما قالت جيداً ابنته في الفيلم، الدكتورة راحيل سويسة، فرؤية أبيها للمكافأة والعقاب كانت ترى أن الخطيئة تمنحنا فرصة للإصلاح. 

 نشيد "إلهي لماذا تركتني" للحاخام دافيد بوزجلو

3- الإنقاذ من النسيان

نجح بلولو في عدم التعامل مع الفيلم البيوجرافي كأنه قائمة ينبغي فيها إدراج جميع الإنجازات الكثيرة لبوزجلو، ومن بينها عمله كمدرس ونشط في تعليم العبرية في المغرب. ركز بذكاء على قصة زعامة بوزجلو كما تطورت وتعاظمت في إسرائيل، رغم أن بذرتها كانت كامنة في المغرب. هذه قصة عن العلاقة بين زعيم روحاني وطائفته – الفراق واللقاء من جديد، الموت وتواصل الأجيال. "كم أردنا أن تكون معنا في السبت"، قال للحاخام بوزجلو الذاوي مريده رقيق النفس رافي ليفي. "ليس بقدر ما أردت أن أكون معكم"، يجيبه الحاخام بوزجلو بما تبقى من قواه.
ينتهي الفيلم بتواصل جيلي ما، كما يتضح، كان أقوى من المجهولية التي فرضها بوزجلو على نفسه وفُرضت عليه أيضاً من الخارج لدى وصوله لدولة إسرائيل. ما ينقصنا في التوثيق للحاخام بوزجلو، الذي حظر تصويره أو التسجيل له أو طباعة شعره على الأوراق، نجح بلولو في تحويله لميزة. نشأ بوزجلو على ركبتي الثقافة العربية، التي كانت في وقته تقاليد شفوية تنتقل من جيل لجيل، من معلم لتلميذ. لا يتعلق الأمر بالشعر فحسب، وإنما بالموسيقى أيضاً، التي تُعزف بدون علامات موسيقية. في الواقع فقد فرض علينا الحاخام بوزجلو أن نتذكره فقط عن طريقة خلفائه في الفكر، في الشعر والموسيقى. وعندما نرى في الفيلم عمق أفكار أولاده ورواد الإنشاد الآخرين في إسرائيل، مثل البروفيسورة حبيبة بديا، أو نسمع غناء تلميذه الحاخام حاييم كوك، لا يتبقى لنا إلا أن نفهم عظمته.
يمكن أن نكمل هنا كلمات ابنه مئير، الذي ينتقد الطقس العلماني، وفيه يُستعبد الرجل أو المرأة الموهوبين لصالح العمل الإبداعي الإنساني، بوصفه سامياً، ويعليان من شأن الأنا، ويزعم أن بوزجلو الأب قصد في الواقع القول أن الإبداع ليس أنا، وإنما ذاكرتكم. لو كانت قدرتنا على فهم عمل إبداعي عظيم معلقة تماماً بالسياق الذي يعرض فيه، فحتى لو كان جرى التوثيق جيداً لبوزجلو كان ليصعب عرضه بكامل روعته في الثقافة الإسرائيلية حتى السنوات الأخيرة. لقد كان مهمَلاً في مخزن ما في وعي أبناء طائفته. كان لازماً أن تقوم طائفته وتزدهر سياسياً واقتصادياً ويشتد أزر خلفائه ويتمكنون من الارتياح لدى تذكرهم إياه، ليتمكنوا من نقل كاريزمته غناءً وقولاً لجميع الإسرائيليين.
ليس هناك أكثر موائمة من إنهاء الفيلم بمشهد يحاول فيه المنشد ماني كوهين تعليم المبتدئين في المعبد نشيد "الصخرة الذي أحياني"، وينتهي بجملة علمانية نثرية للغاية – ولهذا فهي مؤثرة، بالتحديد في فيلم موضوعه هو الذاكرة والنسيان: "شكراً لكم جميعاً، الدرس يوم الأحد كالمعتاد". ها هم أمامنا، أبناء روح ونبضات قلب بوزجلو. وهم بالتحديد من أنقذوه من النسيان. الثقافة التقليدية التي توقفت عن أن تكون بديهية وقت الهجرة لإسرائيل عادت لتسكن بثقة في مكانها.
_____________________________________
نُشرت الترجمة العربية للمقال في ملحق "فلسطين، السفير"، في عدد يونيو/ حزيران 2015 

No comments:

Post a Comment

comment ya khabibi